لا يزال الشارع السياسي اليمني يتساءل عن الاهداف الحقيقية للسلطة في اجراء التعديلات الدستورية المقترحة وبشكل خاص والاهداف التي طرحتها المذكرة التفسيرية المقدمة من الرئاسة غير مقنعة.. بل ان التعديلات المقترحة تتناقض تناقضا حادا مع ما جاء في مقدمة المذكرة التفسيرية بل ومع المبررات المطروحة لمعظم المواد المطلوب تعديلها. اضافة الى تناقضها مع واقع الممارسة اليومية للنخبة الحاكمة. المذكرة التفسيرية تستهل حديثها عن التطور المتنامي في تجربة اليمن الديمقراطية منذ التعديلات الدستورية التي تمت بعد حرب 1994 وتؤكد المذكرة ان اليمن تأكيدا لمبدأ ان الشعب هو مالك السلطة ومصدرها ـ قد سارت شوطا في البناء المؤسسي للدولة الحديثة التي رسم الدستور معالمها بهدف التداول السلمي للسلطة. هذا الكلام غالبا ما تردده وسائل الاعلام الرسمية في جعجعة لا يرى الشعب لها طحنا. فالمؤسسات الدستورية في واقع الممارسة قد تحولت جميعها الى مسرح للعرائس تديرها نخبة سياسية خارج اطار الدستور والقانون اما التداول السلمي للسلطة فقد اصبح بلا معنى. والذين لا يمنحون مواطنيهم حق انتخابات رؤساء الوحدات الادارية المحلية لا يمكن ان يمنحوهم حق استبدال رئيس الجمهورية برئيس آخر, والنخبة التي تسعى بكل وسائل التحايل الفقهي للحد من صلاحيات المجالس المحلية والتشريعية التي ينتخبها الشعب, وتسعى للحد من حق المواطنين في ابداء رأيهم عند تعديل الدستور او عند حل مجلس النواب لا يمكن ان تكون نخبة جادة في ادعائها السعي الى توسيع ساحة المشاركة الشعبية.التعديلات الدستورية المقترحة تتجه بوضوح الى تكريس سلطة الفرد والحد من سلطة المؤسسات بينما المذكرة التفسيرية ـ ودون حرج ـ تقول ان التعديلات تهدف الى (المزيد من تكريس النهج الديمقراطي وتطويره واكسابه المزيد من الضمانات, يا ترى هل الغاء حق الناس في ابداء رأيهم من خلال الاستفتاء في اي تعديل دستوري هو تكريس للنهج الديمقراطي؟وهل جعل مصير السلطة التشريعية مرهون بقرار فرد يعتبر مزيدا من الضمانات؟ تقول المذكرة التفسيرية ان احد اهداف التعديل الدستوري هو (احداث تطوير مهم في بعض جوانب النظام الانتخابي وتوفير قدر اكبر من الاستقرار للسلطة التشريعية الى جانب توفير قدر اكبر من المرونة في الانتخابات الرئاسية) . التطوير الذي جاءت به التعديلات على النظام الانتخابي لا يحول النظام الانتخابي من الدائرة الفردية الى القائمة النسبية ولا يستهدف تصحيح جداول الانتخابات التي اقر القضاء والسلطة والاحزاب انها تحتوي على اسماء اموات عند ربهم يرزقون, وعلى اسماء وهمية من نسج الخيال. كما ان التطوير المقترح لا يتناول الطريقة التي يجب ان تختار بها اللجنة العليا للانتخابات لضمان حياديتها ولا دور القضاء في الاشراف على الانتخابات, ووضع حد لهيمنة الاجهزة التنفيذية على الاجراءات الانتخابية كما لم تتناول سبل الحد من الانفاق من المال العام لشراء الضمائر وتزوير الانتخابات.. كل ما سبق لم تتناوله التعديلات المقترحة وكل ما جاءت به هو تمديد عمر المجلس التشريعي القائم الذي تحظى فيه السلطة بالاغلبية المريحة مع اضافة مئة وأحد عشر عضوا معينا في مجلس للشورى يشارك المجلس التشريعي صلاحياته. وبتمديد عمرالمجلس التشريعي عامين ليصبح ست سنوات بدلا من اربع هيأت المناخ لتمديد مدة رئاسة الجمهورية لتصبح سبعا بدلا من خمس سنوات. وبهذا التطوير (البديع) تم حرمان الاحزاب التي لا توجد داخل المجلس من المشاركة لسنتين اضافيتين وبشكل خاص الحزب الاشتراكي اليمني الذي اتخذ مؤتمره الرابع قرارا حازما بالمشاركة في الانتخابات المقبلة.هذا هو مفهوم السلطة لاستقرار السلطة التشريعية, وتطوير النظام الانتخابي, وترسيخ النهج الديمقراطي .. ولاثبات حسن النية طالبت التعديلات بالغاء حق رئيس الجمهورية في اصدار قوانين بقرارات وبعد ان اصدرت الرئاسة خلال الاعوام المنصرمة ما يقرب من 90% من القوانين بقرارات. بل انها الغت قوانين اقرها مجلس النواب مثل قانون الضرائب .. علما ان الدستور ينص على الا يستخدم هذا الحق الا عند الضرورة القصوى التي لا تحتمل التأخير عند غياب مجلس النواب على ان تعرض على المجلس في اول اجتماع له. وماهو حادث ان هناك العشرات من القوانين بقرارات لم تعرض على المجلس حتى اليوم .. ان اقتراح السلطة اليوم الغاء هذه المادة ليس الا مناورة واستغفال وحتى لو الغيت اليوم فسوف يعيدونها غدا وبعد ان يصبح تعديل الدستور سهلا وقبض اليد. اما مبرر الحد من الانفاق بتمديد مدة مجلس النواب والرئاسة فهو مبرر صحيح بالنسبة للنخبة الحاكمة التي تضطر الى انفاق الملايين لا لأن العملية الانتخابية تتطلب ذلك ولكن لان شراء الضمائر مكلف... اما الشعب فالانتخابات هي المناسبة الوحيدة التي يحصل فيها بعض الغلابة على قسط من اموال الدولة, وعليه فان التعديل يشكل حماية للنخبة من الانفاق ويشكل حرمانا للشعب لاسترجاع قليل من ماله.المثير للسخرية ان بعض اعضاء مجلس النواب يدافعون بحرارة عن نظام التعيين الذي يأتي بعناصر افضل من النظام الانتخابي ناسين ان الذي رشحهم في الانتخابات ودعمهم بالمال والسلطة لكي يصلوا الى مجلس النواب هو الذي سوف يتولى تعيين اعضاء مجلس الشورى. اما مقترح اضافة مادة الى الدستور عن النظافة فهو التعبير الدرامي لمدى السخرية بعقول الناس والذي وصل الى محاولة اقناع الشعب ان نظافة الشوارع لن تتم الا بنص دستوري .. وبما ان الدساتير في عالمنا العربي لا تنفذ فان الخوف ان كنس الشوارع ونظافة البيئة تدخل في دائرة عدم التنفيذ. السؤال المهم ماذا بعد التعديلات؟ فالتعديلات تهدف الى استكمال الهيمنة على مؤسسات الدولة ولا تأتي عبثا وانما هناك استحقاقات قادمة يهيىء المناخ لها ولا استبعد ان يكون منها مايلي: 1ـ دخول مرحلة التطبيع الصريح والواضح مع الصهيونية وهذا هو الثمن المقدم لضمان سكوت امريكا والاوروبيين عن التراجع عن الديمقراطية. 2ـ المزيد من التنازل في الحدود الجغرافية والحقوق الوطنية للشعب اليمني. 3ـ تهيئة الساحة لنظام الوراثة وكسر اجنحة القوى السياسية المنظمة القادرة على الحركة. 4ـ تصفية مراكز القوى التي لا يطمئن الى قبولها بالاوضاع الجديدة وحتى يصل الامر الى القول المأثور (خلا لك الجو فاصفري وبيضي) . ان الأمل طول .. والأجل عرض. بقلم: د. محمد عبدالملك المتوكل