ابدى صحافي اسرائيلي تعاطفا مع العراق منذ الحصار الغربي المفروض عليه, لكنه لم ينس ان يدس السم في العسل من خلال تقريره لصحيفة (معاريف) بعد زيارة غير مسبوقة للعراق دامت خمسة ايام. بدأ الصحفي الاسرائيلي تقريره بذكر مقولة شعبية عراقية تشدد على ان من عاش في بغداد ومات فيها ثم دخل الجنة فقد انتقل من جنة الى اخرى.ثم استرسل المراسل يضيف: تثير بغداد في النفوس السحر والخوف بمساجدها العالية واسواقها التي اكتظت مرة اخرى بالبضائع لكنها خالية من المشترين وبمحطات تكرير البترول في ضواحي المدينة التي تحيل ظلمة السماء ليلا الى اللون البرتقالي, وتساعد فى ذلك مولدات الكهرباء الخاصة التي تعمل بالوقود و يستخدمها اغلب العراقيين في الاضاءة حيث يتجمع الناس عند من لديه مثل هذه المولدات وبدون مقدمات اكد الصحفي الاسرائيلي ان الكهرباء تنقطع لمدة ساعتين مرتين في كل يوم بسبب القنابل الثقيلة التي تلقيها طائرات التحالف على البنية التحتية العراقية . بداية المغامرة كانت بعد ثلاث عشرة ساعة سفر من عمان تمت ليلا وسط مخاوف الاسرائيلي من القصص المخيفة التي تروى عن نظام صدام حسين. وبشكل غامض لم يوضح الصحفي في تقريره ما هي الجنسية التي دخل بها العراق بعد ان اخفى بالطبع جنسيته الاسرائيلية,وقال فقط ان جواز سفره أخذ منه فور وصوله لفندق الرشيد حيث كان يقيم ولم تعيده ادارة الفندق الا عند المغادرة .فندق الرشيد تتصدر الارضية المواجهة لمدخله صورة من الفسيفساء لجورج بوش بحيث يطأ على وجه بوش كل من اراد ان يدخل او يخرج من الفندق وقد كتب تحت الصورة بالعربية والانجليزية (المجرم بوش) اول مصادر القلق للصحافي الاسرائيلي ويدعى (ايلدر بك) تمثلت في كاميرات الدوائر المغلقة في بهو الفندق وممراته المؤدية للغرف ,رغم انه لم يمكث في الفندق كثيرا فبعد دخوله غرفته اتصلت مندوبة شركة السياحة واخبرته انها مستعدة لمرافقته للمركز الصحفي التابع لوزارة الاعلام العراقية حيث ابلغ المسئولين انه يريد تغطية تأثير الحصار على الشعب العراقي عن قرب وليس من خلال حوارات مع المسئولين الحكوميين .المركز الصحفي من جانبه عين موظفا لمرافقة المراسل وكانت مهمته تسهيل الزيارة لكل مكان يطلب المراسل ان يزوره . الغريب ان الاسرائيلي وفي شهادة نادرة على نظام يتهم بأنه ديكتاتوري لاقصى درجة قال ان: (الامانة تقتضى ان اشير الى انني زرت كل الاماكن التي طلبت ان ازورها وانني التقيت مع الاشخاص الذين طلبت ان القاهم بدون أي معوقات ولم يتم عمل رقابة او حذف او اعتراض على أي من اسئلتي كما لم يطلب مني عدم ذكر أي من الاجابات التي تلقيتها وقد التقيت بمسئولين في مؤسسات مختلفة بحرية كاملة,بالاضافة الى ان الزيارات الشخصية التي قمت بها لدبلوماسيين او لاشخاص عاديين لم يكن يرافقني فيها احد) . الصحفي الاسرائيلي نقل عن مسئولين ان ضحايا حرب الخليج الثانية والحصار بلغ مليون ونصف عراقي (من اصل 22 مليون هم تعداد العراق) واكد ان العراقيين شعب فخور بمستوى تقدمه بالمقارنة بدول عربية اخرى (قبل الحصار ) .واضاف في تعاطف واضح :خلال تواجدي في العراق اكتشفت واقعا انسانيا قاسيا جدا واكتشفت حجم الازمة و المعاناة واليأس الذي لا تبرزه وسائل الاعلام الغربية واكد على ان ارقام ضحايا الحرب الطويلة والمستمرة لم تتضمن الا الذين ماتوا بسبب الحصار داخل المستشفيات. واوضح ان هناك الكثيرين لا يذهبون للمستشفيات وبالتالي لا يتم احصائهم وان التقدير الحقيقي للموتى يتراوح بين عدة مئات الى بضعة الاف سنويا اغلبهم لم يتجاوزوا عامهم الخامس بعد. التقرير الاسرائيلي الذي نقل عن عراقيين اتهامات حادة للسعودية والكويت اشار الى ان مظاهر الرخاء الذي ساد في السبعينيات والثمانينيات لا تزال واضحة على شوارع بغداد من خلال شبكة الطرق والكباري المتشعبة ولوحات ارشادية واشارات مرور جيدة . كما اكد ان رجال الجيش لا يتواجدون بشكل غير عادي او لافت للنظر في شوارع بغداد وقال عن شعبية صدام حسين وسط شعبه: ان نظرة العراقيين لصدام نظرة اعجاب كامل لانه واجه الغرب واثبت قدرته على البقاء ,مما جعله يصبح رمزا للمقاومة القومية .باستثناء نسبة قليلة تنسب اليه المشاكل التي حلت عليهم منذ ان قرر غزو الكويت .حيث ان الاغلبية ترى انه سقط ضحية مؤامرة امريكية بهدف تدعيم مركز اسرائيل في الشرق الاوسط ,وبالتالي خدمة المصالح الامريكية.في المقابل يرى متدينون خاصة من الطائفة الشيعية ان اسرائيل واليهود هم الذين دفعوا امريكا لمهاجمة العراق لتصفية خطر منافسة العراق لاسرائيل في كونها اقوى دولة في الشرق الاوسط. في أسواق بغداد احد الباعة في سوق (البزازين) للملابس ويدعى عبد الكريم شرح للاسرائيلي ان اقتراب موعد اجراء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة يثير المخاوف لان التطورات السياسية في امريكا مرتبطة بمعدل القصف ,واضاف البائع انتخاب احد المرشحين دون الاخر لا يفرق مع العراق لان من يحدد السياسات هو الكونجرس ومجلس الشيوخ وهؤلاء يريدون كسر العراق وتحطيمه . وبالنسبة للوضع في الاسواق قال (عبد الكريم) البضائع كثيرة واغلبها من دول اسيوية لكن لا يوجد من يشترى باستثناء بعض السائحين الذين تغريهم الاسعار الرخيصة في العراق ..الوضع صعب للغاية والكثير من التجار على وشك الافلاس .اما عن الاسعار بالنسبة لمتوسط الدخل الشهري فقد ذكر التقرير الاسرائيلي انه من 6000 دينار الى 10000 في حين ان سعر كيلو اللحم 2500 دينار لذلك تدعم الحكومة العراقية السلع الغذائية وقد تسبب ذلك في ارتفاع الامراض المرتبطة بسوء التغذية وتزايد معدلات الهروب من التعليم بين الاطفال. التقرير الاسرائيلي اهتم كذلك بحالة الآثار في العراق واعداد السائحين حيث قال :آثار مدينة بابل القديمة لها مكانة كبيرة بين آثار العراق لسحرها ولكونها المدينة التي تم إليها سبي اليهود (نفيهم بشكل جماعي ). منذ حرب الخليج وجميع الحفريات متوقفة ولم يعد يزور المكان سو ى 300 زائر شهريا بينما كان العدد لا يقل عن 7000 سائح قبل الحرب .وقد عبر عن ذلك كوني السائح الوحيد في المنطقة عندما زرتها. ورجح في النهاية ان الامراض التي اصابت الجنود الامريكيين والبريطانيين بشكل غامض ترجع لاستخدام امريكا لاسلحة كيمائية جديدة ضد العراقيين لتجربتها.