عاد السجال مجددا بين رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري والحالي سليم الحص بعد تقديم الاخير جردة حساب لانجازات حكومته لم يخل من الهجوم على معارضيه, الذين وصفهم بالمتحاملين والذين ردوا التهم بتحميله مسئولية تعطيل حركة الاقتصاد في لبنان. وكان الحص, قال في مؤتمر صحافي عقده امس الأول ان اهم انجازاته هو مواكبة تحرير الجنوب واجتماع وزراء الخارجية العرب واستقبال عدد من قادة الدول العربية. وما يميز السجال القائم بين الجانبين انه يؤسس لرؤية واضحة للصعوبات والتعقيدات التي ستواجه الحكومة المقبلة, التي سيبدأ البحث بأمور تشكيلها بدءاً من اعتبار الحكومة الحالية مستقيلة منذ 17 اكتوبر المقبل, لتتحول الى حكومة تصريف اعمال, لا تنتج قرارات, بانتظار ولادة (السعيدة الحظ) البديلة عنها. وبين احاديث عن انجازات من هنا وتقصيرات من هناك, لا يبدو ان ولادة الحكومة العتيدة ستكون سهلة ومن دون (عملية سياسية قيصرية) تعيد التوازنات والتحالفات الى مصاف متقارب بالقدر الأقصى الممكن. ولا يخفي رئيس الجمهورية اميل لحود قناعته بتوجيه الأمور الى زاوية التهدئة, خاصة بعد الحرارة المتفاقمة في ذلك السجال. يسجل معارضو الحص عليه سلسلة من الاخطاء ارتكبتها الحكومة الحالية, وأبرزها اغفال تحفيز النمو الاقتصادي, أو اتخاذ اجراءات كان من شأنها الحؤول دون تحقيق أي معدل نمو. فبين النمو السلبي في العام الماضي, ونمو نصف في المئة في النصف الأول من العام الجاري, تأثرت كل القطاعات بالركود حتى بات الوضع الاقتصادي المتأزم يهدد مسيرة الدولة عموما. ومن (الخطأ الأم) ـ ودائما الرأي لملاحظات المعارضين ـ تفرعت اخطاء مالية واقتصادية بالجملة, وان كانت الحكومة لا تعترف بها بل تقر بنتائجها التي من عناوينها الابرز: المزيد من الركود. بداية وضعت الحكومة العام الماضي خطة لما سمي بالاصلاح المالي يرمي الى السيطرة على المديونية بخفض نسبة العجز الى الناتج لتفادي 127 في المئة عام 1999, كذلك 126 في المئة للعام الجاري, لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد وصلت نسبة العجز الى الناتج العام الماضي الى 138 في المئة, وستكون خلال العام الجاري 143 في المئة في احسن الاحوال, ذلك لأن الناتج (ملجوم) النمو والاستدانة على قدم وساق. و زاد الدين العام منذ بداية 1999 وحتى يوليو الماضي نحو 4.5 مليارات دولار. وأضحى الاجمالي منه 23 مليار دولار في مقابل 16 مليارا فقط للناتج. وهنا يضيف المعارضون: كان للتقشف الحكومي على النفقات الاستثمارية الأثر الأكبر. فقد اجمعت حكومة الرئيس الحص عن استكمال خطة الانماء والاعمار والانفاق على الجزء الأكبر من البنى التحتية والمنشآت, وأرجأت تفعيل منشآت اخرى خوفا من نفقات تشغيلية. كذلك, فقد انطلقت الحكومة من شعاري التقشف ووقف الهدر, لذا جاء تشخيصها للمشكلة الاقتصادية على غير حقيقته. فأتت المعالجات بالتالي على طريقة الأدوية المتناقضة فيما بينها التي اعطيت (للمريض الاقتصادي) بجرعة واحدة وكبيرة وغير مدروسة فأودت به, وبالحل, كما فاقمت المشكلة. ومن المعالجات الخاطئة, زيادة معدلات الرسوم والضرائب, والاصلاح الاداري الفاشل, والترهيب بسيف القانون لا بلزوم تطبيقه وبحث تحديثه عند اللزوم. فتكررت الشكاوى حتى باتت اكثر من مملة احيانا, وادت الى سيادة مناخ غير مؤات للاستثمار, فتأخرت مثلا عملية التخصيص وفاتت فرصة الافادة من الهاتف المحمول بتحويله من عقد الى رخصة. وتعطلت مشاريع الوسط التجاري بعدما احكمت القبضة على مخططات لم تطلق من (سجن سياسي اكثر مما هو تنظيمي) . بيروت ـ وليد زهر الدين