يعود النشاط الاسرائيلي في افريقيا الى منتصف الخمسينيات, حيث انطلق من (مثلث) افريقي اضلاعه (اثيوبيا, وغانا, وجنوب افريقيا العنصرية وقتها).. واستمر هذا النشاط بدعم خاص من قبل الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا, ولكن هذا الدعم لم يستمر بشكل واضح بعد استقلال الدول الافريقية عن هاتين الدولتين.. حيث اعتمدت اسرائيل على معطيات الواقع الافريقى, ومساندة الولايات المتحدة الأمريكية أو استخدام المدخل الأمريكى بعد ذلك. ويقول الباحث المصرى الدكتور صلاح زرنوقه الخبير بمركز دراسات وبحوث الدول النامية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أن اسرائيل استطاعت استثمار المعطيات المرتبطة بصورة (العربى) في افريقيا سواء على مستوى النخب الحاكمة أو على مستوى الرأى العام, فعلى الرغم من تلاشى صورة (العربى) تاجر العاج والرقيق في أذهان الافارقة كنتيجة للنشاط الدبلوماسى الذى بذلته مصر بعد ثورة يوليو ,1952 على صعيد القارة الا أن الاعلام الاسرائيلي سعى لتجديد الصورة السلبية للعرب عموما لدى الافارقة, بل ودعمها أيضا بصورة العربى (مالك النفط) الثرى الذى لا يتجسم عناء الاستثمار في افريقيا. وهى صورة فيها مغالطات كثيرة. لكن هذه الصورة السلبية للعرب لدى الافارقة لم تنعكس على المواقف الافريقية تجاه القضايا العربية في المحافل الدولية, ووفقا للدراسات التى أجريت على هذه الفترة, لم يثبت وجود علاقة بين اتجاهات التصويت للدول الافريقية في الأمم المتحدة على القضايا العربية من ناحية وسياسات القروض (والمعونات) العربية التى تقدم للدول الافريقية من ناحية اخرى, كذلك لم توجد علاقة بين توزيع السكان المسلمين في الدول الافريقية وسلوك التصويت الذى تتبناه هذه الدول بخصوص القضايا العربية, وكان هذا السلوك ايجابيا بالنسبة للصالح العربى والعكس بالنسبة لاسرائيل. الاهداف الصهيونية في الواقع لم يكن لهذه الوسيلة فى الدعاية ضد الجانب العربى نتائج كبيرة على تطور علاقات اسرائيل بالقارة الافريقية الأمر الذى دفع اسرائيل للبحث عن وسيلة أخرى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في القارة, وهى: ضمانة أمنها في محيطه الواسع, تحقيق الشرعية, الهيمنة الاقليمية, واستطاعت في ذلك استغلال الفراغ العربى في افريقيا فسعت ليس فقط الى ضمان هجرة اليهود الافارقة اليها, وانما الى استثمار وجود الاقليات اليهودية في بعض الدول الافريقية والتى كانت تتراوح في هذه الفترة على سبيل المثال ما بين 300 يهودى في زامبيا, و400 يهودى في الكونجو, و100 ألف يهودى في دولة جنوب افريقيا, فضلا عن يهود الفلاشا في اثيوبيا الذين كانوا مستودعا للهجرة اليهودية لاسرائيل, كما تم استثمار وجود هذه الاقليات في فتح قنوات اتصال مع النخب الافريقية على مستويات مختلفة, وفى نفس الوقت سعت السياسة الاسرائيلية الى كسر حلقة المقاطعة العربية لاسرائيل وتلبية حاجة الاقتصاد الاسرائيلي في مجالات العمالة والتسويق والمواد الخام, وهو ما عنى استخدام آلية ثالثة تمثلت في العلاقات الاقتصادية والاستثمارات الاسرائيلية في بعض الدول الافريقية والدعم الفنى والعلمى الذى قامت به مؤسسات عديدة منها: مركز الدراسات العمالية والتعاونية ودائرة التعاون الدولى ورابطة المتخرجين الافارقة, ومعهد وايزمان للعلوم, ومنظمة هداسا, ومعهد الدراسات الافريقية, وأجهزة الهستدروت المختلفة.. ولعل استخدام هذه الآليات قد أفضى الى نجاح اسرائيلي دبلوماسى في افريقيا, حيث يلاحظ انه قفز من 6 بعثات عام ,1960 الى 43 بعثة دبلوماسية في القارة كلها.. واليوم أيضا يمكن الحديث عن آليات واضحة تستخدمها اسرائيل لتنفيذ مخططاتها في افريقيا ومن أهم هذه الآليات العلاقات الاقتصادية والفنية مع الدول الافريقية, والتى تنهض على برامج للمساعدات الاقتصادية في كثير من المشروعات والعناية بالتبادل التجارى وعقد الاتفاقيات التجارية التى يتم بموجبها تصدير المعدات الزراعية والميكانيكية وادوات الاتصال, وكان التبادل التجارى بين اسرائيل والدول الافريقية قد بدأ بـ (30) مليون دولار في أوائل السبعينيات وقفز الى حوالى 300 مليون دولار في عام 1990. اختراقات الهستدروت وعلى المستوى الفنى تشير الدلائل الى وجود 1500 خبير اسرائيلي في الدول الافريقية, وفى المقابل استقبلت مراكز التدريب الاسرائيلية مالا يقل عن 2600 متدرب افريقي في مختلف القطاعات, ويذكر في هذا الصدد الدور البارز الذى قام به الهستدروت الاسرائيلي والذى يرى البعض في اسرائيل انه حقق أكثر الاختراقات الصهيونية نجاحا لافريقيا. أيضا من أهم هذه الآليات آلية التعاون العسكرى والأمنى والتى تأخذ العديد من الأشكال حتى بلغت حوالى 25 اتفاقية وبروتوكولا, وبعثات العمل العسكرية, واقامة المزارع التعاونية العسكرية, وبناء القواعد الجوية والمطارات المدنية أو تطويرها وتحديثها, والمعاونة في تطوير أجهزة الأمن والمخابرات الافريقية واقامة محطات الانذار والمراقبة في بعض الدول وتقديم المنح والبعثات العسكرية, والتعاون مع بعض البلدان لتنفيذ برامج انتاج الأسلحة مقابل الحصول على مواد خام (استراتيجية) لصالح الصناعات الحربية الاسرائيلية, أو تمويل الميليشيات الافريقية بالسلاح في مقابل الماس والثروات الافريقية النفيسة.. وقد وصلت عقود توريد الأسلحة الاسرائيلية للحكومات الافريقية والحركات المعارضة مايقرب من 1300 عقد في عام وا حد. منابع النيل تعتبر اثيوبيا هى المدخل الرئيسى للنشاط الاسرائيلي المريب في منابع النيل, وقد عزز من علاقات البلدين الارتباط التاريخى بسلالة سليمان, وارتباطهم الروحى بالأماكن المقدسة في الاراضى المحتلة (القدس), كذلك وجود الجالية اليهودية الفلاشا.. والحقيقة أن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين قوية وواسعة وتشمل مجالات عديدة للتغلغل الاسرائيلي في القارة, حيث أن الأنشطة الاسرائيلية في منابع النيل غالبا ماتتم من خلال دول أخرى, وقد لعبت أثيوبيا هذا الدور بجدارة عندما عارضت بتحريض من اسرائيل مشروع السد العالى كما عارضت ايضا مشروعا مصريا أخر لتحويل جزء من مياه النيل لرى سيناء وتقدمت في هذا الشأن بشكوى الى منظمة الوحدة الافريقية. وانتقلت اسرائيل للعمل المباشر بإرسال خبراء الى كل من اثيوبيا وأوغندا لاجراء ابحاث تستهدف اقامة مشروعات للرى على النيل تستنزف ما يقرب من سبعة مليارات م3 من واردات النيل الى مصر من المياه, وذلك رغم انتفاء الحاجة الى مشروعات رى مائية في أوغندا التى تتلقى أمطارا استوائية تبلغ حوالى 114 مليار م3 في العام الواحد. واتخذ التنسيق الاثيوبى الاسرائيلي في عهد منجستو هيلاماريام الذى اطاح بالامبراطور هيلاسلاسى في 1974 منحنى جديدا, وامتدت اخطاره الى جنوب السوداني مع العقيد المنشق جون قرنق بهدف فصل الجنوب السودان الذى يشكل حوض بحر الجبل, وبذلك تكتمل حلقة المؤامرة بسيطرة اثيوبيا على الشريان الرئيسى وهو النيل الأزرق, وسيطرة جون قرنق على الشريان الآخر وهو بحر الجبل, ورغم نفى الاسرائيليين قيامهم بهذه الحرب المائية ضد مصر والسودان وهى حرب غير علنية فإن ما كشفت عنه شركة (تادال) الاسرائيلية يقيم الدليل الواضح على اطماع اسرائيل في مياه النيل وتهديد الأمن القطرى لمصر.. فقد أعلنت هذه الشركة المائية الاسرائيلية منذ سنوات انها ستقوم بمشروعات وأعمال رى في اثيوبيا لحساب البنك الدولى, بالاضافة الى أعمال انشائية في الأوجادين وهى أرض صومالية متنازع عليها مع اثيوبيا, ويهدف التعاون الاثيوبى مع هذه الشركة الصهيونية الى تنفيذ المشروعات المائية التى سبق أن أعلنت اثيوبيا عن عزمها على اقامتها, والتى يصل عددها إلى أربعين مشروعا على النيل الأزرق, وتشمل اقامة ستة وثلاثين سدا, وأهمها اقامة سد تخزينى على نهر (فينشا) أحد أهم روافد النيل الأزرق, ويقتطع 25 مليار م3 من المياه.. كذلك جرى بالفعل تنفيذ مشروع رى مساحة خمسة آلاف هكتار واستصلاح 400 ألف هكتار بمحازاة الحدود السودانية, فضلا عن توسع اثيوبيا في مشروع (فينشا) باقامة خزانين آخرين على النهر بمساعدة اسرائيلية مباشرة. وقد حاولت اسرائيل التدخل لدى البنك الدولى لتمويل المشروع على أن يتولى الفنيون الاسرائيليون وضع الدراسات الفنية (20 دراسة) والاشراف على التنفيذ.. لكن بسبب ارتفاع تكلفة المشروع قياسا الى الامكانيات الاقتصادية الاثيوبية رفض البنك الدولي اتمام الصفقة فتحولت اثيوبيا الى البنك الافريقي للتنمية وقد وافق هذا الأخير شريطة أن توافق حكومتا مصر والسودان على التنفيذ.. و يرى بعض المحللين ان هذا التطور في العلاقات الاثيوبية الاسرائيلية في عهد منجستو كان يهدف من جانب اسرائيل الى استخدام اثيوبيا كورقة ضغط مائية على مصر في أى وقت تريده أو تراه مناسبا.. فضلا عن أطماعها في مياه النيل المصرية. وينهض المنطق الاسرائيلي في الحصول على مياه النيل على فكرة أن ماتريد الحصول عليه هو 5.0% من حجم الاستهلاك المصري, بحجة أن هذه الكمية لا تشكل قيمة مهمة في الميزان المائي المصرى, خصوصا أن هذه الكمية وأكثر منها غير مستهلكة الآن فهناك فوائض للرى في مصر تقدر بنحو 10 مليار م3 في العام.. ويضيف المنطق الاسرائيلي انه لما كانت مصر تخطط لنقل المياه الى سيناء فإن المشروع الاسرائيلي الذي طرح في غضون مباحثات كامب ديفيد ويسمى (ترعة السلام) لن يستلزم سوى مجرد توسيع المشروع المصرى وتمديده, ومن المعروف أن تزويد النقب بمياه النيل أقل تكلفة لاسرائيل من البديل الآخر وهو بحيرة طبرية حيث يحتاج الأول إلى واحد كيلووات ساعة من الطاقة, لكل متر مكعب, في حين يحتاج المتر المكعب في الثانى الى حوالى 2 كيلو وات ساعة). ولا يمكن أن نفهم محاولات اثيوبيا أو سعيها للاتفاق مع بعض الدول على الغاء اتفاقية تقسيم المياه التى عقدت عام ,1995 والتى تتمسك بها مصر ومطالبتها بأن تشترى منها مصر المياه, وكذلك اعتراضها على توصيل المياه الى مشروع توشكى لا يمكن أن يفهم بمعزل عن هذا السياق الذى تتعاون فيه أثيوبيا مع اسرائيل.. كما أن اثيوبيا لم تكن هى المدخل الوحيد للممارسات الاسرائيلية في منابع النيل والتى تهدف الى تهديد الأمن القومى المصرى والضغط السياسى على مصر, فهناك علاقات وخيوط اسرائيلية أخرى تتشابك في علاقتها مع أغلب دول البحيرات العظمى للتحكم في منابع النيل ومنها (كينيا, أوغندا, تنزانيا, زائير, رواندا, وبروندي). واريتريا ايضا لم تكن إسرائيل تعتمد على اثيوبيا فقط في ضمان مصالحها ضد العرب, فقد سارعت فور استقلال اريتريا الى تقديم الدعم والمساعدة الى الجناح الذى تزعمه اسياسى افورقى ضد التنظيمات الاريترية الاخرى التى كانت على علاقة جيدة مع بعض الدول العربية وخاصة اليمن, ذلك ان اسرائيل استهدفت من خلال تعاونها مع اريتريا مواجهة التواجد العربى في منطقة البحر الأحمر, وانطلاقا من هذا الهدف اقامت اسرائيل عددا من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية مع اريتريا.. وتوجد شركة أسكود الاسرائيلية على الحدود مع السودان, حيث تقوم باستغلال الثروة الحيوانية في اريتريا ومنطقة كسلا السودانية, كما قامت اسرائيل ببناء محطة عملاقة لتوليد الكهرباء في اريتريا لتوصيل التيار الكهربائى الى ستة اقاليم باريتريا في ,1991 كما قامت في نفس العام بتجهيز وصيانة عدد من الأرصفة الجديدة في ميناء مصوع, وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 1994 على سبيل المثال حوالي عشرة بلايين دولار .. ولا يمكن فصل جهود اسرائيل في التعاون مع حركة التمرد في جنوب السودان عن جهود اريتريا في هذا الشأن, فقد تعاون افورقي مع جون قرنق بهدف اكمال المثلث الاستراتيجي الذي يطوق العرب ويسمح بالتحكم في مياه النيل وباب المندب هذا المثلث الذي يتكون من اثيوبيا واريتريا وجنوب السودان. وفى اطار سعيها لتطويق منابع النيل والسيطرة على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر استغلت اسرائيل ايضا حالة الفوضى السياسية في الصومال لاجراء اتصالات سرية مع عدد من الأطراف المتصارعة هناك بهدف ايجاد تفاهم مشترك معها عارضة خلال ذلك خدماتها للمساعدة.. وهى تستهدف من وراء ذلك تزييف الهوية الصومالية العربية, وتخريب المجتمع باستخدام أساليب الغزو الثقافي والفكري. القاهرة ـ أحمد مراد