بيير تيرزيان, الخبير النفطي ومدير مركز ـ البيتروستراتيجيا ـ الفرنسي يمارس صنفين من الانشطة: خبير اعلامي نفطي ومستشار, وقد انجز مركز ـ البيتروستراتيجيا ـ العديد من الدراسات الاقتصادية, حول صناعة النفط وانظمة الاكتشاف والانتاج في العديد من الدول الافريقية. وكذلك تكرير النفط وتوزيعه في فرنسا, وادماج الدول الاعضاء في منظمة الاوبك في التصفية, النفطية, الاجنبية ومستقبل الغاز الطبيعي في اوروبا في افق عام 2002 كما قام المركز بدراسات عديدة حول استراتيجية الشركات النفطية العالمية ومن اهم المتعاملين مع هذا المركز: وزير المالية الفرنسي, لجنة التخطيط الفرنسية, وزير النفط السعودي, شركة النفط اليابانية, واتحاد البنوك العربية والفرنسية, وشركة غاز فرنسا, شركة توتال النفطية, وشركة اجيب وغيرها. كما ويصدر المركز مجلة حول الطاقة باللغتين الفرنسية والانجليزية. ولد الخبير النفطي تيرزيان, في بيروت عام 1948 حيث درس في جامعة القديس يوسف, العلوم الاقتصادية, كما درس المعلوماتية وقدم شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون, كما مارس مهنة رئيس تحرير مجلة البترول والغاز العربي, في بيروت. وقام بالتدريس في جامعة جرونوبل. (الملف السياسي) التقى د. بيير تيرزيان وحاوره حول اوبك وأزماتها المتلاحقة, تاليا نص الحوار: * ماهي الضغوط السياسية التي تؤثر على السوق النفطية وأسعارها؟ ـ لا اعتقد بأن العامل السياسي هو العامل الوحيد الحاسم في هذه المسألة, ان التعقيدات التي عرفتها هذه الازمة متأتية من اسباب وعوامل كثيرة ومتشابكة, الشيء الذي يزيد هذه الازمة تعقيدا, النقطة الجوهرية الاولى هي وكما في تسلسلها التاريخي ان الازمة النفطية ابتدأت في الولايات المتحدة الامريكية انطلاقا من النفط المصفى, وليس على صعيد سوق النفط الخام, كانت هناك ازمتان خفيفتان نوعا ما, وهي ازمات فعلية رغم ذلك, فيما يتعلق بغاز التدفئة للمنازل, والاخرى تتعلق بوقود السيارات ونشهد في اوروبا في الوقت الحاضر تشبعا في انتاج القدرات الانتاجية في الغاز في مصافي النفط, وكما ترى ان هناك مشكلة في جانب النفط الخام وبالمقابل هناك مشكلة اخرى في جانب الغاز المصفى الذي يأتي في الدرجة الثانية وهناك الجانب السياسي في هذه المسألة, ان العراق يعاني من الحصار المفروض عليه بحيث لايستطيع ان يزيد الكمية الانتاجية من نفطه, وهذا ما ادى الى تصاعد حدة توتر السوق النفطية, واثر بالتالي على اسعار النفط. * لايزال العالم يعاني من مشكلة ضبط اسعار النفط التي قد تصل الى خمسين دولارا, ماهو رأيك؟ ـ لايمكن ابعاد فكرة زيادة اسعار النفط في الاسابيع المقبلة, ولكني اعتقد انه في غضون الشهرين المقبلين, ستبدأ الاسعار بالانخفاض بصورة حتمية, ولا اعتقد ان الاسعار ستظل مرتفعة بهذا الشكل لفترة طويلة. * ألا تعتقد بأن ارتفاع اسعار النفط في اوروبا والولايات المتحدة بسبب الضرائب المفروضة عليه؟ ـ تطرح مسألة الضرائب المفروضة على اسعار النفط في اوروبا اكثر مما هي عليه في الولايات المتحدة وامريكا الشمالية بصورة عامة, فالنفط الخام في الولايات المتحدة لاتفرض عليه الضرائب مثل التي تفرض عليه في اوروبا وأظهرت ازمة النفط في اوروبا بأننا وصلنا الى مرحلة قصوى من التحمل السياسي, ما يخص الضرائب ولا ارى ان الضرائب المفروضة على النفط ستنخفض في اوروبا في السنوات المقبلة, والحركة الاحتجاجية الشعبية التي عرفناها في اوروبا ـ اقول انها شعبية لان رجال الاطفاء وسائقي الشاحنات الذين قاموا باقامة الحواجز في الشوارع, رغم انهم عرقلوا الحياة اليومية للناس الذين يقودون سياراتهم فانهم حسب الاحصائيات حصلوا على دعم ومساندة الناس, وهذا يعني انهم الغالبية العظمى من الناس اي بنسبة 80 الى 85 بالمئة ومن احدى نتائج هذه الازمة زيادة الضرائب المفروضة على اسعار النفط في اوروبا ربما تؤدي الى انخفاض صغير في اوروبا. * ماهو رأيك بالتهديد الامريكي المستمر باستخدام احتياطياتها النفطية للتأثير على أوبك؟ ـ ليس بالتهديدات نحل المشاكل التي تتميز بهذه الخطورة بل على العكس ان الجميع يشعر بأننا بحاجة الى هذا النفط ويجب ان ترتفع الطاقات الانتاجية للنفط في كل مكان وفي البلدان التي تكون امكانياتها الانتاجية محدودة بعوامل سياسية يجب ان تختفي هذه العوامل السياسية ولايمكن فرض الحصار على بلد نفطي هام مثل العراق, وشعبه الذي يعاني وليس قادته وحتى ان العالم بأكمله يعاني من نقص انتاج النفط العراقي فهناك طاقات مهمة جدا ليست مستغلة لا تطالب دول الاوبك الا باستخدام هذا المخزون من قبل الولايات المتحدة لان الاوبك تندد بهذا المخزون الاحتياطي الامريكي وفي حالة استخدام هذا المخزون ستنخفض الاسعار وهذا ما هو مرغوب فيه والشيء الذي نلاحظه ان في الوقت الذي تطالب فيه الولايات المتحدة بخفض الاسعار وكذلك بزيادة الانتاج فانها لاتقوم بعد باستخدام مخزونها الاستراتيجي وأتساءل فيما لو كان الامريكيون صادقون في رغبتهم في تخفيض الاسعار لانهم اذا كانوا صادقين كان من المفروض استخدام ما لديهم من مخزون. * اذن فانهم قد يستخدمون مخزونهم في الوقت الحاضر.. أليس كذلك؟ ـ لايمكنهم ذلك لانهم لايمكنهم ان يستخدموه بشكل سري. * هل التهديد الامريكي ينصب الآن على استخدام الاحتياطي الاستراتيجي؟ ـ ليس الآن قالوا بأنهم سيفعلون ذلك ولكنهم لم ينفذوا ذلك بعد. * يقال بأن مخزونها الاستراتيجي وصل الى ادنى مستوياته منذ مدة طويلة.. ما رأيكم بذلك؟ ـ كلا, ان المخزون الاستراتيجي ظل محافظا على مستواه ولم ينقص كما يقال. * هل تعتقد بأن منظمة الاوبك تحولت الى قوة فاعلة اولى على الصعيد العالمي؟ ـ هذا شيء مبالغ به ان نتكلم عن منظمة اوبك كقوة عالمية اولى, وماهو صحيح, وان هناك انسجاما بين دول الاوبك منذ ازمة ,1998 حيث انخفضت الاسعار الى ادنى مستوياتها وقد عانت من ذلك جميع بلدان الاوبك وهو الامر الذي جعلها تتحد من جديد وهذا الاتحاد لايزال بل وسيعزز اكثر في هذه الظروف وخير دليل على ذلك الاجتماع الذي عقده رؤساء دول الاوبك في كاراكاس في نهاية شهر سبتمبر, وهذا الاتحاد حقيقي ويشرح بأن ارتفاع الاسعار منذ عام ,1998 والتاريخ يثبت لنا بأن انسجام دول الاوبك لم تشهد مثيلا له منذ 40 عاما, وهذا الشيء لايمنع من تنافر دول الاوبك في المستقبل. * وماهو رأيك بمسألة التوازن بين دول الاوبك والدول المستهلكة؟ ـ هناك توازن فعلي وبالاضافة الى ذلك فاننا نلاحظ في هذا الصيف حين ارتفعت اسعار النفط فانه وبشكل عكسي ارتفع انتاج النفط كان عرض النفط الخام يفوق الطلب, وبفضل قرارات الاوبك فان الفصل القادم سيشهد ارتفاعا في الانتاج وليس هناك اذن نقص في النفط الخام ولهذا فان الازمة معقدة لهذه الدرجة ومن الصعب استيعابها وحلها وهناك عوامل عديدة تتشابك في صيرورة هذه الازمة. * ماهي البدائل المتاحة امام امريكا والغرب لاخضاع الاوبك على المدى القصير والبعيد؟ ـ الحل الوحيد هو تعميم الحوار الجاد بين الدول المنتجة والدول المستهلكة, وكلا الجانبين لديهما موقف واضح, ومفاده ان الدول المستهلكة تنتظر من الدول المنتجة استمرارية الانتاج بشكل متوازن وبأسعار منخفضة, وتؤكد الاوبك من جانبها ان الحكومات والدول تعمل على فرض ضرائب كبيرة على النفط, وفي هذه الحالة اذا لاحظنا الآن ان من جانب اول الاسعار باهظة وفي المقابل ان الضرائب مرتفعة فان اللحظة حرجة للغاية وقلما كانت مؤيدة لحوار جاد بين الجهتين وينبغي على هذه الدول ان تبذل جهودها من اجل الحفاظ على الاسعار ليس اسعار النفط الخام بل اسعار النفط المستهلك اي الاسعار النهائية بعد الضرائب, واللحظة مواتية الآن لاجراء هذا الحوار. * لماذا تفرض دول اوروبا هذه الضرائب المرتفعة على اسعار النفط؟ ـ الاجابة سهلة, وهي تفرض لسببين, الاول لانهم يعتقدون اذا ارتفعت الضرائب فان الاستهلاك سينخفض وهذا ليس صحيحا لان الاستهلاك في ارتفاع دائم وهذه فكرة خاطئة وتتوخى اوروبا من خلال فرض الضرائب العالية انها ستخفض من تلويث البيئة لكن وعلى سبيل المثال اذا ارادت فرنسا تخفيض استهلاكها فان سعر النفط المصفى يجب ان يزيد بنسبة 50 بالمئة وهذا شبه مستحيل وحتى على الصعيد التجاري غير ممكن, الشيء الذي يجعلني اقول بأن زيادة الضرائب بهذه الطريقة التي نشهدها الآن تعود الى ميزانيات الدول, اذ من السهل ملء خزائن الدولة, ومقارنة بالقدرة الشرائية فان اسعار النفط بعد الضرائب تبقى منخفضة على ما كانت عليه قبل 15 سنة اما اذا كان الشغل الشاغل هو المحافظة على البيئة كما يروج, فكان يجب على هذه الدول ان تكون صارمة في اختيارها لمكونات ما تشتريه كما كان من الواجب ان تكون صارمة في رقابتها على وسائل النقل المتنوعة, ونلاحظ بأن نظام الرقابة على السيارات في اوروبا اقل صرامة مما هو عليه في كاليفورنيا مثلا. * ماذا عن ضغوط المستهلكين في اوروبا على الاوبك؟ ـ دول الاوبك ليست صماء ازاء مايحدث وحين يزيد الطلب بزيادة الانتاج فانهم يستجيبون لكنا نصل الى نقطة حرجة في الوقت الذي تقل فيه القدرة الانتاجية غير المستخدمة بعد وهذه القدرة تصل اليوم الى 2.5 ملايين برميل في اليوم يعني ذلك ان اي دولة منتجة تستطيع التأثير على الانتاج النفطي العالمي اذا اوقف انتاجها لسبب او لآخر, انها مسألة رياضية على سبيل اذا توقف الانتاج النفطي في النرويج بسبب اضراب ما نلاحظه نتائجه على الفور او اذا اصر بلد آخر منتج كالعراق مثلا, على تخفيض انتاجه النفطي لسبب او لآخر الى 500 برميل يوميا, اي بنسبة 20 بالمئة سترتفع الاسعار الى 40 دولارا او اكثر, اذن يجب زيادة الانتاج ليس في دول الاوبك وحدها بل في العالم اجمع. * ماذا إذا رفع الحصار عن العراق؟ ـ في هذه الحالة ستؤدي الى نتيجتين سيتمكن العراقيون آنذاك بالتزود بالاجهزة الضرورية التي يحتاجونها من اجل رفع طاقتهم الانتاجية ومن ناحية فان الشركات الاجنبية ستتمكن من استثمار وانتاج النفط في العراق وهذا يتطلب سنوات طويلة, لكن لايمكن ان نلتمس نتائج رفع الحصار وتأثراته النفطية في وقت قصير, وما دام هناك توتر وضغوطات فان الحصار يبقى مفروضا على العراق والولايات المتحدة اذا ارادت تغيير موقفها تجاه العراق فانها لن تختار الوقت الحالي حفاظا على صورتها هذا رأيي من المستبعد جدا ان يرفع الحصار حاليا. * ماهو دور المضاربات التجارية في رفع اسعار البترول؟ ـ كلما زادت اسواق البترول توترا كلما زادت المضاربات التجارية, المحاكمات التي تشهدها الولايات المتحدة والاتهامات بين مصافي النفط والمتعاملين معها وتزييفها لمسألة رفع الاسعار ماثلة امامنا في الوقت الحاصر. * هل انت متفائل بالنسبة للسنوات المقبلة؟ ـ نعم انني متفائل لان احتياطي النفط موجود بكميات هائلة, وهناك احتياطي عمره اربعون عاما لم يتم استغلاله لحد الآن, لكن صناعة النفط صناعة دورية, ولا يمكن الخروج من هذه الدورة ببساطة لان اسعار النفط متحركة بين الصعود والنزول ولايمكن تجنب ذلك. اجرى الحوار في باريس: شاكر نوري