خلال ربع قرن من الانفتاح تغير شكل المجتمع المصري. لم يعد مجتمع الكفاية والعدل كما كان الهدف وكانت الاجراءات في الحقبة الناصرية. كانت السلطة الناصرية هي سلطة الفقراء والمنتجين, ونظرت لمهنة الوساطة (كالاستيراد) كرأسمالية طفيلية.. كما نظرت لأنواع من الأنشطة على أنها تفتح الباب للاستغلال, ومن ثم دخلت الدولة في تحديد العلاقة بين المالك الزراعي والمستأجر, وبين مالك العمارة وشاغل الوحدة السكنية.. ثم تدخلت لضبط الأسعار بشكل عام.. وفي نفس الوقت قامت بتشغيل كل الشباب . انتقد البعض التجربة لأنها تقلل حافز القطاع الخاص للعمل. وإن كانت الدولة عوضت ذلك عن طريق القطاع العام. وامتدح البعض التجربة لأنها حققت عدالة في توزيع الدخل فبات للأجراء نصف الدخل القومي.. وبات هناك تناسب بين الأجور والأسعار واتسعت قاعدة الملكية ولكن لصالح صغار الحائزين الزراعيين. ثم . . حدث الانقلاب. كان السادات مولعا بالنموذج الرأسمالي ومفتونا بما يجري في أمريكا ومحاطا بأقارب وأصهار من الرأسماليين, والأهم أنه قد أحيط برعاية أمريكية وعربية كانت ترى أن التحول للاقتصاد الحر ضرورة.. وعلى طريقة (الخطوة.. خطوة) أو على طريقة ( القطعة قطعة) جرت التحولات في الاقتصاد المصري عاما بعد عام فلما جاءت التسعينيات ـ وبعد نحو عشر سنوات من عودة المعونة الأمريكية ـ جاء برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبناه صندوق النقد وكان شرطا لإسقاط نصف الديون المستحقة على مصر بعد حرب الخليج الثانية. كان محور البرنامج هو التحرير الشامل للاقتصاد.. تحرير الأ سعار وتحرير المبادلات التجارية مع الخارج وحرية تحويل رؤوس الأموال وحرية النقد وحرية التملك وبيع القطاع العام. بدأ البرنامج بالأهداف المالية ونجح فيها فتراجعت نسبة التضخم وقل عجز الموازنة العامة وعجز المدفوعات الخارجية واستقر سعر العملة. أيضا فقد تم تشجيع القطاع الخاص المصري والأجنبي فبلغت نسبة استثماراته في العام الحالي حوالي ثلاثة أرباع حجم الاستثمار .. ولكن, وعلى الجانب الآخر كانت النتائج الاجتماعية, بل والنتائج على مستوى الهيكل الاقتصادي سالبة. عند بداية تطبيق برنامج صندوق النقد كانوا يقولون: انه الدواء المر, فإذا زادت الأسعار أو قلت فرص العمل, أو أحجمت الدولة عن تقديم بعض الخدمات أو بعض الدعم مما يثقل كاهل الميزانية.. فإن ذلك كله شيء مؤقت. في نهاية التسعينيات بات المؤقت دائما فالأنشطة الاقتصادية التي تبناها القطاع الخاص صغيرة الحجم وغير مكثفة للعمالة, والقطاع العام محظور عليه الاستثمارات الجديدة وقدرة المجتمع على الادخار محدودة والاستهلاك ينفجر في اتجاه واحد هو الاستهلاك الترفي حتى بات جزءا من الاستيراد : لحم النعام وأكل الكلاب و القطط, وحتى باتت حفلات الأفراح تتكلف الملايين, والاستثمار في القرى السياحية بالمليارات. حدث الخلل واتسع الخرق فقد اتسعت دائرة الفقر ودائرة الثراء واختفت الطبقة الوسطى التي يخرج منها الفنيون وقادة المجتمع وباتت هناك مائة أسرة تحوز(5%) من الدخل القومي. واتسعت دائرة البطالة ( حوالي 9% أي ما يقرب من مليونين) ..وباتت الأجور لا تمثل أكثر من ثلث الدخل بدلا من نصفه سابقا . وزاد العنف تعبيرا عن التعصب تارة, وتعبيرا عن المشكلة الاقتصادية تارة أخرى وبات الاصلاح الاجتماعي أهم من الاصلاح الاقتصادي. فما فائدة استثمارات تأتي ولا تخلق فرص عمل, وما فائدة فرص عمل بأجور متدنية لا تضمن الكفاية, وما فائدة الشهادات الدولية إذا لم تتحسن أحوال المجتمع فيجد أبناؤه المسكن المناسب والعلاج المناسب. حاولت الدولة من جانبها أن تزيد الاعتمادات المالية لقطاع الخدمات مثل التعليم, وحاولت الاحتفاظ بشيء من دعم السلع الأساسية وأعطت ( بقدرما تملك) دفعة في مجال أجور الموظفين والذين يزيد عددهم عن(5) ملايين موظف. ولكن .. مازال الأمر بعد(25) عاما من رحلة تحرير الاقتصاد بحاجة إلي نظرة جذرية بدايتها حاجات المجتمع.. والمواءمة بينها وبين حاجات الاستثمار, ذلك الذي شد الانتباه طوال الوقت لكنه لم يعط كل المرجو من الثمرات. لذا, وعندما إنعقد أول مؤتمر قومي للتنمية الاجتماعية منذ أيام كان السؤال: أي سياسة يقترحها المؤتمر لتقليل هامش الفقر والثراء, ولتشغيل أبناء الوطن, وللارتفاع بالتنمية البشرية تعليما وصحة و ثقافة وإعلاما؟ الانظار كانت مشدودة للمؤتمر حيث اجتمع الخبراء والوزراء لكن المعضلة كانت خارج القاعة لا داخلها فالرأسمالية الجديدة تحت التمرين ولا تدرك بعد معنى السلام الاجتماعي.. ومن هنا نبدأ. بقلم: محمود المراغي