أبدى خبراء نفط واقتصاد مصريون تفاؤلا حذرا تجاه قرار وزراء النفط الأعضاء فى منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) فى ختام أعمال اجتماعهم الأحد قبل الماضى فى فيينا.. وأوضحوا أن القرار يؤكد مصداقية الأوبك والتزام أعضائها بما يقررونه حيث أن زيادة الانتاج بنحو 800 ألف برميل يوميا تتماشى مع وظيفة آلية ضبط الأسعار التى أقرتها المنظمة فى مارس الماضى وتقضى بزيادة الانتاج بمعدل 500 ألف برميل يوميا فى حالة تجاوز الأسعار حاجز الـ 28 دولارا للبرميل لمدة 20 يوما متتالية.. وأكد الخبراء أن قرار وزراء النفط الأخير جنب المنظمة ضغوطا قوية كانت متوقعة من جانب أوروبا وأمريكا وفى نفس الوقت فإنه لن يؤثر بشكل كبير على أسعار النفط لاسيما أن الزيادات السابقة التى تجاوزت 3.2 مليون برميل يوميا وأقرتها المنظمة فى مارس ويونيو الماضيين لم تفلح فى وقف صعود سعر النفط فى الأسواق العالمية ليصل إلى 35 دولارا. وقال الخبراء أن قرار الزيادة الذي تبنته السعودية ولقي قبولا من معظم دول الأوبك وفى مقدمتهم الامارات وايران والكويت كان ضروريا للتأكيد على أن الأوبك ليست المسئولة عن ارتفاع الأسعار وما يتبعها من تداعيات تؤدي الى حالة من الركود الاقتصادى العالمى وتعرض الدول النامية المستوردة للنفط لاضرار جسيمة حسبما يدعي الجانب الأوروبى والأمريكي كما أن القرار وضع الدول المستهلكة الكبرى فى مأزق حرج بعد ثبوت أن الضرائب والرسوم التى تفرضها على النفط وتذهب حصيلتها الى خزائنها سبب رئيسي فى ارتفاع أسعار النفط. وطرح الخبراء مخاوف عدة من الافراط فى قرارات زيادة الانتاج لاسيما أن الاسعار الحالية لا تعبر عن حقيقة أوضاع السوق وان زيادة الطلب انما تعود إلى تراجع مخزون الدول الصناعية المستهلكة وعوامل أخرى مؤقتة يمكن أن تزول وتتعرض الأسعار للانهيار مرة أخرى كما طالبوا بالحرص على تماسك الأوبك فى مواجهة أية ضغوط مستقبلية من أجل زيادة الانتاج وأكدوا أن الدول المستهلكة لن تساند دول الأوبك فى حالة تراجع الأسعار وستتركها وحدها تحصد الخسائر. قرار ايجابى أعتقد أن قرار زيادة الانتاج بمقدار 800 ألف برميل يوميا قرار إيجابي.. هكذا يقول الدكتور حسين عبدالله خبير اقتصاديات النفط المصرى.. ويضيف أن القرار يثبت مصداقية الأوبك والتزام اعضائها بما يتفقون عليه.. موضحا أن التزام الأوبك بتنفيذ آلية ضبط الأسعار والتى تقضي بزيادة الانتاج نصف مليون برميل يوميا فى حالة تجاوز الأسعار حاجز الـ 28 دولارا للبرميل لمدة 20 يوما متتالية كان ضروريا لاسيما أن هذا القرار سيجنب منتجى النفط سياسة مكثفة من جانب كبار الدول المستهلكة خاصة أمريكا ودول الاتحاد الأوروبى.. وأشار الى أن هذه الزيادة لن تؤثر على أسعار النفط بشكل كبير ولن تضر بمصالح المنتجين غير أن تكرار هذه الزيادات سيكون لها تداعيات سلبية. وحول ماتتعرض له منظمة الاوبك من ضغوط خارجية مع ارتفاع الأسعار أوضح الدكتور حسين أن تلك أمور مفهومة بسبب تضارب المصالح أحيانا وباعتبار أن كلا يسعى لتحقيق مصلحته الذاتية.. واستطرد قائلا إن الدول الصناعية تحاول كسب المزيد من الموارد المالية بإلزام مواطنيها بدفع مزيد من الضرائب على السلع النفطية مما يرفع أسعارها.. وأنه ومحاولة منها لتحسين صورتها فإنها تلقي باللوم على الأوبك وتزعم أنها السبب الأساسى لتلك الارتفاعات رغم أن الأوبك لا تنال غير حصة ضئيلة لا تذكر من المحصلة النهائية التى تذهب نحو 85% منها لخزينة الدولة المستهلكة. عوامل أخرى خارج الأوبك ورصد الخبير النفطى عوامل عديدة خارج نطاق الاوبك ساهمت فى رفع الأسعار أبرزها تدنى الاحتياطى النفطى الامريكى الى أقل مستوياته منذ ما يزيد على أربعة وعشرين عاما.. معتبرا انه سبب رئيسى فى التطورات الاخيرة ولا تستطيع الأوبك التأثير فيه الا قليلا.. ويزيد من مصداقية هذه الفرضية حسبما يقول الدكتور حسين أن الأوبك رفعت سقف انتاجها بشكل كبير خلال الأشهر الثمانية الماضية الا ان الأسعار استمرت فى الصعود الى أن بلغت 35 دولارا للبرميل قبل اسبوع. وانتقد الدكتور حسين عبدالله ماتردده وسائل الاعلام الغربية من اتهامات ضد الأوبك وتحميلها بمفردها عدم استقرار أسعار النفط العالمية.. وأكد أن وسائل الاعلام الغربية ومن خلفها الدول المحركة لها تغفل حقيقة أن برميل النفط يحتوى على 159 لترا من البنزين أى أن سعر اللتر الخام لا يتجاوز 21 سنتا أمريكيا فى السوق العالمى فى حين يتجاوز سعره فى بلد أوروبى كألمانيا مايوزى 75 سنتا بسبب الضرائب التى تفرضها الدول الأوروبية على المحروقات بشكل عام ووقود السيارات بشكل خاص.. مشيرا الى ان حصيلة هذه الضرائب تذهب الى الخزانة الأوروبية وليس المنتجين. ووصف الدكتور حسين قرار زيادة الانتاج الأخير بأن له مبرراته القوية.. وأن الجناح المعتدل فى منظمة الأوبك الذى يضم السعودية والامارات وايران ودولا أخرى نجح فى اقناع باقى دول المنظمة بدوافع زيادة الانتاج فى هذه المرحلة الحساسة التى تواجه فيها الاوبك ضغوطا غير طبيعية واتهامات بأنها ستكون سببا فى ركود اقتصادى عالمى وخسائر ضخمة لدول عديدة.. وأشار إلى ان نجاح منظمة الأوبك فى سعيها المشروع للاحتفاظ بأسعار عادلة للنفط فى الأسواق العالمية سيبقى رهنا بمقدرتها على تقريب الفجوات فى مواقف الدول الاعضاء التى برزت مؤخرا وحسم الجدل حول آلية سقف انتاج المنظمة بمايسمح لها بتحصين مواقفها حيال حملات اعلامية وضغوط سياسية قادمة من أجل دفع الأوبك لزيادة الانتاج مجددا خاصة أن الدول الغربية ترى ان الأمر يتطلب زيادة سقف انتاج الأوبك بنحو 5.2 مليون برميل يوميا. تهدئة الأسعار ويرى الدكتور مصطفى عبدالفضيل رئيس قسم الاقتصاد والعلوم السياسية فى جامعة القاهرة أن قرار زيادة الانتاج سيساهم بفاعلية فى تهدئة الاسعار وتخفيف حدة الضغوط الأوروبية والأمريكية العنيفة على الأوبك.. وتوقع أن يتم تلبية معظم هذه الزيادة عن طريق المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة اللتين أكدتا استعدادهما لتلبية هذه الاحتياجات.. موضحا أن قرار الأوبك رسالة واضحة موجهة للأسواق وبادرة حسن نية يجب ان تقابل ببادرة مماثلة من الدول المستهلكة المطالبة بخفض الضرائب التى تفرضها على الوقود وتسبب ارتفاع أسعاره. وتحفظ الدكتور على ما يتردد من امكان زيادة أخرى لسقف انتاج الأوبك فى نوفمبر المقبل مشددا على ضرورة دراسة السوق وكافة العوامل المؤثرة فى العرض والطلب, وضمان عدم تراجع الأسعار عن مستويات عادلة ومقبولة من الدول المنتجة قبل اتخاذ مثل هذه القرارات مجددا.. وأوضح أنه لا يجب ان تنزعج الدول المنتجة من تهديدات وضغوط الدول المستهلكة التى لا ترى سوى مصالحها.. وأضاف أن الارتفاع القياسى الحالى لأسعار البترول يشكل ضغطا كبيرا على الدول المنتجة لانه لا يمكن تجاهل مصالح الدول المستهلكة لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب الدول المنتجة والتى عانت لسنوات طويلة من انخفاض الأسعار ولم تبال الدول المستهلكة بذلك وتجاهلت مساندة الدول المنتجة ولم تحفل بما أصاب اقتصادياتها من عجز في خططها التنموية. وتوقع الدكتور عبد الفضيل أن يتخطى انتاج دول أوبك بما فيها العراق حاجز الـ 30 مليون برميل يوميا خلال الشهر الحالى بما قد يكون كافيا لانهاء حالة الفزع التى تفتعلها الدول المستهلكة الكبرى فى أسواق النفط العالمية عن عمليات المضاربة والمراهنات والتوقعات المستفزة.. وأعرب عن تخوفه من أن تؤدى قرارات زيادة الانتاج الى زيادة العرض وتحقيق فائض فى السوق يؤدى فى النهاية الى تكرار تراجع الأسعار كما حدث قبل عامين.. لا سيما أن هناك تآكلا مستمرا فى سعر النفط الحقيقى والاسمي اذ بعد أن بلغ السعر الحقيقى لبرميل النفط باستخدام عام 1973 كأساس بعد استبعاد أثار التضخم وتغيرات سعر الصرف ذروته عام 1981 عند 4.16 دولارا للبرميل أخذ يتراجع تدريجيا من 2.15 دولارا عام 1985 إلى ما يتراوح من 4 و5 دولارات على مدى عقد التسعينيات. السعر المرجعى وأعتبر الدكتور عبد الفضيل السعر المرجعى الذى يحقق استقرار الأسعار يتراوح بين 25 و28 دولارا للبرميل الخام.. وأن هذا السعر الذى تتبناه السعودية ودول أخرى فى الأوبك يحقق مصلحة المنتجين والمستهلكين وهو الذى دفع هذه الدول على اتخاذ موقف معتدل يطالب بزيادة الانتاج فى المرحلة الراهنة لكن المشكلة تكمن فى زيادة المعروض عن احتياجات الطلب الجارى فى سوق النفط العالمية مما يؤدى الى اتاحة الفرصة للبلدان المستهلكة لتكوين مخزون سلعى كبير من النفط الأمر الذى يؤدى بدوره الى اغراق السوق فيما بعد وتخفيض أسعار النفط عنوة مهما حاول المنتجون تخفيض مستويات الانتاج.. وأشار الى ان الزيادة المرغوبة فى الانتاج من جانب بلدان الأوبك يجب ان تكون فى حدود 3.2 مليون برميل فى اليوم وذلك لتعويض السحب من المخزون النفطى فى أوروبا وبلدان أمريكا الشمالية وللعودة الى مستوى المخزون الذى كان سائدا خلال النصف الأول من التسعينيات. وأكد أن المعطيات السابقة توضح أن التحكم فى أسعار النفط ليست فقط المحصلة للعرض والطلب بالشكل المجرد وأن المخزون النفطى للبلدان المستهلكة يلعب دورا مهما كمتغير استراتيجى فى مسألة تحديد الأسعار.. لذا يجب الا تسرف مجموعة بلدان اوبك فى زيادة الانتاج بما يفوق احتياجات الطلب الجارى حتى لا تتحول سياسات تكوين المخزون النفطى فى البلدان المستهلكة المتقدمة الى سلاح يعاد تصويبه الى صدور بلدان الأوبك مجددا. مصداقية أوبك ويؤيد مجدى صبحى الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية المصرى ماسبق.. وأكد على ذكاء تناول وزراء النفط فى دول الأوبك للموقف الحالى واتخاذهم القرار المناسب حياله.. وأوضح أن نجاح الجناح المعتدل فى المنظمة فى اقناع الأوبك بزيادة سقف الانتاج بنحو 800 ألف برميل يوميا سيمكن البلدان المنتجة من تجاوز المأزق الذى تحاول دائما الدول المستهلكة وضعها فيه أمام الرأى العام العالمى.. كما يضفي الشرعية حال استخدام نفس الآلية حال تراجع أسعار النفط عن حد معين.. وأشار إلى أن تفكير أوبك فى مستويات انتاج دولها الأعضاء طبقا للآلية الجديدة التى أقرتها المنظمة فى مارس الماضى وهو التدخل بزيادة الانتاج فى حالة ارتفاع الأسعار عن حد معين لأكثر من 28 دولارا لمدة 20 يوما متتالية سيكون له مردود ايجابى حيث ان احترام هذه الآلية وقت ارتفاع الأسعار هو الذى سيدفع نحو تأكيد مصداقية المنظمة ونفوذها الأمر الذى سيعنى أن جميع المتعاملين فى سوق النفط سيتوقعون خفض كمية الانتاج حال انخفاض السعر عن 22 دولارا للبرميل لمدة 20 يوما متتالية شريطة أن يرتبط ذلك بعدم تفكيك وحدة المنظمة. الجناح المعتدل وحسبما يقول مجدى صبحى فإن الجناح المعتدل فى أوبك والذى سعى لزيادة الانتاج ويضم السعودية والامارات وايران لديه بعد نظر ولا يركز تفكيره على الاوضاع الراهنة فقط وانما يحاول رؤية مستقبل منظمة أوبك حيث أن التشدد فى مواجهة الضغوط الأمريكية الاوروبية المغلفة باتهامات المسئولية عن الكساد والركود للاقتصاد العالمى كان سيكون له تأثير شديد السلبية على مستقبل أوبك, فى حين أن زيادة سقف الانتاج بقدر معقول يفوت على من يريدون تفكيك المنظمة غرضهم كما لا يؤثر بشكل كبير على مستوى الأسعار. وأكد أن الضغوط التى يمارسها التحالف الأمريكى الاوروبى ليس فقط من أجل زيادة الانتاج وخفض الأسعار وانما منع أى كيان مؤسسى كالأوبك من تملك وسيلة نظامية يمكن بها التأثير على الأسعار أو التحكم فيها. وأشار إلى أن امتلاك أوبك آلية تحديد الأسعار لا يلقى قبولا لدى الدول المستهلكة.. غير أن تواصل وثبات الأسعار عند مستوياتها المرتفعة وصعودها فى بعض الأحيان عن تلك المستويات دفع الدول المستهلكة لقبول المدى السعرى على الأقل فى الوقت الراهن وأجلت مسألة تفكيك الأوبك لمرحلة لاحقة. القاهرة ـ يوسف شاكر