مثّل اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979 بقيادة الإمام الراحل الخميني علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وايران والتي تعد واحدة من أكثر أنماط العلاقات الدولية إثارة للجدل. فقبل ذلك التاريخ كانت طهران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوى تمثل أحد أبرز السواعد الفتية لواشنطن في منطقتي وسط آسيا والشرق الأوسط اللتين مثلتا آنذاك اثنين من أحزمة الصراع الضاري بين المعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشيوعي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق. والخبراء بتلك المرحلة التاريخية (حقبة الحرب الباردة) يدركون تماما معنى وقيمة حليف استراتيجي إقليمي بحجم وإمكانات إيران. غير أن حقبة السبعينيات من القرن العشرين شهدت حراكاً مجتمعياً داخل إيران لم تستطع الولايات المتحدة وحليفها الشاة إدراك أبعاده أو النتائج التي يمكن أن تترتب عليه, فاستمرت في دعمها الكامل لنظام الشاة غير عابئة بحالة الغليان التي انتهى إليها المجتمع الإيراني في نهاية السبعينيات والتي أسفرت عن انفجار الأمور بشكل أطاح بالشاه ورموزه ودخول إيران عهداً جديداً تحت حكم رجال الدين الذين اعتبروا ـ ومن خلفهم الشعب الإيراني ـ الولايات المتحدة رمز الشر والشيطان الأكبر الذي ساهم في تقوية مفاصل حكم الشاة الديكتاتوري لمدة خمة وعشرين عاماً عاني الإيرانيون خلالها أيما معاناة. وزاد الأمور تعقيداً ما أعقب وصول الخميني للحكم, من احتلال الطلاب الإيرانيين للسفارة الأمريكية في طهران في نفس العام واحتجاز 53 من الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن لمدة 444يوماً, الأمر الذي ترك جرحاً غائراً في خارطة علاقة البلدين. ثم جاءت سنوات الثمانينيات التي شهدت واحدة من أسوأ حروب المنطقة.. حرب المليون قتيل بين العراق وإيران, ووقوف الولايات المتحدة وراء النظام العراقي في هذه الحرب, لتتحول الفجوة بين طهران وواشنطن إلى هوة سحيقة استعصت حتى الآن على المحاولات العديدة لجسرها, لاسيما وأن الولايات المتحدة اختتمت هذه الحقبة بإسقاط طائرة ركاب مدنية عام 1988 مما أدي حينها إلى مقتل 290راكباً. ولم تغير وفاة الإمام الخميني المرشد الأول للثورة الإيرانية من الأمور كثيراً, رغم أن الدعايات الأمريكية التي أمطرت العالم إبان الثمانينيات اعتبرت وجوده واحداً من أهم أسباب القطيعة بين الجانبين, تلك القطيعة حتى مجىء الرئيس محمد خاتمي عام 1997 إلى الحكم بأغلبية شعبية كبيرة عززت من آمال التقارب بين واشنطن وطهران. والآن, وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على رئاسة خاتمي الأولى, لا يزال كل من الجانبين الإيراني والأمريكي لم يحدد موقفاً ثابتاً تجاه الآخر, نظراً لأن أية بادرة باتجاه التقارب تصدر من أي من الجانبين عادة ما تعقبها بادره أخرى من نفس الجانب ولكن بالاتجاه المعاكس. وهكذا تستمر الأوضاع تراوح مكانها بين شد وجذب, دون أن تخلو من خطوات كبيرة بين آن وآخر باتجاه التقارب, يصعب على أي من الجانبين التراجع عنها وإن أبدى عكس ذلك. وثبة إيرانية كبيرة.. لعل آخر تلك الخطوات وأبرزها في الوقت ذاته ما شهده الأسبوع الأخير من شهر أغسطس الماضي, عندما التقى عدد من البرلمانيين الإيرانيين برئاسة رئيس مجلس الشورى الإيراني بنظرائهم الأمريكيين على هامش اجتماع الأمم المتحدة لرؤساء برلمانات العالم, الأمر الذي اعتبره المراقبون أعلى مستوى من اللقاءات بين البلدين منذ احتلال السفارة الأمريكية عام 1979. وبطبيعة الحال لم يمر الحادث مروراً عابراً, وإنما أهتم المراقبون ووسائل الإعلام بتحليل أبعاد وظلال ومدلولات لقاء كهذا. ويرجع السبب الرئيسي لهذا الاهتمام في أنه اللقاء الأول من نوعه الذي جرى ترتيبه مسبقاً بحيث يعقد علنا, وبعد الحصول على موافقة مرشد الثورة علي خامنئي بعد أن أعلن رفضه مراراً أي حوار مع الولايات المتحدة,وهي الموافقة التي أضفت على اللقاء صبغة رسمية لم يقلل منها انعقاده في متحف متروبوليتان الشهير بنيويورك على أساس أن الأمر لا يعدو كونه مجرد نوع من التبادل الثقافي كما أعلن مسئولون في الإدارة الأمريكية. ومن جهة أخرى, ضم الوفد الإيراني امرأة إلى جانب يهودياً ايرانيا, مما يعني أن طهران ـ التي توقعت أن تغطي أجهزة الأعلام الأمريكية هذا اللقاء ـ اختارت أن يتضمن الوفد مكونات قادرة على إرسال رسالة ذات مغزى للأمريكيين فعضوية المرأة (آلهية قلاعي) عضو البرلمان الإيراني ـ ترد على من يقولون باضطهاد النساء في إيران, كما أن عضوية اليهودي موريس معتمد عضو البرلمان يرد بدوره على الحملة التي تعرضت لها طهران بعد اعتقال 13 يهودياً واتهام 10 منهم بالتجسس لصالح إسرائيل على أن أكثر أبعاد الحدث دلالة يتمثل في حضور مندوبين من أبرز شركات النفط الأمريكية, (كونو ك و) و(شيفرون) , ورغم أنهما رفضا الحديث أثناء اللقاء, إلا أن مصادر عديدة أكدت أن ثمة لقاء جانبي عقداه مع مهدي كروبي, وأكدا خلاله أن أكثر من 77%من الشعب الأمريكي وخبراء السياسة الخارجية يرغبون بإلغاء الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران,وهو ما رد عليه كروبي بأنه (يتحتم على واشنطن والكونجرس إظهار حسن النية تجاه بلاده أولاً) . الجهر بالاجتماعات وتزامن مع هذا الحديث حضور ثلاثة مسئولين أمريكيين ـ اثنين من وزارة الخارجية وواحد من وكالة التنمية الدولية ـ مؤتمراً نظمته منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة في طهران. وعلى الرغم من أن مجموعات من الأمريكيين المتخصصين في صيد الأسماك والحياة البرية كانت قد شاركت من قبل في مناسبات دولية عقدت في إيران, فإن هذا الحديث يحمل أهمية خاصة باعتباره الاجتماع الأول الذي يحضره مجموعة من الدبلوماسيين الأمريكيين منذ عام ,1979 وكانت الزيارة الوحيدة الأخرى لإيران هي الزيارة السرية ـ في منتصف الثمانينيات ـ لمستشار شئون الأمن القومي ماكارلان أوايفر نورث خلال فضيحة (إيران جيت) (السلاح مقابل الرهائن) في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان. على أن الأمر لم يقتصر عند هذا الحد, وإنما حدث أمر آخر يسترعي الانتباه, وهو اجتماع ممثلي الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة مع أية الله جوادي أملي, مندوب مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي, خلال قمة الأديان في الأمم المتحدة, في لقاء تميز بطابع ديني, وإن لم يخل هو الآخر من دلالات هامة تتعلق بإزالة الاحتقان الذي حدث بين واشنطن ـ بإيعاز من اللوبي اليهودي ـ وطهران في أعقاب قضية اليهود الإيرانيين. بيد أن أهم خطوة في هذا الإطار هي لقاء (الصدفة) بين الرئيس الإيراني محمد خاتمي وبين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خلال قمة الألفية والذي أعد له دبلوماسيا. مؤشرات الاقتراب وهكذا نلاحظ أن الأيام الاخيرة اكتظت بالعديد من المؤشرات باتجاه التقارب بين واشنطن وطهران, غير أنها لا تكفي للقول بثقة أن انفراجاً سوف يحدث في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية, إذ يبقى لقاء كلينتون وخاتمي المرتقب في نيويورك هو المحك الحقيقي الذي على أساسه تتضح الصورة أكثر فأكثر, نظراً لأن هذه الأحداث ـ على أهميتها ـ ليست سوى واحدة من حلقات مسلسل (الشد والجذب) بين الجانبين الذي بدأ مع وصول خاتمي إلى الحكم عام ,1997 ودعوته إلى بذل جهود (من أجل تحطيم جدار الشكوك) عن طريق مبادلات بين الشعوب. بل أن الراصد لتطورات العلاقات الإيرانية الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة ليشهد عدداً من الإشارات والمبادرات في اتجاهي التقارب والتباعد في الوقت نفسه. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: * تلقي الجانب الإيراني في الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي هدية من نظيره الأمريكي عبارة عن سلسلة من صور الأقمار الصناعية تظهر تحركات عسكرية قام بها النظام العراقي استعداداً لشن حرب محدودة ضد إيران في حالة حدوث اضطرابات لدى الأخير كنتيجة محتملة للصراع بين القوى السياسية المحافظة والإصلاحية. * في اليوم الأول من شهر إبريل الماضي, ردت البحرية الإيرانية على اللفتة السابقة, باعتراض ناقلة نفط عراقية صغيرة ترفع علم هندوراس وتحمل نفطاً عراقياً مهرباً, وذلك بعد أسبوعين من إعلان الولايات المتحدة بأن وقف تهريب النفط العراقي عبر مياه الخليج غير ممكن بدون التعاون مع إيران. وجاء الرد الأمريكي سريعاً وإيجابياً على هذه الخطوة, على لسان جيمس روبن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عندما عبر عن (سرور) بلاده لمشاهدة إيران وهي تتخذ الإجراءات المناسبة ضد تهريب النفط. بين الشد والجذب غير أنه لم يمض أسبوع واحد على اللفتة الإيرانية إلا وأرسلت الولايات المتحدة إشارة جديدة ولكن في الاتجاه المضاد, عندما أكدت مصادر دبلوماسية أمريكية وثيقة الاطلاع أن إدارة الرئيس كلينتون تدرس مسألة الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة في المصارف الأمريكية والتي تقدر قيمتها بعدة مليارات من الدولارات, بغرض دفع التعويضات لمواطنين أمريكيين وعائلاتهم نتيجة تعرضهم للخطف والقتل على أيدي عناصر أو مؤسسات أو جهات موالية لإيران, وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن المحاكم الأمريكية قضت بالفعل بتعويض عدد من المواطنين الأمريكيين بمبالغ ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات, غير أن الإدارة الأمريكية تتلكأ حتى الآن في تنفيذ اقتراح التعويض من خلال الأرصدة مخافة أن تتعرض الممتلكات الدبلوماسية الأمريكية في الخارج إلى أخطار. بدوره رد الجانب الإيراني على تلك الإشارة, من خلال مرشد الثورة علي خامنئي في العشرين من شهر إبريل الماضي, والذي ندد بمحاولات الولايات المتحدة (السيطرة على إيران كما فعلت مع أوروبا الشرقية من قبل) مؤكداً أن (المسئولين الأمريكيين واهمون إذ تصوروا أن بإمكانهم فتح سفارة لهم في طهران) . أما شهر يوليو الماضي فقد شهد أقوى ملامح التوتر والاحتقان في العلاقات الأمريكية-الإيرانية, على إثر إصدار محكمة الثورة في مدينة شيراز الإيرانية أحكاماً بالسجن على عشرة من يهود إيران بمدد تتفاوت بين 4 ـ 13سنة, حيث صعدت الولايات المتحدة من احتجاجاتها على هذه الأحكام على اعتبار أن المحاكمات افتقدت لعناصر الحيادية والنزاهة, حتى أن سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ريتشارد هولبروك شارك كممثل عن الرئيس الأمريكي ونائبه آل جور ووزيرة الخارجية مادلين أولبريت في تجمع للتنديد بإدانة اليهود العشرة, وهو ما دعا الجانب الإيراني إلى الرد بعنف, معتبراً أن (مواقف بعض الدول من الأحكام الصادرة بحق المتهمين بالتجسس لمصلحة النظام الصهيوني إنما هي تدخل سافر في الشئون الداخلية الإيرانية) وأن (جدار عدم الثقة بين طهران والولايات المتحدة آخذ بالارتفاع) , كما حمل الرئيس الإيراني السابق رفسنجاني على الموقف الأمريكي خلال إحدى خطب الجمعة, مشيراً إلى أن الاتهام الأعمى للقضاء الإيراني ينم عن صفاقة ووقاحة) . * وفي الرابع من شهر يوليو رفضت وزارة الخارجية الإيرانية تحت ضغط عناصر المحافظين المتشددة التصريح لفريق كرة قدم أمريكية بزيارة جزيرة كيش الإيرانية ليلعب مباريات ودية. وأوضحت الوزارة أن هذه الخطوة تمثل رداً على محاولات مسئولي هجرة أمريكيين أخذ بصمات الإيرانيين الذين يزورون الولايات المتحدة, وهو الإجراء الذي تعتمده تجاه مواطني دول تتهمها واشنطن بأنها ترعى الإرهاب, والذي تسبب مراراً في انسحاب مجموعات من الرياضيين والمفكرين الإيرانيين من بطولات أو لقاءات ثقافية في مدن أمريكية, احتجاجاً على هذه المعاملة. * وفي الحادي عشر من شهر يوليو أيضاً شكك الرئيس الإيراني محمد خاتمي في مقابلة مع التليفزيون الألماني في إمكان تحسين العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة, محملاً واشنطن مسئولية ذلك بسبب عدم إقدامها على القيام بـ (خطوات ملموسة) لتصحيح الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي. وقد ردت واشنطن على ذلك بأن (سنوات القطيعة وعقود التنافر لا يمكن التغلب عليها بين عشية وضحاها, غير أن الولايات المتحدة مستعدة للصبر) . * وفي الخامس عشر من أغسطس الماضي أسفر سقوط طائرة مروحية إيرانية في مياه الخليج عن تحطمها وفقد اثنين من طاقمها المكون من خمسة أفراد, فيما تم إنقاذ الثلاثة الباقين.. وقد اتهمت إحدى صحف التيار المحافظ في إيران الولايات المتحدة بـأنها أسقطت المروحية الإيرانية, غير أن هذه الأخيرة لم ترد على ذلك الاتهام, وإنما أشارت إلى أن قواتها المتمركزة في الخليج ساهمت ولمدة ست عشرة ساعة في جهود البحث عن الطيارين المفقودين. محاولة للفهم وهكذا ـ وكما أشرنا سلفاً ـ تسير العلاقة بين واشنطن وطهران بين شد وجذب بشكل لا يجعل عملية البت بوجود تقارب فعلى بين الجانبين, أمراً يسيراً. ولعل ذلك يرجع إلى أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر في مسيرة تلك العلاقات سواء بالتقدم أو التقهقر, وهي العوامل التي ينبغي الوقوف عليها ليتسنى استشراف مستقبل تلك العلاقة بين واشنطن وطهران: هناك ارتباط وتسلسل بين تلك العوامل التي يعوق فصلها عن بعضها البعض, أو بعبارة أخرى فإن تبسيط هذه العوامل الحاكمة لسير العلاقة بين الجانبين وتقسيمها إلى مجموعتين متمايزتين (مع / ضد) التقارب بين البلدين, أو حتى تصنيفها إلى عوامل سياسية واقتصادية وتاريخية وجغرافية.. إلخ, كل ذلك يعتبر نوعاً من الإخلال الذي يضر بالتحليل, إذ أن هناك تداخلا شديدا بين تلك العوامل حتى داخل كل مجموعة, فعلى سبيل المثال هناك أمثلة تسوقها خبرة تاريخ العلاقة بين البلدين تدعم عملية التقارب, بل وتجعلها حتمية, في الوقت نفسه الذي تسوق أمثلة أخرى ولكن في الاتجاه المعاكس. ومن ثم فإن النقاط التالية تكشف بعض العوامل المؤثرة في تطور العلاقات الإيرانية-الأمريكية, تارة يرتبط كل عامل بالذي يليه, وتارة أخرى يفتقد مثل تلك الرابطة: أولا... يعتبر صراع الأجنحة والقوى السياسية في كل من إيران والولايات المتحدة أحد المفاتيح المهمة لفهم تطور العلاقات بين الجانبين, فمن جهة, لم تعد طروحات الرئيس خاتمي الإصلاحية التي تعتبر الانفتاح على العالم الخارجي بما في ذلك الولايات المتحدة أحدى ركائزها الأساسية, ولم تعد تلك الطروحات تخفي على أحد داخل إيران أو خارجها, كما لم يعد خافياً أن هناك تياراً آخر داخل إيران يتربص بذلك التيار الإصلاحي ويخوض معركة سياسية شرسة ضده أحد أهم عناوينها ـ على حد وصف أحد الكتاب ـ هو الحرب ضد (الشيطان الأكبر) , وتخشى هذه الأجنحة المتشددة من تسبب إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة في إضعاف الراديكالية, فضلاً عن أن الولايات المتحدة نفسها بوصفها (القوى الاستكبارية) التي تسعى للسيطرة على إيران مثلت بديلاً جاهزاً لصياغة الشعارات الثورية التي تستقطب التكتل الشعبي وراء مؤسسات المحافظين طيلة عقدي الثورة الماضيين. وعلى الجانب المقابل, وفي واشنطن يلعب صراع الأجنحة هو الآخر دوراً كبيراً في التأثير على العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية, حيث يقف المتطرفون في الإدارة الأمريكية ضد أي تحسين في العلاقات بين البلدين وأكثرهم من المتعاطفين مع إسرائيل, ويربطون دائماً بين تحسين تلك العلاقات وبين تحقيق نجاحات في العملية السلمية في الشرق الأوسط على الطريقة الإسرائيلية ويسعون إلى ابتزاز إيران, كما أن بعض الدوائر في الإدارة الأمريكية تعتقد أن إيران تمر بأزمة عميقة وأن مستقبلها السياسي سوف يتحدد بناء على ما سوف يسفر عنه صراع المحافظين والإصلاحيين, وبالتالي فمن الأفضل لواشنطن الانتظار لمعرفة من الذي سيصبح صانع القرار في المستقبل. وفضلاً عن أن التنافس الشرس بين قطبي السياسة الأمريكية (الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري) طال الموقف حيال إيران, ففيما تمثل الإدارة الأمريكية الديمقراطية موقف التشدد الحالي, فإن الكونجرس الأمريكي ذا الأغلبية الجمهورية كان دائماً صاحب مبادرات التقارب, وآخرها اللقاء الذي تم منذ أيام بين الوفد البرلماني الإيراني وبين عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بقيادة السيناتور أرلين سبكتر الذي طالما لعب دوراً رئيسياً في الترويج للمهادنة بين الجانبين, ويذكر له في هذا الصدد أنه طالب بالمزيد من الإجراءات عندما أعلنت وزيرة الخارجية أولبريت في مارس الماضي إلغاء جزئياً للحظر الاقتصادي على السجاد والفستق والكافيار الإيراني, موضحاً أن (الانتخابات الأخيرة في إيران واقتراحات الرئيس خاتمي تشير إلى أن إيران يمكن أن تبدأ صفحة جديدة نحو الديمقراطية ومفهوم حكومي جديد, بما يحتم على واشنطن أن ترد على ذلك بفتح صفحة جديدة وتلوح بغصن زيتون) وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن صحيفة (إيران نيوز) المقربة من وزارة الخارجية الإيرانية نددت بالفريق الديمقراطي المرشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية المكون من نائب الرئيس الأمريكي آل جور ونائبه اليهودي جوزيف ليبرمان في حين اعتبرت في المقابل أن الفريق الجمهوري بقيادة جورج بوش الابن وديك تشيني اللذين يقيمان علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات النفطية الأمريكي, سيكون أفضل بالنسبة لإيران, وأشارت الصحيفة إلى أن تشيني الذي يترأس مجموعة (هالبيرتتون) كبرى شركات الخدمات النفطية في العالم يحتفظ بعلاقات متميزة مع الدول المنتجة للنفط, وقاد حملات لرفع العقوبات الأمريكية المفروضة خصوصاً ضد ليبيا وإيران, وبالتالي فإن (إدارة جمهورية بقيادة قدامى القطاع النفطي هي أكثر قدرة على اعتبار أن إيران بلد ينبغي على الولايات المتحدة أن تقيم معه علاقات طبيعية) , ويكفي أن المقاطعة بدأت في عهد الرئيس الديمقراطي كارتر بينما شهدت سنوات الثمانينيات التعاون الوحيد بين الجانبين بأيدي جمهورية وإن كان سراً في عهد ريجان خلال إيران جيت. وهذا يقودنا بالضرورة إلى العامل الثاني المؤثر في تطور العلاقات الإيرانية-الأمريكية, وهو عامل المصلحة الوطنية لدى الطرفين والتي يمثل القطاع النفطي مفصلها الأساسي. أسعار النفط هل تعجل بالتقارب؟ ليس من شك أن في قائمة الشكاوى المتبادلة بين واشنطن وطهران قد تمددت وطالت بشكل لا يبعث على التفاؤل, بيد أنه تبين لكليهما أن مصالحهما على المدى الطويل, تتطلب تطوير علاقات قابلة للتطبيق, وكلما أسرعا بتأسيس مثل هذه العلاقة كان ذلك أفضل بالنسبة لهما وبالنسبة للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى وحوض بحر قزوين. ويأتي على رأس المصالح المشتركة القطاع النفطي. وتبدأ القصة منذ خمس سنوات عندما أصدرت الولايات المتحدة قانون داماتو, الذي لا يحظر فقط استيراد النفط الإيراني وإنما يفرض عقوبات على الشركات العالمية التي تتعامل نفطياً مع إيران, مما أوقع واشنطن في مشاكل مع حلفاء مثل فرنسا ومع روسيا, ولما كان النفط بمشتقاته يمثل 85% من صادرات إيران, فإن ذلك الحظر كان يعني نوعاً من الشلل التام لإيران وكان له أثره الفعلي في تدهور اقتصادها, إلا أن العديد من الشركات لم تعبأ بالقانون الأمريكي واستمرت في التعامل مع إيران وإن كان بعروض أقل إغراء من السوق العالمية لوجود نسبة من المخاطرة, ثم بدأت الولايات المتحدة تدرك أن البساط ينسحب من تحتها وأنها ستفقد مكانتها ودورها البارزين في إيران دون ثمن, كما أن أسعار البترول المتصاعدة, عملت هي الأخرى على تنبيه واشنطن إلى أن إمدادات الطاقة على امتداد السنوات العشر المقبلة ستتعرض لامتحان حقيقي, مع وصول النفط إلى 34 دولارا للبرميل الواحد, وليس هناك بارقة أمل ـ على المدى المتوسط ـ بزيادة الإمدادات بصورة استراتيجية ثابتة, فالمهم ليس (القطرة) التي يتحدث أعضاء أوبك عنها, أي ليس 500 ألف برميل يومياً في مجمل استهلاك عالمي تجاوز 75 مليون برميل يومياً, وإنما المهم هو المصادر الكبيرة. ولن تجد واشنطن ضالتها في الوقت الراهن سوى لدى إيران, التي تمثل عملاقاً نفطياً يمتلك 96 مليار برميل من النفط الخام و26 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي ـ حسب آخر رقم أعلنه وزير النفط بيجان زانجانة ـ غير أن في الوقت نفسه لا يمتلك المال الكافي للاستثمار في هذا القطاع الحيوي بما يزيد إنتاجيته, وبالتالي برزت المعادلة التالية: الولايات المتحدة لديها الاستثمارات وليس لديها النفط, وإيران لديها النفط وليس لديها الاستثمارات. وهي معادلة لا تحتاج إلى عبقرية خاصة لفهم مدى امتداد الأرضية المشتركة بين الجانبين, على ضوء الوضع الاقتصادي الراهن في إيران حيث تصل نسبة البطالة إلى 16% حسب الإحصائيات الرسمية لعام ,1999 وإلى 30% حسب تقديرات أخرى يعتد بها (خارج إيران), وهناك 800 ألف شاب يدخلون سوق العمل كل عام ليجدوا أبواباً مغلقة, وبالتأكيد سوف تنتهز شركات النفط العالمية مؤشرات التقارب الأخيرة للضغط باتجاه التسريع في إعادة العلاقات, لا سيما وقد سال لعاب تلك الشركات وهي ترى الشركات الأوروبية تغنم عقود استثمار هائلة في القطاع النفطي الإيراني, آخرها شركة (إيني) الإيطالية التي فازت بعقد قيمته 8.3 مليارات دولار لتطوير حقول الغاز في منطقة فارس الجنوبية. وتدرك إيران في المقابل أن الولايات المتحدة وضعت عقبات كبيرة أمام إيران لتحسين علاقاتها مع أوروبا ودول المنطقة وآسيا الوسطى, وأن كل تطور في العلاقات مع واشنطن سيؤثر إيجابياً على توسيع نطاق فاعلية إيران في العديد من الدول التي تعرضت لضغوط أمريكية بعدم التعامل معها. بين المصالح والشعارات وإلى جانب النفط تبقى بعض المصالح التي لا يمكن غض الطرف عنها والتي لا تتحقق للجانبين سوى بتطبيع العلاقات بينهما مثل استقطاب الدعم الدولي في مواجهة عمليات تهريب المخدرات, فضلاً عن خط أنابيب البترول الذي تعارض الولايات المتحدة مده داخل إيران لتصدير نفط وغاز بحر قزوين ووسط آسيا من خلاله والذي يعود بالطبع بالفائدة على إيران, بالإضافة إلى أن الإيرانيين يعتقدون أن تحسين العلاقات مع واشنطن يؤدي بالضرورة إلى تقليص تواجدها العسكري في منطقة الخليج, بما يهيئ الظروف المناسبة أمام إيران لتحقيق فلسفتها المتعلقة بالأمن الإقليمي في المنطقة. وأخيراً يدرك الجانبان أهمية تقاربهما في تحجيم الخطر العراقي, حيث تعتبر إيران هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تتمتع بثقل استراتيجي يمكنها من التصدي للمشروعات العدوانية التي ما فتئ النظام العراقي يعلن عنها من آن لآخر, ولاسيما وقد بدأ الحظر الاقتصادي المفروض على العراق في التآكل, دون إنجاز رقابة من أي نوع على تطور التسلح العراقي. وفي المقابل تأمل إيران في الحصول على المعطيات الاستخباراتية حول أنشطة المعارضة الإيرانية المسلحة في العراق عن طريق واشنطن. وهكذا تقود المصالح الموضوعية للجانبين الأمريكي والإيراني ـ بعيداً عن الشعارات الثورية والضجيج السياسي ـ إلى نتيجة واحدة مفادها أن للجانبين مصلحة مشتركة في تحسين علاقاتهما, وأول دروس السياسة هو أن المصالح المشتركة كفيلة بلي أعناق الشعارات والهتافات, إذ ليس هناك عداء دائم ولا صداقة دائمة في العلاقات الدولية. الرأي العام والخبرة التاريخية قام الطلاب الإيرانيون باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الدبلوماسيين كرهائن, فتأثر الرأي العام الأمريكي, ودعمت الولايات المتحدة العراق خلال حربه مع إيران فتأثر الرأي العام الإيراني ولعبت وسائل الإعلام لدى الطرفين دوراً في تأجيج وإثارة الكراهية المتبادلة بين الشعبين. وفي بلد كالولايات المتحدة لايهتم الناس فيها بالسياسة الخارجية إلا قليلاً, وبالتالي تبقى الانطباعات الأولية عن اتصاف هذا الرئيس أو تلك الدولة بالإرهاب طويلاً مثل (الوصمة) وهو ما لم تحاول إيران قبل مجيء الرئيس خاتمي أن تزيله من ذهن رجل الشارع الأمريكي, بل أن استطلاعاً للرأي العام أظهر أن 2% فقط من عوام الشعب الأمريكي سمعوا بانتخاب رئيس إيراني ميال للإصلاح (محمد خاتمي) عام ,1997 إلى أن جاءت مسابقات كأس العالم عام 1998 بفرنسا والتي شهدت مباراة في كرة القدم بين الفريقين الأمريكي والإيراني انتهت بإحراز إيران هدفين في مرمى الفريق الأمريكي والعديد من الأهداف في مرمى التطبيع بين البلدين, حيث عرف المواطن الأمريكي من خلالها شيئاً أكثر عن الشعب الإيراني, ولاسيما بعد المظهر الحضاري الذي ظهر به لاعبو إيران. يضاف إلى ذلك أنه منذ مجيء الإصلاحيين بقيادة الرئيس خاتمي إلى الحكم في إيران عام ,1997 بدأت على الساحة الدولية فورة دبلوماسية إيرانية رممت العديد من المحطات التي تهدمت أثناء حقبة الثمانينيات وأغلب فترات عقد التسعينيات, من خلال الزيارات المتكررة التي قام بها الرئيس خاتمي لعدد من العواصم الأوروبية بداية بالعاصمة الإيطالية وإنتهاء بزيارة لألمانيا في شهر يوليو الماضي. وليس من شك في أن تحسين العلاقات بين طهران وعواصم دول الاتحاد الأوربي قد فتح المجال أمام وساطات قوية بين الأولى وبين واشنطن من خلال حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا. وأخيراً يؤكد المراقبون على أن هناك عددا من نقاط الخلاف تمثل محاور بالغة الحساسية, تعتبر الطريق الوحيد أمام عودة العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية, وفي هذا الإطار إذا لم تتخذ واشنطن خطوات أولية لبناء الثقة أهمها عدم معارضة مد أنابيب النفط عبر إيران والإفراج عن الودائع الإيرانية وإلغاء قانون (داماتو) ورفع الحظر التجاري والتكنولوجي ووقف الحرب الإعلامية ضد إيران, فإنه لا بارقة أمل تبدو قريبة بشأن علاقات طبيعية بين إيران والولايات المتحدة.