الحروب المالية والاقتصادية اخذت في العصر الحالي أشكالا متعددة تتدخل في رسمها اجهزة الامن والمخابرات وكبار الساسة لذلك لم يكن مستغربا ان تستغرق مفاوضات بيع الغاز المصري لاسرائيل, سنوات تتخللها تسريب اشاعات عن اكتشاف حقول غاز في اسرائيل والحديث في المقابل عن مشترين في اوروبا للغاز المصري بدلا من السوق الاسرائيلي .. لكل ما تقدم وبمناسبة دخول مفاوضات الغاز بين مصر واسرائيل مرحلة حاسمة نشرت صحيفة (يديعوت احرونوت) تقريرا هاما كشف عن كذب الادعاءات الاسرائيلية بشأن العثور على حقول غاز داخل اسرائيل ,كما كشف عن اتجاه مستثمرين اسرائيليين للاستثمار بمبالغ طائلة في شركات الطاقة المصرية. كان رجل الاعمال الاسرائيلي (يوسي ميمان) واحد من القلائل الذين حسب وصف الصحيفة الاسرائيلية, رحبت مصر بدخوله اليها حيث حضر اليها ومعه 4.1 مليار دولار هى حجم استثماراته هو وشركاءه في بناء محطة تكرير في مصر من خلال شركة مصرية يبلغ نصيبه فيها 20 % وهي شركة تعمل في مجال نقل وبيع الغاز الطبيعي المصري لدول الشرق الاوسط وهي خطوة لها دلالاتها على خلفية انه تقريبا لا توجد سوى دولة واحدة مهتمة بشراء الغاز المصري وهي اسرائيل بعد ان كانت تل ابيب قد اعلنت وقف المفاوضات وبشرت الجميع بانها اكتشفت حقول ستنقلها لمصاف الدول المصدرة للغاز. المفاوضات بين مصر واسرائيل حول بيع الغاز تسير ببطء شديد منذ سبع سنوات ويرجع البطء في كثير من الاحيان للجانب المصري (حسب الزعم الاسرائيلي) وفي قليل من الاحيان للجانب الاسرائيلي, فمرة تتعثر المفاوضات لان اسرائيل رفضت توقيع عقد لاكثر من عام على شراء الغاز وسعت لان يكون لديها اكثر من مورد (خوفا من السيطرة والضغط السياسي) وتحدثت عن قطر او تركمنستان, ومرة ترفض مصر بيع غازها دون ان تتعهد اسرائيل بشراء كميات معينة تجعل انشاء خط انابيب الى عسقلان او للعريش عملية اقتصادية . معوقات اقتصادية وكان ماسبق من معوقات اقتصادية زادت عليها المشاكل السياسية فوفقا للرؤية الاسرائيلية كان الرئيس مبارك يعتبر ان صفقة الغاز الضخمة مجرد مكافأة او عقوبة لحكومات اسرائيل على سلوكها تجاه مفاوضات السلام من خلال معادلة :إذا ابدوا مرونة سيحصلون على الصفقة واذا لم يبدوا مرونة لن يحصلوا على شيء, وكانت القيادة السياسية في مصر تضع في الاعتبار دائما موقف الرافضين للتطبيع مع اسرائيل في مصر والذين وصفتهم الصحيفة الاسرائيلية بانهم كثيرين ولهم صوت عال ومؤثر . التطورات الاخيرة التي طرأت على هذه القصة الطويلة تمثلت في انتخاب باراك رئيسا للوزراء وتنامي الدور المصري في المنطقة واتجاه اسرائيل لشراء البترول من روسيا بدلا من مصر تدريجيا .هذا بالاضافة الى زعم اسرائيل بانها اكتشفت حقلا بحريا للغاز امام ساحل عسقلان. الغريب ان المستثمر الاسرائيلي في الشركة المصرية لبيع الغاز (يوسي ميمان) (وقد عاش في صغره في بولندا ثم بيرو)زعم ان اكتشاف الغاز في اسرائيل جعل المسئولين في مصر يغيرون من خططهم سريعا خاصة وانه بالنسبة لاكتشافات الغاز في مصر تعتبر اسرائيل مشتريا صغيرا ,لكن عند الوضع في الاعتبار حجم الاستثمارات والاموال التي انفقت عليها (مئات الملايين من الدولارات )فان اسرائيل هي مشتر مهم ولا يوجد بديل لها (وفقا للعجرفة الاسرائيلية رغم ان هناك اتفاقات مبدئية مع تركيا على شراء الغاز المصري). (يوسي ميمان) اكد لوسائل الاعلام انه اقترب من توقيع عقد مبدئي بين شركة الكهرباء الاسرائيلية وحكومة اسرائيل من جانب وجهات حكومية ومن القطاع الخاص في مصر من جانب اخر.كشف ميمان منهم اسم رجل الاعمال (حسين سالم ,وشركة الغاز المصرية وعددا من البنوك) . اسرائيل من جانبها تدرك ان استخدام الغاز اقتصادي للغاية ,لكنها تبدى ترددا بشأن الجهة التي ستشترى منها الغاز هل ستكون عبر الشركاء الاسرائيليين؟ ام من مصر مباشرة ؟ام من الفلسطينيين الذين منحوا البريطانيين حق التنقيب عن الغاز امام سواحل غزة ؟ التقرير الاسرائيلي كشف ان الاسرائيليين عقدوا منذ ايام اجتماعا في مكتب وزير المالية الاسرائيلي ضم كل العناصر ذات الصلة بصفقة الغاز تمهيدا لاصدار قرار بعد مشاورات مع وزارة البنية التحتية ومكتب رئيس الوزراء ,وبشكل مبدئي فقد تسرب من الاجتماع ان التوصية النهائية الصادرة عنه كانت ضرورة الشراء من الجميع وبسرعة. عمليات مكلفة يذكر ان غالبية الكهرباء في اسرائيل يتم توليدها من خلال الفحم الذي تدار به محطات القوى الكبيرة التابعة لشركة الكهرباء الاسرائيلية في حين ان هناك نسبة تتراوح بين 25 الى 30 % من الكهرباء يتم توليدها عن طريق المازوت وفي وقت الازمات يتم الاستعانة ايضا بالسولار ..أي من نفط مستورد(!)وهي عمليات تلوث البيئة ومكلفة ولا تحقق نتائج اقتصادية .وهي الاسباب التي دفعت شركة الكهرباء الى الاعلان صراحة انها لا تحبذ انتاج الكهرباء من النفط ,واكدت انها ستحول توربيناتها لتعمل بالغاز وهي خطوة على المستوى الاقتصادي رائعة لكنها متعثرة بسبب الاوضاع السياسية, ويزيد الوضع سوءا ان الاحتياجات الى النفط تتزايد في اسرائيل بقدر يفوق رصيدها بمراحل رغم ان اغلب الدول الغربية زادت من مخزونها في اعقاب ازمة السبعينيات بقدر كبير.فقد استوردت اسرائيل في العام الماضي نفطا بملياري دولار وسيقفز هذا الرقم في العام الحالي الى 3 مليارات دولار . وعن اوضاع الغاز في اسرائيل ورصيدها منه وعمليات البحث الجارية عنه قال الدكتور دودي كوهين مدير شركة بترول اسرائيلية: التنقيب عن الغاز بدأ في اسرائيل بشكل جاد في العام الماضي فقط لان الشركات العالمية كانت تمتنع عن التنقيب في اسرائيل من قبل رغم ان الحكومة الاسرائيلية قررت منح حصص كبيرة من الاكتشافات للشركات الاجنبية التي تنجح في العثور على غاز او نفط حيث تصل الى 5.12 % من جملة الارباح (وهي الارباح التي لم تتحقق بعد مع أي شركة). الغريب انه رغم اتحاد عدة شركات اسرائيلية مع شركة بترول من (اوكلاهوما) وتصريح عدد من المتشددين بان الاكتشافات الاسرائيلية بلغت 45 مليار متر مكعب في منطقة تبلغ مساحتها 40 كم مربع ,فان المستثمر الاسرائيلي ميمان كشف زيف هذه الادعاءات وقال :ان المسئولين في اسرائيل يخدعوننا .انا اشك في كل هذه التقديرات ..خاصة وان معدل الاستهلاك يتزايد. فنحن نريد توصيل الغاز لكل محطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية المياه والمصانع الخاصة والمنازل ولهذا اذا لم نوقع على عقد لشراء الغاز من مصر ,حسبما ينادي المتشددون ,سنضطر بعد فترة قصيرة للتوسل لمصر لكي تمنحنا غازا !!مسئول اسرائيلي حذر من الاتجاه المطالب بالاعتماد على السوق الاسرائيلي لتوفير حاجة الدولة من الغاز وقال ان ذلك يعتبر احتكارا ويمثل خطورة ويرفع الاسعار كما انه لا يوفر عملة صعبة حيث يتم دفع ثمن الغاز بالدولار. المسئول نفسه اكد للمتخوفين من ارتباط مصالح استراتيجية اسرائيلية في يد مصر ان مثل هذه المصطلحات والمخاوف تجاوزها العالم منذ فترة فعلى مدى سنوات لم تكن هناك اية مشاكل في شراء البترول والفحم من مصر. من جانبه حذر يوسي ميمان من ارتكاب (خطأ قومي فادح) في حالة وضع الغاز الاسرائيلي تحت سيطرة احتكارية داخلية, واضاف انه اذا رفضت اسرائيل الآن ان تشترى الغاز من موردين مصريين لن يعودوا مرة ثانية وسيبيعونه لاخرين. وردا على الرأي القائل ان مصر ستبيع الغاز لاسرائيل بسعر التكلفة وبدون أي ربح بهدف خنق وقتل الاكتشافات الجديدة في اسرائيل قال (ميمان) :هذا الرأي غير صحيح فبدون الدعم من احتياطي الغاز (اللا نهائي) المصري ستظل حكومة اسرائيل مترددة تخشى الدخول في مغامرة في مجال الغاز وستستجيب الحكومة لطلبات شركة الغاز باقامة محطات قوى جديدة تعمل بالفحم على الرغم من تلويثها وتكلفتها الاعلى بسبب احتياجها لعمالة اكثر خاصة وان توريد الغاز الاسرائيلي المحتمل لن يكون على اية حال قبل عامين. القرار النهائي في هذا الشأن سيصدر عن رئيس الوزراء من خلال مشروع قانون يطرح توريد الغاز في مناقصات تدخلها الشركات الاسرائيلية والمصرية مع مراعاة البعد السياسي لان البترول والغاز يعنيان ايضا سياسة.