الارتفاع الحالي في اسعار النفط العالمية سيترك ـ بلاشك ـ اثارا ايجابية على موازنات الدول المنتجة, من حيث انه يعني زيادة الايرادات النفطية بنسبة الصعود نفسها في الاسعار التي بلغت 40% هذا العام. كما انه يسلط, من ناحية اخرى, الاضواء على حجم الضرائب الحكومية الباهظة التي يفرضها العديد من الدول المستهلكة وخصوصا في اوروبا والتي باتت تشكل الجزء الاكبر من الاسعار النهائية للمنتجات البترولية, الامر الذي يكشف عن دور هذه الحكومات في رفع اسعار المنتجات ويخفف الضغوط على اوبك باعتبارها المسئولة عن تحديد الاسعار غير ان ثمة آثارا سلبية حقيقية تترتب على ارتفاع الاسعار يتعين على الدول المنتجة ألا تتجاهلها في نشوء زيادة الايرادات. لقد اكتسب المؤتمر الحادي عشر بعد المئة لوزراء بترول منظمة الاوبك والذي عقد في فيينا في العاشر من سبتمبر الجاري اهمية دولية واقليمية بالغة حيث تطلعت اليه انظار العالم وبصفة خاصة الدول المستهلكة للبترول التي انتظرت قرارا بزيادة الانتاج وهو القرار الذي اتخذته دول اوبك بالفعل باتفاقها على رفع انتاج المنظمة بمقدار 800 ألف برميل يوميا وبهذا يصبح سقف الانتاج الجديد 2.26 مليون برميل يوميا على ان يطبق هذا الاتفاق بداية من الاول من اكتوبر. وقد رأت دول أوبك انه لا داعي للعمل بآلية ضبط الاسعار التي كانت المنظمة قد اقرتها في مارس الماضي والتي تقضي زيادة الانتاج بمعدل نصف مليون برميل يوميا اذا تجاوزت الأسعار 28 دولارا لمدة 20 يوما, وقد كان هناك عدد من الدول الاعضاء يعارض اطلاق العمل بهذه الآلية لعدم وجود فائض لديه لتلبية هذه الزيادة المطلوبة. والمفارقة انه رغم اقرار هذه الزيادة بالفعل, فقد اجمع وزراء أوبك على انه ليس هناك نقص في العرض النفطي وأن الموضوع مرتبط بالمصافي وبالنقص في المشتقات, وكذلك المضاربات في أسواق النفط, الأمر الذي يؤكد ان الضغوط الغربية شديدة الوطأة شكلت عاملا قويا في اتخاذها القرار الأخير. وقد تراجعت أسعار النفط في أسواق التداول الدولية وهو الانخفاض الذي رحبت به الكويت والمملكة العربية السعودية والامارات على أساس انه رد فعل طبيعي يحقق الغرض ويسير في الاتجاه الصحيح, بينما رأى العراق انه لم تكن هناك ضرورة لزيادة الانتاج, وكان ينبغي للمنظمة الالتزام بآلية ضبط الأسعار التي تحدد الزيادة بواقع 500 ألف برميل يوميا, كما أبدت المفوضية الأوروبية ترحيبا حذرا لقرار أوبك بزيادة انتاج النفط ووصفته بأنه خطوة في الطريق الصحيح وانها تنتظر حتى ترى التطور في أسعار السوق, كما أعربت عن استعدادها للحوار, كما اعتبرت وكالة الطاقة أن أوبك ربما تدخل دورة جديدة من الانتاج المفرط. أوبك وملابسات ما قبل قرار رفع الانتاج مع اقتراب ذكرى تأسيس منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) الأربعين, بدأ الكارتل الذي أسس في 14 سبتمبر 1960 في تحقيق بعض النجاحات على صعيد استقرار الأسعار ورفعها مما وفر مبالغ مالية معقولة لخزائن الدول الأعضاء مكنتها من تعويض خسائر عامي 97 ـ 98 وفي الوقت نفسه, وافقت المنظمة خلال العام الحالي على رفع الانتاج بنسبة 4.2 مليون برميل يوميا. لكن سعر النفط عاد حيث تخطى سعر البرميل للعقود الآجلة مبلغ 38 دولارا للمرة الاولى منذ حرب الخليج وسط اعتقاد التجار بأن اجتماع اوبك لن يسفر عن زيادة الانتاج بما يكفي لتهدئة الاسواق المتوترة حيث قفز سعر الخام القياس الامريكي (غرب تكساس) لعقود تسليم اكتوبر الى 07.35 دولارا في الوقت الذي تراوحت فيه مخزونات النفط الامريكية حول ادنى مستوياتها منذ 24 عاما الامر الذي زاد المخاوف من أي موجة برد مبكرة هذا الشتاء قد ترفع الاسعار الى 40 دولارا للبرميل كما حدث اثناء حرب الخليج وهي المخاوف التي تعلنها وترددها مصادر المعلومات الغربية للضغط على دول اوبك وحشد الرأي العالمي ضدها. وفي اسواق لندن ارتفعت اسعار خام (برنت) الى اعلى مستوياتها منذ 10 سنوات لتصبح 38 دولارا للبرميل وتجاوزت فترة ارتفاع السعر فوق 28 دولارا فترة الـ 20 يوما المشترطة لبدء تشغيل آلية ضبط الاسعار ( التي تقضي بزيادة الانتاج بواقع 500 الف برميل يوميا). وقد دأبت وسائل الاعلام على تنوعها على ابراز المخاوف الغربية ازاء نقص الامدادات النفطية واستمرار المسار الصعودي لاسعار البترول ومشتقاته وهو الامر الذي أدى في النهاية لبدء جولة جديدة من الشكاوى بين بلدان فريق المستهلكين لابراز الضرر الذي سيلحق باقتصاديات هذه الدول والضغوط السياسية والاجتماعية المتزايدة التي تتعرض لها من جراء ارتفاع سعر النفط والمنتجات البترولية وكذلك معاناتها من التضخم. ويذهب عدد كبير من المحللين الى ان الزيادة المستمرة في اسعار النفط والتي شهدتها الأيام الماضية ـ رغم كل الضغوط التي مورست من قبل الدول المستهلكة ـ إنما تكشف عن مدى الاجحاف الذي تعرضت له الدول المنتجة من جانب الدول المستهلكة خلال الفترة السابقة على هذا الصعود لأن بلوغ سعر برميل النفط لمعدلاته الحالية رغم الزيادات المتلاحقة في الانتاج يعني ان الدول المستهلكة تعمل على استبعاد قوانين السوق المتمثلة في العرض والطلب, وتعمد إلى فرض أسعار تمثل نوعاً من الاذعان يجب على المنتجين القبول به, ومما يؤكد ذلك ان المملكة العربية السعودية زادت انتاجها النفطي بمقدار 600 ألف برميل يومياً منذ يوليو الماضي وهي الزيادة التي لم تكن معلنة وهو الأمر الذي يؤكد ان الأسعار التي حاولت الولايات المتحدة ومعها حليفاتها من الدول المستهلكة فرضها على الأسواق خلال الأشهر الماضية هي أسعار غير عادلة, هذا إذا وضعنا في الاعتبار ان سوق الانتاج تعرض أيضاً لزيادات غير معلنة من جانب الدول المنتجة, وهذا يؤكد ان أسعار النفط بحاجة الى الاقرار بعدالة جديدة تحقق التوازن بين الدول المنتجة والدول المستهلكة, فالأشهر القليلة الماضية أثبتت ان مخاوف الدول المستهلكة هي مخاوف مصطنعة وغير حقيقية وبالتالي يجب التسليم بحقوق الدول المنتجة مثلما تطالب الدول المستهلكة بهذه الحقوق لنفسها وإلا فلن تشهد أسواق النفط الاستقرار أمام سياسة الهيمنة التي تحاول الدول الكبرى فرضها لأنها ستكون الخاسر الأول أمام تذبذب الأسعار حيث ان الأسعار ربما ترتفع بما يفوق قدرة الدول على تحملها, وبالتالي فالأفضل لكل الأطراف الاتفاق على عدالة جديدة تضمن لكلا الطرفين المنتج والمستهلك حقه. وعلى الرغم من اعلان معهد البترول الأمريكي في تقريره الأسبوعي على ارتفاع حجم مخزون النفط في الولايات المتحدة بمقدار أكثر من 3 ملايين برميل ولكن هذا لم ينجح في تهدئة السوق, وفي آسيا اشتعلت أسعار البترول لتصل لمستويات لم تشهدها منذ حرب الخليج مع تصاعد مخاوف بشأن تناقص المعروض في فصل الشتاء ومخاوف أيضاً من حدوث تضخم عالمي حيث ارتفع سعر البترول تسليم اكتوبر المقبل الى 19.35 دولارا ثم تراجع الى 10.35 دولارا لكنه ما زال اعلى بمقدار 10 دولارات على المستوى الذي ترى الولايات المتحدة انه مقبول. اسباب ارتفاع اسعار النفط ترجع اسباب الارتفاع الحالي لأسعار النفط الى مسائل نفسية ومضاربات, كما تشترك شركات النفط الغربية وحكوماتها في احداث هذا الارتفاع في الاسعار, وهو الامر الذي بدأ المستهلكون يدركونه وبشكل جلي. ان ارتفاع الاسعار تقف وراءه عوامل من قبيل المضاربات التي تجري في اسواق النفط لجني اكبر قدر من الارباح على حسابهم, وكذلك الضرائب العالية التي تفرضها الحكومات الغربية على مشتقات النفط ولا سيما البنزين حيث ادت الضرائب على المنتجات البترولية في الدول الصناعية الغربية الى عدد من الاضرابات, ففي بريطانيا اعلنت جمعيات المستهلكين اضراباً ليوم واحد عن شراء البنزين احتجاجاً على ارتفاع سعره وسعر الضرائب المفروضة عليه من قبل الحكومة البريطانية وكذلك حدث عدد من الاضرابات من جانب العمالة الفرنسية ضد اسعار الديزل, ولذا طالبت الدول المنتجة الدول المستهلكة خفض الضرائب وخصوصاً في اوروبا معتبرة التنازلات التي قدمتها الحكومة الفرنسية لسائقي الشاحنات الذين قاموا بحصار نفطي احتجاجاً على اسعار المحروقات (تقدما ايجابيا) ولهذا فقد آن الاوان لتخفض الدول الصناعية من ضرائبها عن المنتجات البترولية التي تقدر بما بين 40%-80% من سعر المنتج النهائي بدلاً من ان تقوم المفوضية الاوروبية المشتركة بانتظام بخفض للضرائب التي تفرضها عن المنتجات النفطية. ان السعي الى تحقيق سوق نفطية متوازنة ومنصفة تلبي مصالح المنتجين والمستهلكين يتطلب تحمل اعباء مشتركة من قبل الطرفين ويستوجب الابتعاد عن التنصل من المسئوليات والقائها على الآخرين. ومن اسباب ارتفاع اسعار النفط ايضاً, تحكم الشركات النفطية العملاقة في الاسواق الدولية وسيطرتها على نفوط الاشارة وبالذات نفط برنت من اجل تحقيق ارباح طائلة دون الاكتراث بالبلبلة التي تحدث في الاسواق, فالذي يحدث ان سعر تسلم نفط برنت الآن يزيد على 34دولارا للبرميل الواحد, بينما سعر تسليم البرميل بعد اسبوعين او اربعة اسابيع لا يتجاوز 31 دولارا اي ان الفرق 3 دولارات, وهذا امر غير طبيعي وغير معهود في السوق ويترتب على ذلك امتناع المصافي عن القيام بعمليات التخزين اللازمة تحسباً لاستمرار معدلات التخزين عند مستوى متدن. ومن ثم فقد بات من غير المنطقي ان تتحمل منظمة اوبك وحدها المسئولية عن ارتفاع الاسعار, وذلك رغم تعهد وزراء المنظمة بالتدخل قدر المستطاع لضخ مزيد من النفط لتخفيف الضغط على الاسعار بالاضافة الى ان اوبك تدفع ثمن الحصار والعقوبات على مدى السنوات العشر الماضية حيث ادى الحصار ضد العراق وايران وليبيا الى انهاك صناعة النفط الوطنية في هذه الدول, كما ادى ذلك الى عدم تطوير طاقات انتاجية اضافية بحدود من 3-4 ملايين برميل, ولا يمكن تحميل اوبك وحدها مسئولية الاضطرابات التي تشهدها اسواق النفط العالمية تلك الايام فكل الدول الاعضاء تعمل تقريباً بكل طاقتها الانتاجية, كما ان هناك زيادات متتالية لسقف الانتاج لسد الفجوة بين العرض والطلب التي يدعيها الغرب رغم ما يؤكده البعض من ان المعروض النفطي المعلن في السوق يكفي لحاجة السوق الفعلية. بقلم: انور الياسين مدير تحرير مجلة العربي الكويتية