أصبح مجلس التعاون الخليجي أحد أهم المنظومات الإقليمية التي تعبر عن رغبة وإرادة جماعية, فضلاً عن كونه صرحاً يمكن الاعتماد عليه في بلورة أي توجه إقليمي يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي, من جهة ويحفظ توازن القوى السياسية في الخليج من جهة أخرى.. ولعل هذا الانطباع قد ساد لدى المراقبين للشأن الخليجي في أعقاب اختتام وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لاجتماعات الدورة الـ76 لمجلسهم التي انعقدت في جدة في مطلع سبتمبر الجاري وذلك قبل يوم واحد من انعقاد اجتماع المجلس الوزاري للجامعة العربية في القاهرة في الثاني من سبتمبر الأمر الذي عكس الرغبة الحادة للدول الخليجية في بلورة موقف خليجي موحد ومتناغم إزاء القضايا العربية على الصعيد العربي, وبعيداً عن الخوض في القضايا العديدة التي ناقشها وزراء الخارجية الخليجيين يرى المحللون ان ثمة قضيتين قد شهدتا اختلافاً في معالجتهما خلال هذا الاجتماع وهما الملف العراقي وقضية الجزر الإماراتية المحتلة. ففيما يتعلق بالقضية العراقية, قرر وزراء الخارجية دراسة أفكار مكتوبة قدمتها دولة قطر تتضمن رفع المعاناة عن الشعب العراقي, فإذا ما تحقق ذلك يتم بحث الوضع على صعيدين مختلفين بحيث تتولى الدول العربية رعاية تفاوض ثنائي مباشر بين العراق والكويت حول قضية الأسرى على ان تترك مسألة أسلحة الدمار الشامل للمعالجة في إطار الأمم المتحدة. وعلى صعيد الجزر الإماراتية المحتلة, فقد أسفرت مناقشات المجلس عن مقترح بإرسال وفد رفيع المستوى إلى إيران الشهر المقبل لبحث تطورات هذه القضية على ان يضم هذا الوفد أعضاء اللجنة الثلاثية التي تضم وزراء خارجية عمان والسعودية وقطر. وقبل إلقاء الضوء على البيان الختامي وتقييمه ينبغي إلقاء قليل من الضوء على المجلس الوزاري والذي يعد أحد أجهزة مجلس التعاون التي يعول عليها كثيراً في نجاح المجلس, من خلال ترسيخه لمفهوم المؤسسية. يتكون المجلس الوزاري من وزراء خارجية الدول الأعضاء أو من ينوب عنهم من الوزراء, ويعقد اجتماعاته مرة كل ثلاثة أشهر ويجوز له عقد دورات استثنائية بناء على دعوة أي من الأعضاء وتأييد عضو آخر. ويضطلع المجلس الوزاري بالعديد من الاختصاصات من بينها اقتراح السياسات ووضع التوصيات والدراسات والمشروعات التي تهدف إلى تطوير التعاون والتنسيق, والعمل على تشجيع وتطوير وتنسيق الأنشطة القائمة بين الدول الأعضاء في مختلف المجالات, وتشجيع أوجه التعاون والتنسيق بين الأنشطة المختلفة للقطاع الخاص وتطوير التعاون القائم بين غرف تجارة وصناعة الدول الأعضاء. توقيت الانعقاد وفي إطار انتظام اجتماعات مؤسسات مجلس التعاون الخليجي فقد عقد المجلس الوزاري اجتماعه الأخير وسط عدد من التحديات الداخلية والخارجية وهو الأمر الذي انعكس على جدول أعمال المجلس الذي جاء مليئاً بالملفات ومنها: * وضع التعاون الداخلي, عقب انعقاد القمة التشاورية الثانية لقادة دول المجلس في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية المشتركة. * تطورات الوضع العراقي, وتصعيده لاتجاه التهديد والتحدي لدول المنطقة, وعدم انضباطه في التعامل مع قرارات مجلس الأمن. * ملف الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل القوات الإيرانية. * تطورات عملية السلام العربي الإسرائيلي على ضوء فشل قمة كامب ديفيد. * القضايا الاقتصادية التي تهم مسيرة التعاون الاقتصادي لدول المجلس وفي مقدمتها جهود تطبيق قرار الاتحاد الجمركي بين دول المجلس الذي أقرته القمة الخليجية الأخيرة في الرياض, ومناقشة التطورات الحالية لسوق البترول العالمية. * هذا إضافة إلى عدد من التطورات والأزمات العربية والإسلامية والدولية, من بينها أزمات الشيشان والصومال وكشمير وكوسوفو, الأمر الذي يعكس اهتمام مجلس التعاون بالمحيط الاقليمي والدولي والقضايا العربية والإسلامية. وعلى الرغم مما سبق الإشارة إليه من تنوع الملفات التي ناقشها وزراء خارجية الدول الخليجية إلا ان ثمة قضيتين استرعتا اهتمام المراقبين والمتابعين, وذلك لاختلاف تناول البيان الختامي لهما وهما قضيتيا: العراق وموقفها من قرارات مجلس الأمن وتصعيدها الإعلامي غير المسئول ضد كل من الكويت والمملكة العربية السعودية.. وإيران وموقفهما من الجزر الإماراتية المحتلة. الملف العراقي جاء الملف العراقي على رأس القضايا التي بحثها وزراء الخارجية على مدى يومين, إذ ناقش الوزراء تطورات الوضع في منطقة الخليج العربي, والتوتر الذي شهده نتيجة التهديدات الجديدة التي أطلقها رئيس النظام وأركانه ضد الكويت و السعودية واستمرار حملة التهجم الإعلامية ضدهما. وبدا واضحاً من تصريحات المسئولين قبل الاجتماعات ان وزراء الخارجية يريدون الخروج بموقف خليجي قوي ورادع يعبر عن تماسك دول مجلس التعاون إزاء النظام العراقي, ورفضها لتلك التهديدات التي تعيد أجواء التوتر إلى المنطقة, وقد انعكس هذا الأمر مباشرة في البيان الختامي, الذي كرر أسف المجلس لإصرار النظام العراقي على تجاهل قرارات الشرعية الدولية, وتحدي إرادتها, ورفض المبادرات العربية و الدولية الرامية لرفع الحظر عن العراق, وإنهاء معاناة شعبه, كما انتقد البيان قيام النظام العراقي بشن حملات إعلامية عدائية محمومة ضد دول المجلس, وعبر عن استنكاره الشديد وإدانته لما جاء في خطاب رئيس النظام العراقي وعدد من كبار المسئولين من تطاول على دولة الكويت والمملكة العربية السعودية. وطالب المجلس الحكومة العراقية الكف عن هذه الحملات والتهديدات وإثبات حسن نواياها قولاً وعملاً والامتناع عن القيام بأي عمل استفزازي أو عدواني تجاه دولة الكويت, والدول المجاورة التزاماً بقرار مجلس الأمن 949 كما طالب المجلس مجدداً الحكومة العراقية بالإسراع في التجاوب والتعاون مع قرار الأمن رقم 1284 ولجنة الرصد والتحقيق إنموفيك التي أنشئت بموجبه اللجان الدولية الأخرى المعنية بالأسري والمرتهنين, وإعادة الممتلكات الكويتية. هذا الموقف الواضح والمحدد حيال العراق هدف إلى تأكيد جملة من الحقائق, يمكن الإشارة إليها فيما يلي : ـ ان النظام العراقي لم ولن يحقق أي مكاسب من هجومه وحملاته وتهديداته هذه, كما اعتاد دائماً في حساباته الخاطئة بل على العكس أثار استياء العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي لأنه أكد وأثبت أنه لم يتخلص من عدوانيته المتأصلة فيه وكرس المخاوف الإقليمية والدولية من حقيقة نواياه. ـ ان الموقف العراقي أضر بالجهود المخلصة الرامية إلى تخفيف العقوبات الدولية المفروضة على العراق, بل وأضعف موقف الذين تعاطفوا مع هذه التوجهات لتخفيف معاناة الشعب العراقي, لتبرز إقناعه بأن ذلك يظل مرهوناً بانصياع نظام بغداد لكل قرارات الشرعية الدولية, وليس بالقفز عليها. ـ ان نظام بغداد أساء تفسير توجه بعض دول المجلس لإعادة فتح سفاراتها في بغداد, إضافة إلى دعوة بعض الدول لرفع الحصار, حيث فسر النظام العراقي هذه الخطوات على أنها بداية انشقاق في الموقف الخليجي. ـ ان النظام العراقي يخطئ حين يعتقد ان أي نداء للتعاطف مع الشعب العراقي, يحمل كذلك التعاطف مع القيادة العراقية ودعوة للتطبيع معها. وعلى الرغم من الثبات الذي يصبغ مواقف دول مجلس التعاون حيال العراق, فإن ثمة تغيراً يمكن ملاحظته من خلال قرار وزراء خارجية دول مجلس التعاون دراسة أفكار مكتوبة قدمتها قطر تتعلق برفع المعاناة عن الشعب العراقي, مرحباً بكل القرارات والمبادرات التي من شأنها ان تسهم في تخفيف معاناة الشعب العراقي الذي يتحمل النظام العراقي كل المسئولية عن التسبب في إحداثها وإستمراريتها. وفي حين لم يفصح أي من المسئولين عن مضمون المبادرة القطرية التي قدمتها للمجلس, فإن المراقبين يرون أنه لا يوجد قدر كبير من الاختلاف بين أطروحات قطر أمام المجلس وبين ما تم تقديمه من قبل. وكانت المبادرة القطرية (والتي تعد أول مبادرة تقدم في إطار مجلس التعاون لرفع الحظر عن العراق) تهدف إلى كسر الحلقة المفرغة الخاصة بربط مسألة رفع العقوبات والحصار عن العراق بتجريد الدولة العراقية من أسلحة ومواد الدمار الشامل, وترى قطر ان المطلوب على نحو ضروري وضع نهاية لمأساة الشعب العراقي ومعاناته برفع العقوبات الاقتصادية. وبعد ان يتم تحرير العراق من العقوبات يجرى بحث الوضع على صعيدين مختلفين, بحيث تتولى الدول العربية رعاية تفاوض ثنائي مباشر بين العراق والكويت حول مسألة الأسرى والمفقودين بينما تترك مسألة أسلحة الدمار الشامل للمعالجة في إطار الأمم المتحدة. وينطلق الطرح القطري من حقيقة هامة مؤداها ان المنطقة العربية عامة والخليجية خاصة هي المتضرر الأول من استمرار تأزم الحالة العراقية. ويرى العديد من المراقبين ان الموقف الخليجي حيال العراق والذي جسده البيان الختامي للمجلس الوزاري اتسم بالتوازن. ففي الوقت الذي التزم فيه المجلس بقراءة ودراسة المبادرة القطرية وفي الوقت الذي دعا فيه العراق إلى الاستجابة للمبادرات العربية والدولية الرامية إلى إيجاد آلية مقبولة لرفع الحصار والحظر, طالب المجلس النظام العراقي بالكف عن حملات التهديد لدول المجلس وإبداء حسن نواياه والبعد عن القيام بأي عمل استفزازي. ثانياً:ملف إيران والجزر الإماراتية المحتلة وأما فيما يتعلق بالعلاقات مع إيران فإن سياسة دول مجلس التعاون تجاه إيران واضحة بهذا الشأن حيث ترتكز على الرغبة في قيام أفضل العلاقات القائمة على عدم التدخل, والاحترام المتبادل وحل المشاكل بالطرق السلمية وحفظ مصلحة الشعوب لإنشاء علاقة متميزة بسبب الجيرة والتاريخ والدين المشترك. ويتواكب مع هذه الرغبة بإقامة علاقة متميزة, الرغبة في إيجاد حل شامل وعادل لقضية الجزر الإماراتية انطلاقاً من حقيقة ان خطوة على طريق الحل سيكون لها أثرها الملموس والمهم في دفع تلك العلاقات قدماً, وتبديداً لمخاوف من نكوصها وانتكاستها مجدداً, وأن عدم حل مسألة الجزر سيكون له ثمن إماراتي وخليجي وعربي. وفي هذا الإطار, فقد جدد المجلس تطلع دول مجلس التعاون إلى تجاوب إيران مع جهود اللجنة الثلاثية الخليجية المكلفة تهيئة الأجواء من أجل إيجاد آلية يتم بموجبها التفاوض المباشر بين الإمارات وإيران على النزاع بشأن الجزر الثلاث التابعة للإمارات. وشدد المجلس على التذكير بالنهج الذي سارت عليه دول المجلس في علاقتها مع إيران, والقائم على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شئون الآخرين, ونبذ استخدام القوة أو التهديد بها وحل الخلافات بالطرق السلمية. وقد ناقش المجلس عمل اللجنة الوزارية الثلاثية باستفاضة, وأكد أنه لم يلمس أبداً أي إشارة بعدم الرضا بل تأييداً لمسعى اللجنة الوزارية وتقديرا لمجهوداتها حتى الآن, وإصراراً على إيصال اللجنة النتيجة المتوخاة منها وهي استجابة إيران لمسعاها بأن تبدأ عملية التفاوض بين البلدين. وقد حملت مناقشات المجلس مقترحاً بإرسال وفد رفيع المستوى إلى إيران الشهر المقبل لبحث تطورات قضية الجزر المحتلة على ان يضم هذا الوفد أعضاء اللجنة الثلاثية التي تضم وزراء خارجية عمان والسعودية وقطر. وفي حين لم يحمل بيان وزراء الخارجية جديداً منذ ان شكلت اللجنة الثلاثية ـ على حد قول المراقبين ـ إلا ان ما صرح به سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي حول طلب اللجنة من إيران استقبالها, آملاً الاستجابة له, يعد خطوه عملية متقدمة تحمل نية الانتقال من التصريح والتلميح إلى النقاش المباشر مع طهران حول الآلية المطلوبة للتفاوض, ويرى العديد من المحللين أنه وحتى لو تأخرت هذه الخطوة إلى الآن, فإنها تحمل الأمل في ان تُفعل اللجنة الثلاثية تحركها من أجل إنهاء القضية المنتدبة لها, مما يؤدي إلى استعادة الإمارات جزرها المحتلة, وعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي تمهيداً لتطبيع فعلي للعلاقات مع إيران خليجياً وعربياً. وفي معرض تناول المراقبين لهذه الدعوة, فقد أشاروا إلى أمرين: الأول فهو ان تعطي إيران آذاناً صاغية للمبادرة الجديدة الصادرة عن المجلس الوزاري للتعاون وأن تتخلى عن سياسة إدارة الظهر لها, كما كان عهدها مع المبادرات السابقة. وأما الثاني ان تحدد اللجنة الثلاثية, في ضوء الجواب الإيراني, أفقاً زمنياً لتحركها, حتى لا تستغل طهران عامل الوقت بما يبقيه مفتوحاً إلى ما لا نهاية بصورة لا تحل مسألة الجزر. هذا التناول السابق للعلاقة مع إيران, وقضية الجزر الإماراتية إنما عكسا المنهج الخليجي العقلاني, الذي يؤمن بالواقعية السياسية وبأن العلاقات السياسية بين الدول يجب ان تستمر, بل ان تقوية العلاقات الاقتصادية والسياسية هي مدعاة لحل مثل هذه المشكلات بين الدول, وفي نفس الوقت يلتزم الخط العام المدافع عن المطالب العادلة لدوله دون مزايدة أو تصعيد. وأخيراً فإن الصراحة والوضوح والشمول كانت من الصفات الغالبة على آراء المحللين في معرض تقييم الاجتماع وبيانه الختامي, حيث جاء البيان الصادر عن اجتماع دول مجلس التعاون متفاعلاً بوجه عام وبشكل إيجابي مع القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والإقليمية والدولية, لاسيما تلك التي تؤثر بشكل مباشر في دول المجلس الست كما اتسم أيضاً بالقوة والصراحة. هذا الشمول لا ينبع من فراغ وإنما يعبر بجلاء عن رغبة مجلس التعاون كنظام إقليمي في لعب دور ملموس يتوازى مع قدراته الاقتصادية وفي تلبية طموحاته المستقبلية. وأخيراً, يمكن القول ان البيان الختامي جاء ليسجل وقفة خليجية مبشرة بشأن مجمل القضايا التي تطرق إليها ويعبر في الوقت نفسه عن ترسيخ قيمة التشاور والتنسيق والتقارب بين الدول الأعضاء, بما يكفل تحقيق الغايات النبيلة التي أسس المجلس من أجلها باعتباره ثمرة من ثمار العمل العربي المشترك في هذه المنطقة. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية في الكويت