دخلت العلاقات الأردنية السورية مرحلة متطورة إلى الحد الذي وصفها المراقبون بأنها الأكثر تطورا منذ 25 عاما, حيث لم تشهد المنطقة تطورا لهذه العلاقة الثنائية, سوى بين الأعوام 1972-1975 بعيد استلام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لمقاليد الأمور في سوريا . ودفع العديد من الاتفاقات الثنائية إلى تعزيز هذه العلاقة التي وصلت درجة التكامل في عدد من القضايا الهامة, خصوصا لو قدر لها التنفيذ على ارض الواقع, اثر انتهاء اجتماعات اللجنة العليا المشتركة برئاسة رئيسي الوزراء في كلا البلدين . ووقع البلدان عددا من الاتفاقيات في مجالات التبادل التجاري والتخطيط والترتيبات المصرفية والنقل والاتصالات والتربية والتعليم والتعليم العالي وإنشاء سد الوحدة والزراعة والنفط والثروة المعدنية والدراسات الجيولوجية والمياه والري والكهرباء والصناعة والشركات المشتركة والمواصفات والمقاييس والثقافة والأشغال العامة والإسكان والسياحة والإعلام. ويؤكد المراقبون انه لا توجد عقبات حقيقية حاليا تقف في وجه التكامل الثنائي المنشود بين البلدين المتجاورين, خصوصا وان كلا من الإرادتين السياسيتين في البلدين الجارين قد أحدثتا انعطافات حادة في مسارهما وتطلعاتهما في المنطقة, لانشغالهما بحل القضايا والملفات الداخلية, وذلك في مقابل ما كان يسعى إليه كل من العهدين السابقين في كلا البلدين للسيطرة على المنطقة أو لعب دور بارز فيها . (بيان الاربعاء) : دعا كلا من رئيس قسم التاريخ وأستاذ التاريخ الأردني المعاصر في الجامعة الأردنية د. علي محافظة, وأمين عام جبهة العمل الإسلامي عبد اللطيف عربيات, وصالح العرموطي رئيس مجلس النقباء نقيب المحامين الأردنيين في ندوة للحوار حول الموضوع نفسه تاليا مجرياته. * يرى البعض أن الدولتين دخلتا في بعض المراحل في منافسة على قيادة المنطقة فهل يمكن في البداية استعراض تطور العلاقة الأردنية السورية في ظل معطيات التطور أو التغير التاريخي في المنطقة ؟ د. علي محافظة: في البداية أريد أن أعود إلى الأصول, فأقول أن الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا بلد واحد وهي بلاد الشام, ومن البديهي القول كذلك انه حتى بلاد الشام التي نحن بصدد الحديث عن بعض من تاريخها المعاصر تؤلف جزءا لا يتجزأ من البلاد العربية بشكل عام, ثقافيا وحضاريا وسياسيا واقتصاديا, إلا أننا بالإمكان استعمال تعبير كان مستخدما في الماضي وهو المشرق العربي والمغرب العربي . وما أود أن أقوله أن هذا التقسيم الذي حصل في مطلع هذا القرن (تقسيم المنطقة الشامية إلى أربعة أقطار بحدود) وضعها الفرنسيون والإنجليز وكنا قد التزمنا به وما زلنا بعد الاستقلال, أما قبل الاستقلال فكان كل المعنيين بالسياسة والمسئولين والقادة يؤكدون أن هذا التقسيم كان تقسيما لا يخضع لمنطق ولا يمكن القبول به . ومع ذلك حصلت بلادنا بعد الحرب العالمية الثانية على استقلالها وتمسكت بالحدود الجغرافية التي وضعها المستعمرون . وكان الأمير عبد الله ومن ثم الملك عبد الله المؤسس يطرح شعار وحدة هذه الأقطار المعروف بمشروع سوريا الكبرى بغض النظر من كان مع هذا المشروع أم من كان ضده إلا انه كان يعبر عن رغبة شعبية حقيقية موجودة في هذه المنطقة لذلك عبد الله المؤسس بن الحسين لم يكن لديه المال ولا الإمكانيات السياسية أو العسكرية التي يقيم بها هذا الطموح . وكان يحاول إقناع الناس والأحزاب السياسية الموجودة في هذه المنطقة بشأن هذه الوحدة وبقي الأردن أيام فترة الملك المؤسس مصدر قلق بالنسبة للسوريين واللبنانيين على أساس أن مشروع سوريا الكبرى مشروع مرفوض, حيث كان يشاع أن هذا المشروع استعماري مربوط ببريطانيا, مع انه لم تكن للمملكة المتحدة أو فرنسا أو أي دولة غربية أي رغبة لقيام أي شكل من أشكال الوحدة بين البلدان العربية . غير أن أصحاب المصالح آنذاك كانوا ضد هذا المشروع, ثم جاء بعد ذلك وبالتحديد في نهاية الحرب العالمية الثانية مشروع وحدة الهلال الخصيب أي العراق مع بلاد الشام, وكما المرات السابقة قامت قيامة القطريين والانفصاليين, حيث نددوا في هذا المشروع للمبرر السابق نفسه وهو أنه مشروع استعماري . وللحقيقة نتمنى لو أن هذا المشروع قد تحقق حتى لو كان في ظل الهيمنة والسيطرة البريطانية إذن لحققنا الكثير من الإنجازات التي نعجز حاليا في ظل حالة التشظي عن تحقيقها . وما حدث بعد وصول حزب البعث وهي حقبة في غاية الأهمية حيث أن البعثيين في سوريا قوميون وحدويون, وكان من المفروض أن يجعلوا شعار الوحدة سابقا على أي شعار, والمفروض أن يسعوا إلى الوحدة بطرق وآليات منطقية وفعالة فهم قد سعوا في بداية الأمر إلى الوحدة بالطرق الثورية, ولم يجد مسعاهم, وأثبتت لنا تجربتنا خلال نصف قرن من الزمن أنه بالثورة لا يمكن تحقيق وحدة ولا يمكن تحقيق الأهداف الكبيرة والأماني العريضة لهذه الأمة . فلم يبق لنا من سبيل إلا بالطرق السلمية والإصلاح وتعزيز العلاقات بين هذه الأقطار العربية بصورة أو بأخرى حتى تداعي الظروف والمنطق لقيام الوحدة . ويضيف د. علي محافظة: كانت العلاقة الأردنية السورية خلال هذه الفترة الطويلة تتأثر بمجموع هذه التغيرات, وبانتقال السلطة في سوريا من النظام الثوري البعثي إلى نظام الرئيس السوري حافظ الأسد, في أكتوبر عام 1970 انتقلت العلاقات الأردنية السورية إلى أسلوب جديد في التعامل على أساس السير بخطوات معقولة في سبيل التكامل الاقتصادي والثقافي وحتى السياسي غير أن المحاور العربية والتخويف والترهيب الخارجي الذي صاحب كل محاولة وحدوية قامت في البلاد العربية منع استمرار هذا الأسلوب . وقد اعتمدت السياسة الخارجية على استعمال كل الطرق في سبيل منع أي محاولة وحدوية بين أي دولتين عربيتين, بل أن هذه المحاولات الخارجية وهي من الغرب طبعا كانت تحارب أي تنسيق عربي عربي حقيقي ومن هذه النماذج المحاولات التي قامت بين الأردن وسوريا في الفترة بين 1972 1975 . وهذه أول حقيقة أما الحقيقة الثانية أن أنظمة الحكم كانت تخشى دوما على امنها واستقرارها وعلى كراسيها إن جاز التعبير وهذا الخوف هو الذي كان يحول دوما دون قيام تعاون حقيقي بين الدول العربية أو بدرجة اكبر تكامل بين هذه الدول . وقد كان أسلوب نقل المعلومات عن كل فريق يهدف للتشكيك في نوايا الفريق الآخر, ولعبت هذه الأمور دورها, سواء كانت هذه المحاولات على الصعيد الداخلي أي العربي أو على الصعيد الخارجي أي الدول الغربية التي لم تكن راغبة في أن تقوم وحدة بين هذه الأقطار العربية, وحتى الاتحاد السوفييتي لعب دولا مماثلا للدول الغربية المناهضة لأي خطوة وحدوية, لان هذه الدول كانت ترى أن مصالحها في المنطقة تتعارض مع أي خطوة تهدف إلى قيام أي نوع من أنواع الوحدة بين الدول العربية أو جزء منها . فلا أحد يقبل قيام دولة عربية قوية وكبيرة ومؤثرة في الشرق الأوسط تلعب دورا مهما في المنطقة بحيث تقلص من نفوذ هذه الدول وتؤثر بصورة أو بأخرى على مصالحها . القضية الأمنية لعبت دورا سلبيا في هذه العلاقة, وكانت قضية الإسلاميين في سوريا ودعم الأردن للإسلاميين إحدى محاور هذا التخوف الأمني مثلما كان الأردن أيضا يخشى نفوذ اليساريين وغيرهم الذين تدعمهم سوريا, وكان هذا الأمر مقتل التعاون العربي ولا يزال حتى هذه اللحظة . وأتساءل متى يصل الحكام العرب إلى القناعة بان التعاون فيما بينهم في صالحهم وفي صالح شعوبهم وفي صالح مستقبل هذه الأمة, فلا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا قام نظام حكم ديمقراطي صحيح في داخل كل بلد عربي ولسوء الحظ أن هذه الأنظمة لم تقم بعد, رغم وجود محاولات هنا وهناك, والطريق الصحيح إلى التعاون هو أن تملك هذه الشعوب ناصية أمورها وتقرر مستقبلها وتشارك في صنعه وعند ذلك فقط لا يمكن في يوم من الأيام أن يخشى الأردنيون السوريين, أو يخشى السوريون الأردنيين, أو يخشى اللبنانيون السوريين وهكذا . أمة واحدة ـ عبد اللطيف عربيات: اتفق مع الدكتور علي بشأن ما جاء في مداخلته في هذا الموضوع وأنا لا احب الكلمات الحماسية ولكن أن نبحث في العلاقة الأردنية السورية يعني ذلك أننا نبحث العلاقة بين الإنسان وذاته في كل ما نؤمن به من قيم, نحن نفهم بلاد الشام إنها ولاية واحدة في فكرنا وفي عقيدتنا وفي تاريخنا . ففي فكرنا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ( أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) ولا اعني بذلك بالتأكيد فقط بلاد الشام وإنما كل الأمة الإسلامية, إلا أننا نعرف أن بلاد الشام تخصيصا هي ارض مباركة (المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) ومن حول الأقصى دوائر تشمل جميع بلاد الشام باتفاق جميع علماء المسلمين, وان الحياة فيها هي رباط على الثغور والذين بشرهم انهم يحيون حياة رباط وجهاد فقيل أين هم فقال عليه الصلاة والسلام في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس . إذن هي من ناحية فكرية أمة واحدة ومن ناحية عقائدية أرضها ارض مباركة, ومن المعروف أن بلاد الشام كانت مقسمة إلى خمسة أجناد وهذا في عهد الرومان والعهد الإسلامي وحتى في عهد المماليك والعهد التركي, ففي الجنوب جند فلسطين يليه جند الأردن يليه جند دمشق يليه جند حمص يليه جند قنسرين فهي محافظات إدارية لوحدة واحدة هي بلاد الشام . ومن هنا نعتبر أن فصل بلاد الشام عن بعضها البعض وتقطيعها إلى دويلات صغيرة جريمة بحق الأمة الإسلامية كلها وحتى الذين اضطلعوا على الأمور من السياسيين في المنطقة قبل خمسين عاما لم يعترفوا بهذا التقسيم حتى وهم يتقلدون مناصب عليا, وإذا أردت فانظر إلى من تولى الأمور في الأردن عندما شكلت إمارة شرق الأردن وهو رشيد طليع وهو لبناني والرئيس الثاني محمد رضا باشا الركابي وهو دمشقي . والأمير عبد الله (الملك عبد الله المؤسس لاحقا) طلب من رشيد طليع تشكيل حكومة في إمارة شرق الأردن وطلب منه أيضا الاستمرار كرئيس لحزب الاستقلال . وتأسيسا على ذلك نقول أننا قبل البحث في قضية العلاقة الأردنية السورية علينا تأكيد مسألة أن هذين القطرين من منطقة سياسية وجغرافية واجتماعية .. واحدة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض لهذا نحن نقول إن تقسيم بلاد الشام كان جريمة بحق الأمة العربية والإسلامية, فنحن نقول علاقات بين قطرين لقد قطعنا الشيء ونريد وصله بشكل جزئي . تسقط الخشبة ويستمر عبداللطيف عربيات قائلا: اذكر هنا قصة عن محمد رضا باشا وهي معروفة عند أهالي السلط, فعندما قدم من دمشق إلى الأردن ليشكل ثاني حكومة في إمارة شرق الأردن قدم من دمشق وهو يرى أن جريمة حصلت وهي اقتطاع جنوب بلاد الشام من شمالها وعندما مر على الحدود بين درعا السورية والرمثا الأردنية رأى قطعة من الخشب تفصل بين المدينتين على أساس إنها الحد الفاصل بين القطرين وعندما وصل إلى عمان وكانت يومها قرية صغيرة, دعوه أهل السلط ليلقي محاضرة, وفي السلط لم يكن هناك مكان يتسع إلا قاعة كنسية الروم الكاثوليك فاجتمع أهل السلط هناك وعندما بدأ الركابي يلقي محاضرته تطرق إلى موضوع قطعة الخشب التي تفصل بين إمارة الأردن وسوريا وان القطرين بلد واحد وشعب واحد فما الذي يفصل دمشق عن عمان لم ار إلا هذه (الخشبة) خشبة تفصل شعب واحد إلى شعبين هذه الخشبة .. وكان رجل سلطي معروف بأنه صاحب نكتة فقفز متحمسا وهتف تسقط الخشبة . ويؤكد معظم المؤرخين والمفكرين انه لا بد أن تعود الوحدة بين أقطار بلاد الشام مهما طال الزمان وعايشنا كذبة صدقناها . والبريطانيون أنفسهم يروون عن طريقة تقسيم ليس بلاد الشام وحدها بل البلاد العربية كلها ويروي جالوي أن أحد أقربائه كان مشاركا في تقسيم قطرين من الأقطار العربية فحصل نزاع بين الطرفين البريطانيين فجاء هذا الرجل وقال للبريطانيين لماذا انتم مختلفون وبدأ يسطر على الورق فكانت حدودا, وهذا يدل على العبثية التي تعامل بها المستعمر معنا, نحن العرب المسلمين . ولقد سمعت رواية عن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في آخر أيامه يقول فيها : ليتنا قبلنا بالمشروع الأردني لتوحيد سوريا الكبرى . للأسف كان هذا الكلام بعد فوات الأوان, وشهدت بداية فترة تولي الرئيس الراحل حافظ الأسد للسلطة في سوريا انفتاحا كبيرا بين الأردن وسوريا وتعاونا على أعلى المستويات وفي مختلف المواضيع ومن ضمنها توحيد المناهج وكنت أنا شخصيا رئيس فريق يمثل الوفد الأردني لتوحيد مناهج العلوم . وفي وقتها ذهبنا إلى الشام ووحدنا المناهج الدراسية التي بقيت موحدة حتى الآن, وهذه خطوة متقدمة على طريق الوحدة لكن مع الأسف استجدت أمور في وقتها وقفت في وجه هذا التعاون . وتأسيسا على ذلك نحن نرى أن كل القضايا المطروحة حول التعاون الأردني السوري قضايا مبنية على مخططات استعمارية, بمعنى أن الخطأ منذ البداية كان في التقسيم والمخططات الاستعمارية لإضعاف الأمة العربية والإسلامية . وإذا لم نقم نحن بخطوات متقدمة على طريق الوحدة فان الأجيال القادمة لا بد أن تفعل ذلك لأننا إذا ما أردنا الرجوع إلى صفائنا فان قرار الوحدة سيأتي دون أي عقبات . خرق المبادىء ـ صالح العرموطي: أنا لا أرى أن هناك منافسة وإنما خرق للمبادئ التي يجب الاتفاق عليها, فنحن لدينا مشروع الوحدة العربية منذ عقود طويلة, وكان لسقوط الخلافة الإسلامية أثره في تشكل هذه الأقطار العربية التي غذتها معاهدتا سايس بيكو وسان ريمو في المنطقة, فقسمت البلاد العربية بعضها عن بعض في محاولة من المستعمر, وكانت حتى الآن ناجحة, للسيطرة على الأمة العربية والإسلامية . وللأسف غذي هذا التقسيم بعد ذلك بارتباط أنظمة الدول العربية بدول أخرى سواء بريطانيا أو الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي . وهذه التبعية تشير بوضوح إلى تباين أيديولوجيات الأنظمة العربية بعضها عن بعض, فهناك فروقات شاسعة يحملها كل نظام فكري من الأنظمة التي تحكم الأقطار العربية . رغم أن الشعوب العربية لديها وحدة كبيرة تتمثل في التمازج والتشابه في الطرح والطموح والهدف والغاية والدين واللغة وغير ذلك, فأنا ازعم أن كل مقومات الوحدة العربية متوفرة وإحدى المعوقات الرئيسية التي تدفع إلى عدم السير على طريق الوحدة حتى الآن هي حالة تكالب الأنظمة على بعضها البعض, ومحاولة بعضها الاستفراد بالباقي والرئاسة عليها, هذا بالإضافة إلى أن هناك اختراقات كبيرة في هذه الأنظمة, وتأثيرات خارجية وارتباطات مع دول أجنبية, كل ذلك أدى إلى إجهاض أي محاولة للمخلصين في هذه الأمة في سعيهم إلى الوحدة, وبالتالي وجدت دول لم تكن موجودة على الخريطة أصلا في ظروف أرادها الاستعمار أن تكون . تقصير الانظمة ويواصل العرموطي: كما قال الزملاء فقد شهدت بدايات استلام الرئيس السوري حافظ الأسد لمنصبه حالة من الوحدة بين الأردن وسوريا لم يشهدها الوطن العربي في تاريخه المعاصر فقد كان هناك وحدة في المناهج ووحدة في الرتب والشعارات العسكرية وفي التكامل الاقتصادي, وكان ذلك مؤشر لوحدة شاملة, إلا أن الشعوب التي غيبتها الأنظمة, وكذلك الأمر ينسحب في الوحدة القصيرة التي تشكلت بين سوريا ومصر التي فشلت جراء إجهاض الأنظمة القائمة آنذاك لهذه الوحدة . لهذا نقول أن الأنظمة العربية قصرت بحق شعوبها وان مواجهة الأخطار التي تحدق بالأمة العربية وفي مقدمتها الخطر الصهيوني لا بد له من وحدة عربية رغم القائلين أن مثل هذه الدعوات باتت مثالية وغير قابلة للتطبيق إلا أنني أقول أن الأمر يستحق المحاولة المنهجية العلمية التي تدرس الإمكانات وتضع المتاح في خدمة الأهداف الكبيرة . فما الذي يمنع من قيام سوق عربية مشتركة, وما الذي يمنع من تدرج هذا الوحدة عبر آلية منهجية مدروسة, هذا إذا أرادت بالفعل تحقيق ما تنادي به . فإذا أوروبا التي لا يجمعها من القضايا المشتركة مثل ما يجمعنا ألغت الحدود فيما يبنها وتسعى بطريقة منهجية إلى تحقيق وحدتها أو على الأقل تضامنها فماذا نقول نحن عن أنفسنا حيث يتهددنا خطر يريد القضاء على مستقبل الأمة بأسرها وهو الخطر الصهيوني . خصوصا وإننا نعيش في ظل مواجهة حقيقية تفرضها علينا العولمة والخصخصة ودخولنا في منظمة التجارة العالمية التي تفرض علينا استعمارا جديدا في المنطقة والذي يستوجب أن تتقي الأنظمة العربية الله في شعوبها ومستقبلها وان تتنازل عن مصالحها الشخصية في مقابل مصلحة أمتها . وللأسف لست متفائلا بالمستقبل العربي إلا إذا غيرت الأنظمة العربية من نظرتها وان تكون الديمقراطية الحقيقية نابعة من إرادة شعوبها وليست نابعة من املاءات أو أجندة قادمة من الخارج . انعكاسات الحرب الباردة على القطرين * يؤكد المؤرخون والمفكرون أن العلاقة بين البلدين اتخذت ملامح الحرب الباردة, باعتبار سوريا كانت حليفة للاتحاد السوفييتي السابق والأردن كان حليفا للغرب الرأسمالي, فإلى أي مدى يمكن اعتبار الأمر على هذه الصورة ؟ ـ د. علي محافظة: هذا حصل بعد الحرب العالمية الثانية فبعد هذه الحرب سعت الدول الغربية إلى جر الدول العربية المستقلة حديثا للدخول في أحلاف معها ضد الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية السابقة, وبالطبع تعرض الأردن لهذه المحاولة كما تعرضت لها سوريا ولبنان والعراق وعاش المشرق العربي سواء السودان أو العراق أو بلاد الشام او الجزيرة العربية أو مصر فترة شد وجذب نحو الأحلاف الاستعمارية الغربية بين 1951 ـ 1955 التي تبلورت في نهاية الأمر في قيام حلف بغداد والذي رفض الأردن الانضمام إليه سنة 1955 وبعد ذلك عاش الأردن فترة من التوتر, في المقابل كانت سوريا تقف إلى جانب مصر فظهرت المنطقة العربية آنذاك على شكل محورين المحور الأول محور دمشق القاهرة الرياض الذي يرفض حلف بغداد أو الحلف التركي العراقي, والمحور الثاني العراق والأردن حيث كان الأردن بصورة أو بأخرى يؤيد مثل هذا الحلف, أما لبنان فكان مؤيدا له ولكن لم يتمكن للانضمام إليه . وما يعنيه ذلك أن المنطقة العربية في المشرق انشطرت إلى قسمين القسم الأول كان يدعم الاتحاد السوفييتي وان كانت تسمي نفسها آنذاك بكتلة عدم الانحياز والكتلة الأخرى كتلة تعلن ولاءها للغرب بشكل صريح, وظهر ذلك بقوة عام 1957 عندما أعلن ايزنهاور مبدأه المشهور والذي أكد فيه انه سوف يدعم أي حكومة في الشرق الأوسط تقاوم الشيوعية . في المقابل كان الأردن في وضع اقتصادي سيئ ولم تستطع الدول العربية أن تموله بالصورة المطلوبة واتخذت تلك ذريعة للانضمام إلى مبدأ ايزنهاور ودخل الأردن في هذا المبدأ مع لبنان ومنذ ذاك, خضع الأردن للنفوذ الأمريكي ولا يزال من يناير 1957 حتى اليوم . لكن هذا النفوذ الأمريكي المفروض الا يكون عقبة وهو عقبة بالتأكيد في طريق التعاون والتضامن العربي . على أية حال بقي هذا الأمر قائما حتى سقوط الاتحاد السوفييتي عام ,1990 وبسقوط الاتحاد انتهت الحرب الباردة إلا أننا وقعنا نحن في مصيبة اكبر منها, وهي توقيع اتفاقية وادي عربة وظهور مشروع الشرق الأوسط الجديد, أي أن الأردن يجب أن يكون له دور في هذا الشرق الأوسط الجديد, ويجب الاعتراف بان اتفاقية وادي عربة كانت عاملا من عوامل التوتر بيننا وبين سوريا . وما أود قوله أن الحرب الباردة عملت عملها في تمزيقنا وفي إضعافنا, وهذا شيء مؤكد, وفي كثير من الأحيان نلوم الحكام ولكن هذه الشعوب العربية التي سعت أن يكون لها دور في الخمسينيات والستينيات ضربت, ولم تترك الحركات الوطنية والسياسية في حالها بل ضربت شر ضربة, وكانت النتيجة ما نعاني منه اليوم وهو عجز هذه الشعوب عن القيام بدورها, حيث إنها وفي جميع الحقب لم يكن لها اي دور فاعل في اتخاذ القرار في القضايا المتعلقة بمصيرها . ـ عبد اللطيف عربيات: مقارنة الحرب الباردة أم الساخنة الواحدة أسوأ من الثانية لا بل لو كانت هناك حرب حقيقية لأبقت على جذوة الروح لدى الجميع حكاما ومحكومين, ومع الأسف نحن في الأردن وحتى تاريخه ليس لدينا أي مشروع نقوم من خلاله بفعاليات تهدف إلى تنفيذ أملنا الكبير, قسمت بلادنا, وكل قطر حاول أن ينظر من خلال مصلحته الشخصية أو من خلال ظروفه الآنية أو من خلال العقبات المصنوعة أو التي يخيل إنها عقبات . وعن طريف ما يسمى بالحرب الباردة والتي اشتركت فيها المنطقة العربية بأسرها نفذ عدونا مشروعه وأقام كيانه الغاصب واصبح مقبولا من وجهة نظر الأنظمة عبر مشروع ما يسمى بالسلام, وبدأ يعمل على تحقيق ما أخذه في الحرب وحتى الآن خطواته ناجحة, واصبح يقاسمنا الآن على ما لم يكن يجرؤ أن يقاسمنا فيه أثناء فترة الحرب العسكرية, بل انه اصبح (يتكرم) علينا بفتات أو بكلام لا يسمن أو يغني من جوع ومن خلاله تم فتح بوابة البلاد على مصراعيها لعدونا . لقد خسرنا سواء في أثناء الحرب الباردة أو ما تخللها من حروب عربية إسرائيلية لعدم قيامنا بما هو مطلوب منا, وتم كل ما تم من خلال فترات زمنية قمعت فيها الشعوب العربية, كما أشار إلى ذلك الدكتور علي محافظة, وأدى ذلك إلى قتل الروح الحية في الشعب أو إيهامه انه هو بسكوته وخنوعه يحفظ نفسه وحياته . أما حول الاتفاقات التي تم توقيعها تحملت الأمة نتائجها سواء قبلت أم لم تقبل وتفتح كل الممنوع للعدو الغاصب, حتى أننا اصبحنا ننادي بأن يحاول شرفاء الأمة الصمود في وجه مزيد من التنازلات وليس إسقاط ما تم وهذه مرحلة خطيرة من مراحل العمل العربي, وعلى هذا استطاع العدو الصهيوني اخذ ما تبقى وسيأخذ أيضا عبر مقولة مستحقات السلام . وأنا أقول لو أن العدو احتل المنطقة بأسرها لا يمكن أن يعبث بها كما عبث بها في ما يسمى بعملية التسوية فالاتفاقات فتحت له أبوابا دون نزاع, وليس فقط طلب منا أن نتنازل عن كل شيء بل عدم الاعتراض على ما يتم التنازل عنه أي إخراج ما في نفوسنا من كراهية وحقد للعدو الصهيوني واعتبار وجوده وجودا طبيعيا بيننا وسمى ذلك بالتطبيع, وللأسف تجد من بيننا من يقول أوقفوا مقاومة التطبيع رغم أن شعبنا الأردني يرفض وبنسبة عالية هذا الواقع, إلا أن الأقلية في الأردن هي المسيطرة على هذا الأمر و اركان هذه الأقلية الذين ضيعوا حقوق الناس اصبحوا متهمين وخيل للناس من خلال إعلامهم المبرمج أن الخير قادم من هنا وأنكم أيها المقاومون للتطبيع أعداء للوطن والأمة, وكان هذا الكلام عام 1994 وبعد أربع سنوات قام مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية باستطلاع حول الموضوع وخرج بنتائج تقول أن 80 % من الشعب الأردني يرفض التطبيع . العلاقة مع اسرائيل * حتى لا يبدو الحديث عن القضية الفلسطينية, خصوصا وان موضوع الندوة هو العلاقات الأردنية السورية, فهل تريد القول أن علاقة الأردن الطبيعية مع إسرائيل أثرت على علاقته بسوريا ؟ ـ عربيات: إطلاقا لم اخرج عن الموضوع ما زلت في عمقه لايمكن الحديث عن العلاقات الأردنية السورية بمعزل عن المحيط, وخصوصا العلاقة مع إسرائيل, خصوصا وان هذه الفترة بالذات تجابه النقابات المهنية والأحزاب السياسية اتهام وقوفها ضد التطبيع مع العدو الصهيوني, فقد أصبحنا في النهاية من يقف عقبة أمام تطور الاقتصاد الأردني, ومن يقف أمام مصالح الوطن, وهذا يؤثر على علاقاتنا مع الدول العربية وخصوصا سوريا . فقد أصبحنا تحت تصرف المحتل, ومطالبين بان نفتح له الأبواب العربية ومنها سوريا ونسمسر له . وهذه حالة خطيرة, وقد آن لهذه الشعوب أن تتحرك بعد أن حصل ما حصل, ومحور القضايا جميعها القضية الفلسطينية التي يراد أن تكون الأخيرة وهم بذلك يحاولون إدخال الناس في ملفات لإشغالهم عن احتلال الأرض وعلينا أن نتنبه له . ـ صالح العرموطي: أنا اتفق مع الأستاذ عبد اللطيف عربيات في طرحه لهذا الموضوع فالنتائج المترتبة على ما عرف بالحرب الباردة أو تلك الساخنة أن جاز التعبير ليست في صالح العرب فنحن في النهاية جزء غير فاعل في المعادلة بل جزء متلق منفذ للخطط المرسومة أصلا . فالكتلة الشرقية ليست اقل خطورة على الأمة العربية من الكتلة الغربية وإنما الذي حصل أن الكتلة الغربية هي المتفوقة وبالتالي هي التي تعاملنا نحن معها فالعرب ليس لهم حول ولا قوة ليس لان الغرب أقوياء بل لأننا ضعفاء وهناك فرق كبير بين الحالتين وعلى هذا فان استبدال قيادة العالم من الكتلة الشرقية إلى الكتلة الغربية لا يؤثر كثيرا على النتائج اللاحقة فلو جاءت كتلة ثالثة فستقوم بالعمل نفسه ذلك لان الضعف داخلنا . والدليل على ذلك أن الاتحاد السوفييتي كان من أوائل المعترفين بإسرائيل, واثبت سقوط الاتحاد السوفييتي كيف أن زعاماته ارتبطت بعلاقات سرية مع الغرب, ومهما حاولنا الدفاع عنه فالوقائع لن تحتمل ذلك, هذا بالإضافة إلى أن الأحزاب الشيوعية العربية ومنها الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل بالوجود الإسرائيلي على ارض فلسطين حتى قبل إعلان دولة المحتل بسنين طويلة . ربما كان هناك اختلاف كبير بين الكتلة الغربية والكتلة الشرقية ولكن في موضوع الشرق الأوسط كانت هناك أدوار معروفة ومتبعة بعناية . الجانب الآخر انه لا مجال للوحدة أو لعلاقات عميقة بين الدول العربية سواء المتجاورة أو غير المتجاورة إلا بتطبيق العقيدة الإسلامية كنظام حياة, بغض النظر عن الشعارات التي توضع هنا وهناك حول الوحدة العربية أو العلاقات المتوازنة والعميقة بين الدول العربية ومنها الأردن وسوريا. أما عن الحرب الباردة فقد كان أحد مظاهرها بصورة أو بأخرى حرب الخليج الثانية التي قسمت الدول العربية واعتقد إنها كانت مغامرة خطيرة , فقد كانت للولايات المتحدة اليد الطولى فيها ليس بعد اجتياح العراق للكويت بل قبله أيضا, فنتائج الحرب والمترتبات التي تلتها تدل على ذلك فالبترول العربي اصبح في وضع دولي لا يحسد عليه. المهم كانت حرب الخليج الثانية عاملا آخر لتباعد المواقف بين الأردن وسوريا, وأثر عامل آخر أيضا على هذه العلاقات, وهو ضغط بعض الدول العربية على الأردن لفك الارتباط السياسي بينه وبين الضفة الغربية, هذا القرار الذي يعد قانونيا باطلا, حتى يتسنى لهم سلخ القضية الفلسطينية عن عمقها العربي, بعد أن سلخوها إسلاميا, وقد دفعت بعض الجهات لذلك في مؤتمر قمة عربي, ولو رفض الأردن هذه الضغوط وبقي على الارتباط بينه وبين الضفة الغربية لما أمكن التوقيع على معاهدة وادي عربة ولظلت الصوت الوحيد المنادي بتحرير كامل التراب الفلسطيني. وبالمناسبة نحن نتخوف من عقد أي مؤتمر قمة عربي لان هذه القمم هي التي شكلت البوابة لما نحن فيه الآن . * كانت القضية الفلسطينية, وخصوصا عملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي عاملا مؤثرا في العلاقات العربية العربية فكيف تأثرت العلاقة الأردنية السورية بذلك, خصوصا وان لكلا البلدين نظرته الخاصة في طريقة معالجة هذه القضية؟ ـ د. محافظة: أريد أن استعرض التاريخ قليلا قبل الانتقال إلى الإجابة على السؤال, فالحقيقة منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 كان الأردن ضد قيام هذه المنظمة إلا أن الدول العربية ومنها سوريا كانت مع قيام هذه المنظمة التي كان صاحب فكرتها الرئيس المصري جمال عبد الناصر . وكانت المشكلة بين الفريقين تطرح على أساس أن المنظمة ستمثل من؟ هل اللاجئين أم طموحات الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه؟ أم انها تمثل كل الفلسطينيين بما فيهم الفلسطينيين الذين حصلوا على الجنسية الأردنية؟ وهذا أدى إلى صراع عنيف بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية ووقفت سوريا الثورية آنذاك إلى جانب المنظمة وطرحوا فكرة حرب التحرير الشعبية كبديل عن حرب الجيوش النظامية, وأخيرا اقتيد العرب أو جروا إلى حرب 1967 التي هزموا فيها هزيمة ماحقة واثرت في العرب تأثيرا لا يزال قابعا في نفوس كل عربي حتى هذه الساعة, في كل ميادين حياتنا وأنا أتكلم عن المشرق العربي بشكل خاص غير مستثنى المغرب العربي . ثم جاء العمل الفدائي, والسوريون الثوريون أيضا وقفوا إلى جانبه وأيدوه وشكلوا منظمتهم الخاصة بذلك, ثم بعد ذلك جاء سبتمبر, والصراع الذي حدث بين سوريا والأردن ودخل الجيش السوري إلى الأردن وكاد ما لا يحمد عقباه لولا تدخل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في آخر لحظة وانسحب الجيش السوري من الأردن في تلك الفترة . المشكلة الثانية هي حرب رمضان فالاردن لم يكن له دور في هذه الحرب إلا بشكل ثانوي وبالتحديد مع الجيش العراقي الذي ارسل إلى الجولان من اجل الوقوف في وجه القوات الإسرائيلية التي زحفت إلى دمشق, وبعد هذه الحرب بعام جاء قرار إعطاء منظمة التحرير الفلسطينية حق تمثيل جميع الفلسطينيين وهي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بأسره وكان في تقديري أن هذه الخطوة هي مقدمة لكامب ديفيد الأولى . ومن هنا مارس العرب مثل (كل شخص يلتقط شوكه بيده) و(حارة كل مين ايدو ايلو) فلم تعد القضية الفلسطينية قضية عربية وإنما أصبحت قضية الفلسطينيين وكل دولة خصوصا من دول الجوار لها مشكلة مع إسرائيل . وفي عام 1978 وقعت اتفاقية كامب ديفيد, وبعد ذلك بسنة وقعت الاتفاقية الإسرائيلية المصرية, وانتهت مشكلة مصر مع إسرائيل وبالتالي نجحت إسرائيل في عزل مصر عن محيطها العربي حيث كانت مصر في حجمها وعدد سكانها قائدة الأمة العربية في مواجهة الدولة الصهيونية, مما يعني ذلك أن أهم دولة عربية أصبح دورها معطلا . أما بقية الدول العربية فقد اجتمعت في بغداد كي تتخذ قرار المواجهة وإخراج مصر من جامعة الدول العربية والقصة التي يعرفها الجميع . وفي هذه الاثناء ومنذ كامب ديفيد وبسبب القضية الفلسطينية كانت علاقتنا مع سوريا متوترة جدا وبلغ اوج التوتر عام 1980 . إذن فترة التحسن والتكامل الاقتصادي بين الأردن وسوريا كان من عام 1972 حتى 1975 لكن بعد هذا التاريخ تغير الوضع وتوترت المواقف بين الدولتين حتى وصلت اوجها كما قلنا عام 1980 السنة التي كاد الجيشان السوري والأردني أن يصطدما, وبالتأكيد سبق ذلك عمليات قتل واغتيال للأردنيين والدبلوماسيين الأردنيين, وأصبح يكيل كل طرف للطرف الآخر الاتهامات المتبادلة, سوريا تقول أن الأردن يدعم الإسلاميين والأردن يقول أن سوريا تدعم الثوريين . عام ثمانين لم يترك العلاقات الأردنية السورية في أسوأ حالاتها فقط بل عزز هذه الحالة بان قامت الحرب العراقية الإيرانية, التي استمرت ثماني سنوات, حيث أن سوريا اتخذت موقفا ضد العراق وقالت : إن الحق لصالح الإيرانيين وبالتأكيد نحن نعلم مدى الخلافات الحزبية بين سوريا والعراق, أما الأردن فقد حاول ان يتدخل لصالح المصالحة إلا انه لم ينجح لكنه وقف إلى جانب العراق, حتى مصر وقفت إلى جانب العراق لكي تضمن فتح المجال لتعود إلى الحظيرة العربية مرة أخرى. عرفات هرب الى الكويت من الاردن وبالنسبة للقضية الفلسطينية كان التوتر لايزال قائما بين الأردن ومنظمة التحرير التي كانت قد ضربت في لبنان ضربة قاسية منذ عام 1978 وعام 1982 وكان بفعل هذه الضربة أن قررت المنظمة الانفتاح على الأردن, لكن هذه الضربة أحدثت انقساما داخل المنظمة سنة 1983 فاصطف قسم مع سوريا والقسم الآخر مع ياسر عرفات . وفي هذه الفترة قرر ياسر عرفات فتح الباب على الأردن فبدا الغزل الأردني الفلسطيني منذ عام 1983 واستمر حتى شهر فبراير عام 1985 الذي كان من المنتظر أن يصدر فيه قرار فلسطيني أردني ثم اضطر عرفات للهرب إلى الكويت لئلا يوقع هذا الاتفاق . حيث كان هناك إصرار أمريكي في ذلك الحين لإنهاء القضية الفلسطينية عن طريق الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية بوفد مشترك أردني فلسطيني, وكانت إسرائيل جاهزة للموافقة, إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل وأصبحت الأمور كلها مكشوفة بعد أن نشرت إسرائيل الوثائق المتعلقة بهذا الأمر . وطوال هذا التاريخ بقيت العلاقات الأردنية السورية متوترة حتى في عام 1988 و1989 إلى أن جاءت مأساة التسعين رغم أن الأزمة بدأت من 1989 . من جهته كان للأردن مصالح واسعة مع العراقيين, فحاول أن يلعب دور الوسيط لحل الأزمة عربيا, فقد كان على ما يبدو لا يعلم بالمؤامرة أو انه كان يريد ان يلعب دورا ثانويا فيها . حيث أن الهدف الأساسي كانت القوة العراقية فقد خرج العراق من الحرب العراقية الإيرانية قوة عسكرية وسياسية هائلة ومؤثرة في المنطقة, فإسرائيل لا تريد للعراق أن يكون قويا أو أن يكون لديه جيش قوي ولذلك رتبت الأمور بشكل دولي عالمي, فانطلقت جيوش 29 دولة في حملة عسكرية على العراق, وضرب العراق ونحن هنا لا نريد أن ننسى الأخطاء التي ارتكبتها القيادة العراقية, حيث كان يجب أن تتجنب هذه الضربة القاسية وألا تقع في هذا الفخ وهو ما لم يحدث. وفي تقديري كان بإمكان العراق أن ينجو, على أية حال حصل الذي حصل . فاصبح العرب عربين وانقسمت الإرادة العربية وتجزأت وفي الحقيقة أن المسئول الأول في العراق لم يقبل أن يسمع وجهة النظر الأردنية طوال تلك الأزمة . ولكن هذا كان أيضا له تأثيره على العلاقات مع سوريا, ثم جاءت اتفاقية أوسلو ومعاهدة وادي عربة لتزيد الطين بلة خاصة وانه في مؤتمر مدريد كان هناك شبه اتفاق بين الدول العربية على التنسيق المشترك . إلا أن الدهاء الأمريكي والإسرائيلي اوهم الفلسطينيين أن السوريين سوف يوقعون الاتفاقية سريعا فوقع الفلسطينيون اتفاقية أوسلو أما الأردن عندما رأى ما فعل الفلسطينيون عجل في توقيع معاهدة وادي عربة المصيبة الكبرى ووقعنا في الخطأ وكأنه ليس لدينا الخبرة أو التجربة على مواجهة الخصم, وهذه الأمور تدل كم نحن ضعافا وغير مهيئين وغير مدربين وليس لدينا الخبرة لمواجهة الخصم العنيد الذي هو الخصم الصهيوني وان عملية مواجهة الصهيونية لم تكن مبنية على أسس علمية صحيحة, وحتى الآن فنحن لا نبني على أسس علمية صحيحة لمواجهة الصهيونية التي هي خطر داهم على الأمة العربية والتي لا يمكن إزالته عن هذه المنطقة وعلى كل شعوب المنطقة من خلال الطرق التي نتبعها حاليا, فهؤلاء الصهاينة لا يريدون صلحا أو سلما مع هذه المنطقة وهذه حقيقة لا يجوز التغافل عنها . وقد غضب السوريون علينا ومن حقهم أن يغضبوا . وفي الحقيقة عندما نتفحص ما جرى نتأكد من انه لا توجد ثقة بين الأنظمة العربية ومن هنا وقعنا في الفخ .فلا توجد ثقة بين السلطة الفلسطينية وسوريا ولا بين السلطة والأردن ولا بين الأردن وسوريا وهكذا . ـ عربيات : القضية الفلسطينية كانت عاملا مهما في هذه العلاقة, فالغرب حاول منذ البداية ألا تكون هناك علاقات عربية عربية منسجمة وذات أبعاد خاصة, لان ذلك سيؤثر في مخططاتها الهادفة إلى زرع ومن ثم تثبيت المحتل الصهيوني في فلسطين وخصوصا الدول العربية المجاورة لفلسطين أو ما عرف بدول الطوق ومن ثم الأبعد فالأبعد, فقد كان الخطر على جميع الدول العربية ورغم ذلك فالخلافات القائمة بين هذه الدول أو الأنظمة لم تكن خلافات متعلقة بالقضية الفلسطينية وطريقة حلها, بل الخلافات تعود لقضايا أخرى دفعت إلى وجودها القضية الفلسطينية نفسها, وأقولها وأنا مطمئن انه لم يكن يوجد عند أي من الدول العربية أي مشروع يراد تطبيقه لدحر العدوان وطرد المحتل . وقد انقضت نصف قرن من المواجهة مع العدو الصهيوني فماذا قدمت الدول العربية جميعها لقد كان واضحا أن المشروع الصهيوني يهدف إلى فسخ الدوائر الكبرى من حول فلسطين فبدأ بالجبهة الإسلامية ورفعها بعد أن كنا نذهب إلى القدس في 27 رجب من كل عام ونلتقي بالزعامات الشعبية من كافة أقطار العالم الإسلامي, للحديث عن القدس فقط . وجاء قرار فسخ القضية الفلسطينية عن عالمها الإسلامي بقرار عام 1964 من منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الشقيري وقد فصلت الدائرة الإسلامية عن القضية الفلسطينية بقرار من الأغلبية, وعندما سئل الشقيري ان كانت القضية الفلسطينية قضية عربية أم إسلامية قال إنها قضية عربية من خلال التصويت عليها, ومن هنا نحن نلوم أنفسنا قبل أن نلوم أيا كان, ثم بعد عشر سنوات منذ ذلك أي في عام 1974 في الرباط اجتمع الزعماء العرب وتساءلوا هل القضية الفلسطينية هي عربية أم فلسطينية فقرروا إنها فلسطينية وان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهذه المصطلحات كانت تمهيدية ليوم قادم وبعد ذلك تطورت الأحداث ليجتمع العرب والصهاينة في مدريد وتبدأ مسيرة التسوية الظالمة . كيندي وعبد الناصر واذكر هنا ما قاله الأستاذ هاني الحسن في ندوة له أن جون كيندي عام 1962 طلب من الرئيس عبد الناصر أن يشكل جسما فلسطينيا للمستقبل ليوقع هو بالنيابة عن الفلسطينيين في حال التوقيع على معاهدة سلام . إذن القضية الفلسطينية يجب أن ينظر إليها من داخلها اولا ومن الذي تولى أمرها ثم من حولها من البلاد العربية ومن ارتبط بها؟ . وقد تنقلت القضية عبر تاريخها إلى عدة صور من حالات الحرب إلى العمل الفدائي إلى الهدنة ثم المصالحة, وقد قدم الفلسطينيون والعرب آلاف الشهداء وما زالوا . ولكن هل قدم ما هو مطلوب . وعلينا هنا التمييز بين الجبهة التي أطلقت من خلالها النار على العدو من الجبهة التي لم يطلق منها النار, المضحك المبكي أن جميع الانقلابات العسكرية في البلاد العربية بررت عملها من اجل تحرير فلسطين فما الذي فعلوه ؟ يجب أن ينظر إلى القضية الفلسطينية بشكل موسع قبل السؤال : ما دور هذا القطر أو ذاك في تحرير الأراضي الفلسطينية وما هي العلاقة التي ربطت الدول العربية بالنظر إلى القضية المركزية للعربي . لكن في الوقت نفسه نحن نقدر لسوريا موقفها الصامد في وجه الاتفاقات وأنها لم تنغمس بالرغم من عدم موافقتها على الذهاب إلى مدريد أصلا إلا أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد احتفظ بمكانته وموقفه طوال حياته, وعزز موقفه بأنه لم يدخل مناخات الاستفراد والمساومة ولم يتفق مع أوسلو ومازال الموقف السوري حتى اللحظة يرفض أوسلو وصمد الموقف السوري اللاحق ولم يكن متنازلا أبدا وهذا يسجل للسوريين ولكن المشكلة أن الجميع من صمد أو لم يصمد لم يقدم لنا مشروعا للتحرير يقوده بوضوح . ـ صالح العرموطي: كل الدول العربية دخلت في عملية التسوية, وقبلت بقرارات هيئة الأمم المتحدة فيما يتعلق بوجود العدو الصهيوني على ارض فلسطين, وهذا بالتأكيد امر مرفوض من قبلنا ولا نقره ولا نؤيده و لا يجوز أن يقبل الشعب العربي لنظام يقبل احتلال العدو الصهيوني لأرض فلسطين ثم يسلم به, ولهذا نحن كنقابات مهنية الشريحة الأوسع في المجتمع الأردني نتحفظ على اعتراف الدول العربية بالكيان المغتصب ونرى أن هذا الاعتراف لا يعطي أي شرعية للمحتل, فمجرد وجود مفاوضات يعني أن هناك تنازلات . فالمفاوض يتفاوض على ماذا ؟ إذا قيل لنا على الحق الفلسطيني, نقول انه حق بكامل التراب الفلسطيني وليس بجزء منه وعلى هذا فان مجرد التفاوض يعد تنازلا غير مقبول . وفي هذا السياق وعودة إلى السؤال فانه لا فرق بين الدول التي ذهبت إلى مدريد فقد ذهبت وانتهى الأمر . لكن بالتأكيد هناك نسب مطروحة لمن تنازل فسوريا يعد سقف صمودها عال جدا حتى في مصطلحاتها في أجهزتها الإعلامية, وكان توجهها ضد الكيان الصهيوني واضح حتى أننا كنا إذا ما أردنا قراءة التحليلات السياسية نتوجه إلى الإعلام السوري . أما بالنسبة للأردن وسوريا بشكل خاص وعلاقتهما بالقضية الفلسطينية, وكيف أثرت هذه القضية على العلاقة الثنائية, فإنني أرى أن الدولتين كانتا متفقتان على الخطوط العريضة فيما يتعلق بالتسوية, لكن الاختلاف الذي اختلفتا فيه الطريقة التي تدار بها عملية التسوية . والسؤال هنا هل اختلفت سوريا بانتقال حكمها من العهد القديم إلى العهد الجديد في طريقة تناولها لعملية التسوية؟ هذا ما سيوضحه المستقبل . عمان ـ لقمان اسكندر