من العوارض السياسية التي تثير الجدال في المنطقة وفي خارجها ما اصطلح عليه (الدبلوماسية القطرية), التي اخذت نهجا مستقلا وخاصا منذ تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم في الدوحة. وجاءت هذه الدبلوماسية النشطة والمتحركة من عزم امير قطر بان يكون لدولة قطر مساهمات في قضايا اقليمية وعربية, وان يرتكز هذا التحرك على مفاهيم قطرية يمكن تحديدها كما يلي: 1ـ الالتزام بحقوق السيادة والدولة. 2ـ عدم التدخل في الشئون الداخلية. 3ـ عدم التورط في خناقات ومحاور عربية او اقليمية. 4ـ الانسجام مع التزامات الشرعية الدولية. 5ـ مواكبة المستجدات والتطورات العالمية او التكيف معها. 6ـ الاسهام في ازالة الخلافات الاقليمية والعربية عبر التحرك وبذل المساعي الحميدة للتعامل مع بؤر التوتر, وتبني فلسفة الدبلوماسية الوقائية. 7ـ تقبل تبعات الاسهام في تحقيق السلام عبر المفاوضات. 8ـ الاعتراض على الاحتكام الى القوة في فض المنازعات. 9ـ الانفتاح على المفاهيم السياسية والدبلوماسية والاعلامية. 10ـ الالتزام بمواثيق المنظمات التي تنتمي اليها, مثل مجلس التعاون, الجامعة العربية, ومنظمة المؤتمر الاسلامي, الامم المتحدة. 11ـ تحقيق الاجماع الوطني حول دور الترتيبات الامنية الدفاعية. 12ـ قبول استحقاقات الشراكة مع الحلفاء والاقتناع بتقنين هذه الاستحقاقات. هذه الشبكة من المفاهيم تشكل الارضية التي تتحرك عليها الدبلوماسية القطرية في السنوات الاخيرة التي تميزت الدوحة خلالها بعدم التردد في اخذ مبادرات على الصعيد المحلي والعربي غير مسبوقة وغير مألوفة في الفصول السابقة من حياة قطر السياسية. ومن الطبيعي ان يؤدي انشغال الادارة القطرية في معالجة القضايا الخارجية التي تهم امن قطر وسلامتها الى القبول المبرر لهذا التحرك المنسجم مع الحرص على أمن الدولة واستقرارها. لكن الدوحة تشابكت مع قضايا وهموم الآخرين والتي لا تمس قواعد الاستقرار في دولة قطر ولا تسبب لها الاضرار, مثل الحالة الموجودة في الاسبوع الماضي في التوسط بين الدكتور حسن الترابي, وخصومه من المجموعة الاسلامية الممثلة في الفريق البشير واعوانه, ومثل الدفع نحو تحقيق مصالحة بين زعيم حزب الامة الصادق المهدي وحسن الترابي, وهي خلافات حصيلة افرازات الوضع السوداني الداخلي وصراع الزعامات التقليدية على السلطة. وقد حملت الدبلوماسية القطرية هموم اريتريا والحبشة, وشطري اليمن, وتصدعات حماس مع الحكومة الاردنية, وحولت مدينة الدوحة الى مزار سياسي يلتقي فيه المتخاصمون والمتحاربون والمنفيون والمحرومون في جو قطري رسمي وشعبي متفهم لاعباء الوساطات والضيافات. ولا اعترض على هذا النهج, الذي لا شك بانه يسهم في زيادة فعالية الدبلوماسية القطرية نفسها بالسمعة والمكانة والاعتراف بالنهج المحايد الذي لا يبحث عن مكافأة على عطائه وتحركه, وانما يقوم بالدور بقناعات تجلب الارتياح لمساعدة الاشقاء والاصدقاء ومساعدتهم في ردم الخلافات بينهم. ويذكرني الدور الحالي لدولة قطر بالسنوات التي تميزت بها الدبلوماسية الكويتية بالتحرك نحو الوساطات واظهار حسن النوايا خلال الفترة التي اعقبت استقلال الكويت في اوائل الستينيات وخلال عقد السبعينيات حتى مدخل الثمانينيات ولكن قطر استفادت من تجارب الكويت, التي حصرت نفسها في المحيط العربي وبمعزل عن الاحداث الدولية وترابطها مع القضايا الاقليمية. وترتكز الدبلوماسية الكويتية ـ في ذلك الوقت ـ على تحقيق الوفاق العربي بدل التناطح والخصومات, خاصة الحادة بينها مثل الخلاف المصري ـ السعودي حول اليمن, وخلاف منظمة التحرير مع لبنان, وخلاف المغرب مع موريتانيا .. الى آخر القائمة. كانت الكويت بلا غطاء امني عالمي, وتبحث عن امنها في عروق ما يسمى بالنظام العربي الامني الجماعي, وعملت بجهد لترسيخ المفاهيم العربية المسالمة والمسامحة في الدبلوماسية العربية, لكن ذلك امر مستحيل كما اكتشفنا فيما بعد. كانت للاحزاب وللقوى التقدمية العربية, كما يسمونها في ذلك الوقت, لغة وحسابات ومصطلحات لم نكن نعرفها ولا نفهمها في الكويت, ولذلك لقد كنا نذهب بالنوايا الحسنة وكنا نصطدم بمفاهيم اخرى لها حسابات الزعامة والتفوق, والمكاسب الحزبية وعمليات الخلايا والتسلل. قطر في عهدها الحديث, ليست مدعومة الى فهم الالغاز الحزبية وليست محتاجة الى التراضي العربي ولا تسعى للحصول على المباركة وشهادة حسن السير والسلوك من احد, لانها وفرت لنفسها آليات الأمن الواقعية, وعززت ترابطها مع الولايات المتحدة, بصورة تخدمها وتخدم دول مجلس التعاون ومنها دولة الكويت اكثر المحتاجين للسند الامريكي قريب الموقع, وخلقت لنفسها رادعا مشتركا يؤمن حريتها وسيادتها. نحن في الكويت لم يكن ذلك الرادع متوفرا لنا, واستبدلناه بالعمل الحيوي للتصالح العربي. في الاسبوع الماضي, اجتمع امير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني, مع باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي, خلال اجتماعات القمة الالفية, في مدينة نيويورك, واثار هذا الاجتماع احتجاجات من الذين يفاوضون باراك يوميا, ومن الذين وقعوا الصلح معه, ومن الذين يلتقون به سريا, ومن الذين يهاجمونه علنا ويضحكون معه في الخفاء. من المؤكد ان امير دولة قطر اثار العقبات التي تعترض مسيرة السلام واثار اهمية الالتزام بمرجعية المفاوضات وهي قرارات الشرعية الدولية, وشرح اهمية القدس للمسلمين والمسيحيين, وللعرب وغيرهم, وابرز تمسك دولة بعيدة مثل قطر بالسيادة الاسلامية والفلسطينية على المسجد الاقصى, وعلى الاماكن الاسلامية والمسيحية المقدسة, ولم يذهب الى باراك للاستماع الى وجهة نظر واحدة. ذهب حاملا معه هموم المسئول الخليجي ـ العربي المسلم, يوضح العقبات ويدعو الى تطبيق القرارات. ولا ننسى ان امير دولة قطر قابل رئيس الوزراء الاسرائيلي على خلفية الخيار الاستراتيجي الفلسطيني بانهاء النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني بالمفاوضات, وذهب الامير مدافعا عن هذا الخيار وفي اطار شروطه التي تدعو الى التفاوض على اساس مؤتمر مدريد وقرارات مجلس الامن. وعلينا ان نعترف بان التمسك بخيار السلام عبر التفاوض يعني الاتصال والتحاور والدفع بالاقناع والاقتناع وتعريف الخصم بوجهات النظر, واعطاءه القراءة الصحيحة للموقف لكي يبني حساباته على حقائق. لم يدع امير قطر الى التطبيع ولم يدع الى التوقيع دون الالتزام بالقرارات وانما ذهب مدافعا عن الموقف العربي والفلسطيني وليشرح ابعاد الموقف كما تراها دولة خليجية في شأن القدس والقضايا المعلقة الاخرى. لقاء مثل لقاء نيويورك اكثر تأثيرا الف مرة من مؤتمر واجتماع عربي يخرج بالديباجة المعروفة, وتكرار المواقف دون فعالية ودون ان يحقق الجانب الفلسطيني عائدا حقيقيا يساعده في مسيرة المفاوضات. في الوضع الحالي للمشكلة الفلسطينية لا يوجد بديل عن الحوار والتفاوض وشرح المواقف باصرار واتقان. وقبل ذلك بأيام قدم وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم مذكرة الى دول مجلس التعاون المجتمعة في جدة في اوائل الشهر الجاري تتضمن افكارا تسهم في تخفيف المعاناة عن الشعب العراقي الشقيق, وهو موضوع سبق ان طرح ايام الندوة التي نظمها مجلس الامة حول العلاقات الكويتية ـ العراقية. واستمع الشيخ حمد بن جاسم خلال تلك الندوة الى تعليقات اكثرها سلبية واشدها تلك التي جاءت من المعارضة العراقية الرافضة للمبادرة القطرية. لكن الشيخ حمد لم يجزع ولم يحزن وانما استمع الى مداخلات كثيرة, ثمنت الحرص على شعب العراق ... لكنها لم تلتق مع المسئول القطري في وسائل العلاج. ومع الاصرار, وصلت الافكار القطرية الى مجلس التعاون في جدة لدراستها والتعليق عليها. والمعروف ان العراق رفض الافكار القطرية لانها تستند على قرارات الشرعية الدولية. في منتصف شهر نوفمبر المقبل, تستضيف الدوحة قمة المؤتمر الاسلامي في اكبر تجمع يضم حوالي ستين دولة في اطار سياسي ـ اسلامي جامع, تحت رئاسة قطر التي ستواصل الاسهام القوي في وسائل التعامل بين الدول الاسلامية وتعزيز التواصل بينها. منذ سنوات استضافت الدوحة مؤتمر الشرق الاوسط للتعاون الاقتصادي, الذي كان يهدف الى تسخين بيئة التفاهم بين دول المنطقة, وعقد المؤتمر علامة بارزة في رغبة قطر في الاسهام في دفع عملية السلام, وفي نفس الوقت تقديرا منها لحساسية المسيرة وضرورة تنشيطها. وقد لعبت قطر في مجال المفاوضات دورا معروفا وثابرت في بذل الجهد لانجاح المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة, وهي الدولة التي ترابطت معها الدوحة في عقودها الامنية. ربما الارادة القطرية اكبر من انجازاتها, وربما قناعاتها الراسخة بدورها اقوى من اصوات الاحتجاج .. لكن, مهما كانت الاحوال, تظل الحيوية والمثابرة في تفعيل الدبلوماسية القطرية امر يحسب لقيادتها ويثمن لها. بقلم: عبد الله بشارة