في اول لقاء بين رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس مجلس النواب نبيه بري اثر الانتخابات النيابية قال الاول للثاني: ( اني على مسافة واحدة من كل المرشحين الى رئاسة الحكومة, لا فيتو لدي على احد, احرص على دور المؤسسات وانا اول من يطيع وآخر من يعصي) . بهذا الكلام يكون رئيس الجمهورية قد حسم موضوع رئاسة الحكومة. فهو مستعد ان يعين رئيس الحكومة الذي تختاره الاكثرية النيابية وفق ما جاء في المادة 53 من الدستور اللبناني: (يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استنادا الى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها) . والاستشارات النيابية الملزمة تعني مبدئيا ان يقوم رئيس الجمهورية بتكليف الشخصية السنية التي تنال اكثرية اصوات النواب, هذا من الناحية الدستورية, اما من الناحية السياسية فالكل يعرف ان رئيس الجمهورية ليس مجرد (صندوق اقتراع) , بل هو يلعب دورا مؤثرا في تسمية رئيس الجمهورية على اساس ان التفاهم بين رئيسي الجمهورية والحكومة هو الشرط اللازم لنجاح السلطة التنفيذية في ادارة شئون البلاد. بالاضافة الى دور رئيس الجمهورية فان سوريا تلعب الدور المؤثر الآخر, والكل يعرف ايضا ان ثلثي النواب على الاقل يأخذون بكل اتفاق يتم بين الحكمين اللبناني والسوري. ولا اتخيل اميل لحود مختلفا مع بشار الاسد بسبب تسمية رئيس الحكومة, ولا اتخيل بشار الاسد يطالب اميل لحود بان يسمي رئيس حكومة غير متفاهم معه, مما يحملني على الاعتقاد انه لن يتم تكليف اي رئيس حكومة غصبا عن رئيس الجمهورية, فكل رئيس للحكومة يجب ان يحظى بثقة رئيس الجمهورية اولا الى جانب ثقة اكثرية مجلس النواب, دستوريا الثقة النيابية وحدها تكفي على اساس ان الاستشارات باتت (الزامية) , سياسيا الثقة الرئاسية برئيس الحكومة هي الزامية ايضا. لم يعد سرا ان الشخصيتين السنيتين المطروحتين لتشكيل الحكومة المقبلة هما رفيق الحريري ونجيب ميقاتي, وعلى الرغم من اهمية تسمية رئيس الحكومة, فاني ارى ان تشكيلة الحكومة هي باهمية رئيسها, وان برنامج الحكومة قد يكون اهم من الرئيس والتشكيلة على حد سواء. ويجمع السياسيون على ان تكون الحكومة المقبلة ذات قاعدة تمثيلية واسعة بحيث يشعر كل اللبنانيين بان الحكومة هي حكومتهم. ويحلو لي ان اطلق على الحكومة القادمة تسمية (حكومة كل لبنان) وبمقدور مثل هذه الحكومة ان تخاطب الناس وتقنعهم بقدرتها على معالجة مشاكلهم وحلها, ولن ينجح اي مخطط اقتصادي او انمائي الا اذا اقتنع به الشعب وشارك فيه بكل شرائحه, فلا نهضة ولا تنمية من دون تعبئة الناس ودفعهم الى المبادرة والانتاج وتحمل كل انواع التقشف والمشقة. كل حكومة تعرف ان تخاطب الشعب جيدا, ويفهم الشعب خطابها جيدا مؤهلة لنتخطى حالات الاحباط والتشاؤم والقلق التي تسود مختلف الاوساط اللبنانية. والاهم ان يكون للحكومة برنامج عمل محدد, لا سيما في الميدان الاقتصادي. الشأن الاقتصادي هو المحك الذي سيقرر مدى نجاح الحكومة وفشلها. اذا نجحت في استنهاض الاقتصاد تكون حكومة مرشحة لتستمر طويلا, واذا فشلت سيتم استبدالها بحكومة اخرى في وقت قصير. الازمة الاقتصادية لا ترحم, ولا يتحمل اللبنانيون استمرارها طويلا, ولا استمرار حكومة عاجزة, والفشل في هذا المضمار امسى ممنوعا. وهكذا يبدو ان رئيس الجمهورية مصمم على الحيلولة دون قيام اي ازمة دستورية او اي ازمة سياسية بمناسبة تشكيل حكومة العهد الثانية, وهو لا يمانع بتسمية اي رئيس حكومة يتفق معه على الحلول الاقتصادية وينال تأييد الاكثرية في مجلس النواب. ولا اخطىء اذا زعمت ان اميل لحود يوظف الفترة الزمنية التي تفصلنا عن موعد استقالة الحكومة الحالية في منتصف اكتوبر المقبل في سبيل تحديد معالم الحكومة المقبلة ورئيسها وتشكيلتها وبرنامجها. ميزة اميل لحود انه يعرف ان يستخدم الوقت فلا يستعجل ولا يتباطأ, ولا ينفعل ولا يتهور, واني على يقين انه سيكون جاهزا في الوقت المحدد لتشكيل (حكومة كل لبنان) , وحكومة (الحل الاقتصادي) فهو لا يضيع الوقت, ولن يضيع الفرصة. بقلم: كريم بقرادوني