سبع سنوات مرت على توقيع اتفاق اوسلو, وقد تكون سبعا عجافا حسب وجهة النظر التي عارضت الاتفاقيات, وهي كذلك ايضا من وجهة نظر مؤيدي الاتفاق في لحظة الحقيقة, او في لحظة المزاودة اللفظية, فقلما عرف التاريخ اتفاقا لعنه موقعوه كما عرفه حاضر اوسلو حتى كامب ديفيد, وقلما لجأ الناس الى عبارة (مرغم اخوك لابطل) (مع تحريف المعاني) كما لجأ العرب اليها بعد حرب الخليج. ولم يعد بامكان المؤيد المعارض ان يكتفي بالتأييد والمعارضة دون ان يدع الوقائع تزعجه, فقد وقعت الواقعة على الارض, ونشأت البنى السياسية وحتى الاجتماعية الجديدة التي تجعل النقاش خارجها, نقاشا خارج السياق, وبالتالي خارج السياسة, لقد قامت على الارض الفلسطينية سلطة فلسطينية تشكل استمرارا لـ او تفرعا من منظمة التحرير الفلسطينية التاريخية. وهذه السلطة الفلسطينية مقيدة باتفاقيات والتزامات لا يجهز عليها دفعة واحدة مجرد اعلان دولة فلسطينية, هذا رغم ان الاعلان بحد ذاته بعد اوسلو, وبعد قيام السلطة, سيكون ابعد اثرا من اعلان الدولة المعنوي في الجزائر. تغير الواقع الفلسطيني السياسي وانتقل مركز الثقل السياسي للشعب الفلسطيني الى الداخل, وبعد ان كانت قضية هذا الشعب قضية تحرير وعودة اصبحت قضية دولة ترتبط بها قضية حدود واستيطان وقدس, كما تجري محاولة مستحيلة لربط قضية اللاجئين بها. لا تتسع قضية الدولة كما اتضح طيلة مسيرة اوسلو لهذه القضايا فرادى او مجتمعة. ولا تكاد قضية الدولة تتسع ضمن اطار اوسلو, اي في اطار موازين القوى الراهنة, وخارج اطار العمل على تغييرها لحل قضية الاستيطان عبر حلها او تفكيكها, وباتت تتعايش مع كتل استيطانية, كما لا تكاد تتسع لحل قضية الحدود التي تتعرج بموجب المفهوم الاسرائيلي للامن, ولا لقضية القدس التي تحولت الى قضية رمزية فحسب هي قضية السيادة على الحرم ـ فكيف تتسع الدولة اليهودية الى جانبها لملايين اللاجئين الفلسطينيين؟ لا يقود منطق اوسلو الى حلول عادلة لهذه القضايا. والمفاوضات على الحل الدائم ما زالت تجري بمنطق اوسلو, الذي يحاول ان يبدع على الورق حلولا تفصيلية تحتاج الى اتفاقيات جديدة لترجمتها الى الواقع وان يجسر بالالفاظ وتغيير التعابير خلافات لا يمكن جسرها اذا لم يغير احد الطرفين او كلاهما مواقفه. ما زالت اسرائيل تفاوض في اطار اجماعها الوطني. وتغيير الالفاظ لا يغير اللاءات, وهي مازالت قائمة بحذافيرها, وما زال المفاوض الفلسطيني يأمل بابتزاز تغيير هنا او هناك بالتفاصيل, كما لو كنا نفاوض على المرحلة الانتقالية. اطار اوسلو هو اطار انتقالي لا يصلح للحل الدائم, والجواب عن السؤال هل تتلو السنوات السبع العجاف سبع سمان ينتظر خارج اطار اوسلو ـ اي في قرار تاريخي لا يماحك على التفاصيل بل يقبل شروط التسوية التاريخية, اسرائيل لم تقبل شروط التسوية التاريخية بعد ـ الا اذا اعتبرنا افكار باراك في كامب ديفيد شاملة للحد الادنى من الانصاف. هل يستطيع الشعب الفلسطيني ان يفرض هذه الشروط في المرحلة الحالية؟ هذا السؤال المعجزة, هو ما يطرحه الواقعيون في اطار خطاب اوسلو السياسي. وقد تكون الاجابة بالنفي, بعده يعاجلنا اولئك بالاستنتاج: اذا علينا ان نقبل ما يطرح. هذا هو مرة اخرى منطق المرحلة الانتقالية: لنقبل ما هو مطروح حاليا فلن تسنح ظروف افضل, ولكن المفاوضات تجري على الحل الدائم لصراع دام مئة عام, واذا لم يكن بالامكان فرض شروط حل عادل في هذه المرحلة وضمن منطق عملية اوسلو التفاوضية, يجب الا يعني هذا الكلام الاستسلام, كما انه لا يعني بالضرورة بداية حرب ضروس بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية لا تنتهي الا بهزيمة او نصر في معركة فاصلة واحدة. علينا ان نخرج من هذه الثنائيات الفكرية والسياسية, ومقولة ان الزمن في صالح اسرائيل وعلينا ان نقبل ماهو مطروح حاليا, هي مقولة سطحية ومتسرعة, وليست واقعية كما تبدو, فالزمن في صالح من يحسن استخدامه. بالامكان التعامل مع الواقع وبناء الذات الفلسطينية على الارض الفلسطينية بالتاريخ وفي صراع هنا وصدام هناك ـ وفي تقدم مستمر في الوقت ذاته بناء على تخريجة ماقد توجد لقضية السيادة على الحرم القدسي الشريف, ودون حل عادل معقول لتثبيت القضايا. يجب ان يلتفت الشعب الفلسطيني الى عملية بناء المؤسسات ضمن الصراع مع اسرائيل والى تنظيم العلاقة بين الداخل والشتات, والى تنظيم العلاقة بين السلطة والمواطن, والى ترتيب الاوضاع الاقتصادية. دون ذلك لا تتورط السلطة الى دولة بالمفهوم الحديث حتى لو كانت مجردة من القضايا المكونة للقضية الفلسطينية والتي باتت تسمى قضايا الحل الدائم. نجاعة غريبة!! يبدو ان اليمين الاسرائيلي يتشابك مع الاجهزة الامنية الاسرائيلية في اكثر من نقطة, وتكاد الحملة الحالية ضد الجماهير العربية وقياداتها تكون افتتاحا يمينيا للمعركة الانتخابية ـ واذا كنا مترددين في هذا الحكم بداية, فقد قطع شارون الشك باليقين عندما انضم الى هذه الحملة, يؤجج الحملة بالطبع التنافس الاعلامي الاسرائيلي في اخراج الدراما واستفزاز المشاعر ـ هنا تكتشف شبكة عربية ضد الدولة, وهناك نائب عربي يحرض ضد الشرطة وهكذا. ولا يخلو الامر بالطبع من غباء بعض الصحافيين الاسرائيليين الذين لا يكادون يميزون بين اسمائنا واحزابنا ولكنهم يملأون الصفحات بالعناوين المثيرة والصور الداكنة ذات الشارب او اللحية ـ ولا يدعون الحقائق تزعجهم في مسعاهم لتلبية طلب القارىء للاثارة, او ارضاء غرائزه العنصرية اذا لزم. اصبح التحريض على العرب نوعا من الفورنوغرافيا في الصحافة الاسرائيلية. وصل النائب محمد بركة الى مكان هدم البيت في القبسي وتناقش مع الشرطة وتساءل مع السكان لماذا لم يبلغ احد النواب العرب بالموضوع, ولماذا تم الهدم دون ضجة ودون دفاع عن البيوت. كلام مشروع من اوله الى آخره, والغضب الذي عبر عنه مشروع ايضا, فماذا تلا ذلك؟ ذكر اليك رون الموضوع في مؤتمر صحفي دون ذكر اسم النائب ـ تلته ليلة من التكهن لكي يصبح الموضوع جذابا للاعلام ثم قدمت الشكوى ووافق المستشار القضائي على فتح ملف التحقيق وبلغ رئيس الكنيست النائب بركة بالموضوع في يوم واحد ـ ما هذه النجاعة؟ ومنذ متى هذه السرعة؟ وبالعامية (على شو مستعجلين؟؟) . اولا كل التضامن مع النائب محمد بركة, ولن نسمح لهم ان يستفردوا به, ثانيا هناك امر ما يبيت لنا من قبل اليمين والاجهزة الامنية: تحريض متواصل, نزع شرعية مثابر, تشكيك, نشر اكاذيب حول شبكات معادية, خلط الجنائي بالامني ـ وكل محاولاتنا لتقديم افراد شرطة للمحكمة بعد اعتداءاتهم على المواطنين الابرياء باءت بالفشل. منذ اشهر نحذر من ازدياد عنف الشرطة ضد المواطنين العرب في فترة بن عامي. والموضوع لا يحل بعقد اجتماعات علنية تصرح فيها تصريحات اكثر شدة ـ وكأني بالبعض يريد ان يقول: (لماذا يحققون مع بركة وليس معي؟) هذه ردود فعل غاضبة غالبا ما تكون صادقة واحيانا تتحكم فيها الرغبة بالتنافس والمزاودة ـ ولكن الموضوع خطير ولا يحتمل الدعابة ولا ردود الفعل ولو كانت صادقة, وبالطبع لا يحتمل المزاودات ـ هنالك حاجة لتنسيق خطة لمواجهة عملية التحريض المثابرة للمس بالمواطنة العربية وشرعيتها, وبالسياسة العربية وشرعيتها, وبحقنا, نعم حقنا, بالدفاع عن بيوتنا. هنالك من يجهز ايضا لعملية هدم بيوت واسعة النطاق بعد اعطاء الشرطة كل الشرعية للضرب بيد من حديد, لقد ابتزت السلطة شرعية حقوقية كأنها المعتدى عليها في حين انها هي التي تكسر الايدي والارجل. وخطط مواجهة هذه الحملة لا تناقش تلفزيونيا بل تعد في لقاءات تنسيقية ـ ويجب ان توضع على جميع المستويات. المستوى التضامني والمستوى الفاعل في الرأي العام ـ يجب ان يتم فضح الشرطة الاسرائيلية وممارساتها القمعية بالتوثيق وبالشهادة ـ بالفيديو والانترنت والكراس وان يتم ذلك باللغات الثلاث. سوف ندافع عن بيوتنا, وسوف ندافع عن حقنا بالدفاع عن بيوتنا الى ان يوجد حل معقول لقضية التخطيط والبناء في الوسط العربي ـ هنالك ملف اسمه (ماحش) (وحدة التحقيق مع الشرطة في وزارة العدل) يجب ان يعرف هذا الملف للعالم اجمع ـ اذا ارادوا حربا اعلامية فيجب ان نجهز انفسنا لها وبتنسيق مثل اوركسترا واحدة ـ نحن قادرون على احراجهم فعلا. بقلم: د. عزمي بشارة