استمعت وتابعت كل ما قاله رئيس الوزراء الاسرائيلي (ايهود باراك) عن موضوع القدس اثناء اشتراكه في (قمة الالفية) التي عقدت في مدينة نيويورك, مقر الامم المتحدة, وقد حضر القمة حوالي 168 رئيس دولة وحكومة, على الرغم من صعوبة التفريق احيانا بين المفهومين والرئيس عرفات مثلا, يشار اليه برئيس المجلس عرفات احيانا, بينما يتصرف هو كرئيس دولة, ويعامل من الجميع انه كذلك. وذلك احيانا من الرسميات والتلميحات, الا ان الرجل يتصرف ويعامل كرئيس دولة. وقال باراك, وهو يتحدث من نيويورك لتعزيز موقفه محليا في اسرائيل ويهوديا في نيويورك, ان القدس لما ولد المسيح عليه السلام لم يكن فيها مسيحي واحد, او كنيسة, او مسجد, بل فيها الهيكل وقال ان اي رئيس وزراء يهودي لا يمكن ان يقبل بالتنازل عن السيادة على جبل الهيكل. وقد رفض الرئيس عرفات التقسيم الجديد للسياده بينه وبين دينيه وسياسية, وما هذه بفائدة في اي محكمة دولية. واما باراك, فقد بدا الساعي للسلام اثناء عام الانتخابات الامريكية, لينجو هو من مطب الوقوع في الانتخابات. والقدس قد تعرضت, بفضل الاعلام الدولي والتفنن اللغوي الاسرائيلي ومفاهيم كثيره, فهنالك القدس, والقدس الموسع, والقدس الدينية, والقدس المستعمرات, والقدس الكبرى, وغيرها من التعريفات, والواقع ان اسرائيل في وقت من الاوقات كانت تعتبر القدس هي الارض العفاء المحيطة بالمدينة العتيقة المسورة تمتد من رام الله حتى بيت لحم وتشكل حوالي خمس مساحة الضفة الغربية, الان هم يقولون انهم لو اخذوا القدس العتيقة وما حولها من مستوطنات, لكفهام ذلك فهي لا تشكل الا حوالي 3% من كامل ارض الضفة الغربية. ان مشكلة المنطق الاسرائيلي انه يساوي بين الذهب والتبن عندما يكون الحق عربيا او فلسطينيا, فيجعل 3% من ارض الضفة ومنها القدس تساوي حوالي 3% اخرى في خان الاحمر, او فوق جبال اريحا الجرداء, فالقدس في القلب, وهل يساوي انتزاع القلب ما يساويه انتزاع لحم من الفخذ او من الكتف؟ ولكن الارض العربية كلها خاضعة لقرار 242. واما المنطق الاهم هو ذلك المنطق التاريخي الذي يتمسك به باراك, ولا يجد صحفيا واحدا يتحداه في ذلك داخل الولايات المتحدة حيث اجرى عشرات المقابلات, ولقد كان العرب في فلسطين قبل العبرانيين, والحقيقة الثانية ان البحث الجيولوجي الذي لم يترك وسيلة تكنولوجية الا واستخدمها لكي يجد اي اثر لهيكل سليمان لم ينجح حتى الآن, واذا صح ان الهيكل مقام في مكان, فكيف سيجتمع في نفس المكان الاقصى والهيكل؟ وكيف حتى لو اجتمعا ان يكون ذلك تحت السيادة اليهودية (بمفهومها السياسي والديني) اذا كان اليهود لا يعترفون بالمسيحية او بالاسلام وهو ما يقوله باراك نفسه. واما ان الله سبحانه وتعالى قد قدر الحقوق للناس في الارض بحكم وجودهم قبل آخرين عليها, اي ان القدس كانت يهودية قبل ان تكون مسيحية او اسلامية, فهل يعني هذا ان حقوق السكان الاصليين في امريكا واستراليا وكثير من جزر المحيط الهادي يجب ان تعود لاصحابها اذا قبل هؤلاء بذلك فلا مانع من وضع قانون دولي جديد لذلك, ان ما يقوله (باراك) من حق الاولوية كان هناك اولا, يمكن ان يقلب الدنيا كلها على بعضها البعض واي منطق اعوج هو هذا المنطق؟ ان لليهود حقوقا دينية في القدس لم يحرموا منها لا من العرب ولا من المسلمين الذين تولوا سيادة هذه المدينة منذ العهدة العمرية قبل الف واربعمئة سنة تقريبا, الا بعد حرب عام ,1948 واذا كان المبكى هو ما يريدون, فليكن لهم ذلك الحق, ولكن القدس عربية وسيادتها عربية, وراعيها الديني يجب ان يكون مسلما لانه الوحيد الذي يحترم موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. القدس ليست لعبة سياسية بيد باراك ولن تجد مسلما واحدا يقبل بالقدس غير ذلك. ولا يستطيع الرئيس عرفات ان يقايض حق المسلمين والمسيحيين والعرب في القدس وهو يتنازل لاسرائيل عن معظم فلسطين ليشكل دولته. واما الاسرائيليون فان عليهم من الآن ان يبدأوا بالتفاهم والتعايش مع العرب, حتى في ظل سلام يبقى القدس تحت سيادتهم انما هو سلام هش ومؤقت. بقلم: د. جواد العناني