بين إسرائيل وبين قلبي مسافات شاسعة وشائكة من الرفض والكراهية ,فقد نشأت في منزلنا البسيط على أن عشق كل الأرض العربية , وعلى أن العدو الذي يسعي لتخريب هذه الأرض ويتربص بأهلها هو العدو الصهيوني. ولم تكن كراهيتي لإسرائيل , كما تعلمون جميعا , من فراغ فالتاريخ خير شاهد على ممارستها الوحشية وطغيانها الشديد على الشعب العربي . والشيء الإيجابي أنني بسبب نشأتي هذه كنت حريصا على القراءة والمتابعة والتوغل داخل التاريخ حتى أتعرف أكثر على حقوقي المنهوبة كمواطن عربي. صحيح أنني لجأت للتمثيل وتحديدا المساحة الكوميدية لكن هذا ليس معناه أنني نسيت !! سبق واتهم جيلنا بأننا سطحيون ومحدودو الثقافة دون دليل , والحقيقة أنا لا أعرف ماذا أفعل لأثبت أنني مثقف .. هل أتوقف عن التمثيل وأدخل في مناظرات مع المثقفين .. ؟! أنا فنان والفن موهبة قبل كل شئ والفن بالنسبة لي كالماء والهواء .. شيء ضروري في الحياة لايمكن الاستغناء عنه , ولذا تحملت في سبيله كل شيء .. وكل الآلام والتعب والمعاناة, لقد ذقت الويل في بداية مشواري الفني, فكنت كلما حصلت على دور صغير في أحد الأعمال أتعذب لإستخراج تصريح من نقابة المهن التمثيلية لأني كنت وقتها غير مسجل, إضافة إلى الكارثة الكبرى بفشلي في دخول المعهد العالي للفنون المسرحية أربع مرات , وكلما كان يراني أحد من المنتجين يسخر مني ومن شكلي وجسمي السمين. ظللت هكذا طويلا أجني الشوك وأحصد ثمارا قليلة لنجاحي حتى جاء محمد هنيدي وفتح الطريق أمامنا, فعندما نجح في فيلم (إسماعيلية رايح جاي ), وبعد فيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية ) أكد هذا النجاح فالضجة التي أحدثها الفيلم جعلت الجميع يعترف بأن عصرنا قادم لا محالة, فقد فتح (هنيدي) الطريق أمام الأجيال الموهوبة الأخرى لتحصل على فرصتها, المنتجون شعروا بأن هذا الزمن هو زمن الكوميديا وطالما هنيدي نجح فمن المؤكد أن الأخرين سينجحون أيضا وأعطونا ثقة في أنفسنا, وأنا لم أنس أبدا كلمات سيدة كبيرة فاضلة قالت لي : نفسي أراك يا علاء في فيلم من بطولتك وحدك ودعت لي .. وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة .. وكان فيلم (عبود على الحدود). كنت مرعوبا, بداخلي مشاعر غربية .. خوف على قلق توتر على فرح على ثقة في أن ربنا لن يضيع تعبي .. مشاعر لا توصف ولا تحكى وانفعالات داخلية لم أكن أعرفها .. ظللت عاما ونصف العام لا أعمال غير ( عبود على الحدود) .. سنة ونصف متفرغ للتحضير والتصوير, ورفضت خلالها تسعة أفلام وخمسة مسلسلات كان من الممكن أن أكسب منها أموالا كثيرة .. كانت أصعب لحظات في حياتي, الهم والقلق والخوف كانوا رفاقي خاصة وأن هناك ناسا حاولوا إحباطي فقالوا لي : هل ستستطيع أن تفعلها .. هل ستقدم جديدا .. هل يمكن أن (تشيل) فيلم وحدك .. ؟! .. هذه الأسئلة كانت محبطة ولكنها حمستني للعمل في هذا الفيلم .. وحماسي لم يكن لهذا السبب فقط أو لأنني كنت أحاول اللحاق بقطار النجومية أو أن أصعد إلى القمة بسرعة الصاروخ, ولكن سببا أهم بصراحة جعلني مندفعا تجاه الفيلم وهو أنه كان يتحدث عنا نحن .. عن جيلنا ومشاكله وأحلامه وطموحاته .. فيلم يتحدث عن إسرائيل ومحاولاتها الوقحة والفجة التي لا تنتهي لتشويه أحوالنا ومجتمعنا والنيل من شبابه الذين يشكلون زهور ونجوم مستقبله من خلال المخدرات والأمراض وغيرها. منذ وعيت على الدنيا وأنا أعرف أن إسرائيل هي عدونا اللدود الذي تم زرعة في المنطقة العربية ولذا فهذا الفيلم كان متنفسي للتعبير عن ذلك حتى ولو بشكل كوميدي, فهذا أفضل الأساليب للوصول إلى الناس, صحيح أن هناك من حاول أن ينال من الفيلم ويتهمه بأنه يعتمد على الكوميديا اللفظية, لكن في واقع الأمر كوميديا اللفظ ليست عيبا, وهي موجودة منذ أيام نجيب الريحاني, ورغم ذلك فالفيلم لا يعتمد عليها وإنما على كوميديا الموقف, وهناك مشاهد كثيرة لا تعتمد على ذلك, والفيلم ليس مجرد فيلم للإضحاك وإنما هناك كلمة يقدمها الفيلم, فهو أولا يحذر من العدو المتربص بنا والذي يحاول تدميرنا بالمخدرات مرة وبالإيدز مرة أخرى, وثانيا فإن الفيلم يطرح قضية في منتهى الخطورة وهي أن الشباب لا يعرف وجهته إلى أين أو ما هو هدفه بالضبط, وهذا كان واضحا في مشهد الأحلام بالفيلم حينما سألوني عن أحلامي فقلت : فاضل لي حلم واحد بس مش عارف إيه هو !! وبالطبع هذا لم يحدث صدفة وإنما وفق نسق واضح رسمه ببراعة المخرج شريف عرفة, وهو مخرج متميز ومثقف وواعٍ بقضايا الوطن وهموم المجتمع. وربما هذا النسق الذي راعيناه ونحن نضع فيلمنا الثاني ( الناظر), و فكرته في الأصل لشريف عرفه الذي فاجأني ذات يوم بعد أن إنتهينا من (عبود على الحدود) بقوله أنت ناظر مدرسة وساقط ثانوية عامة !فضحكت طويلا ولكن أدركت بعدها عمق الفكرة, ثم بدأنا جلسات عمل طويلة بنظام الورشة أنا وشريف عرفه والمؤلف أحمد عبد الله وكان في ذهننا منذ البداية تقديم عمل اجتماعي هادف في إطار كوميدي وهو ما نجحنا فيه والحمد لله . فكرة الفيلم كانت رائعة تعرضت لأشياء كثيرة تحدث في مجتمعنا.. ربما كانت في أغلبها أشياء سلبية ولكننا كنا نكشفها للقضاء عليها والوصول إلى الأفضل إضافة إلى أننا حاولنا أن نمس الكثير من الجوانب التاريخية باسلوب مثير, أظن أننا حققنا فيه كثيرا من النجاح وأنه نال إعجابا لا بأس به على المستوى النقدي والجماهيري ورغم هذا النجاح فمازلت خائفا لكنه خوف من القادم الذي أود أن يكون أفضل من السابق في كل شيء وأن يتضمن دائما الجديد والاحسن, فكما فوجئ الناس بي في (الناظر) لابد أن يندهشوا أكثر في فيلمي القادم, فالكوميديان بالذات لو لم يقدم جديدا فلن ينجح ولن يستمر, ولذا فأنا أشعر بالخوف والمسئولية, وأدعو أن يساعدنى الله دائما على اختيار الأجود. يرويها: علاء ولي الدين