من غرائب التناقضات الملازمة للمجتمع الامريكي, ان الناس هناك مبالغون في المحافظة والستر, وفي التجاوز معا, والويل لك كل الويل اذا ابديت اشمئزازا, او تأففا من تهتك الآخرين, فتلك هي خصوصياتهم التي لايجوز لك ان تتدخل فيها, او تعلق عليها او حتى ان تنظر اليها بطرف خفي والا كنت متطفلا تضايق الناس في خصوصياتهم, وتتعدى نطاق المسموح به في سلوك المجتمع الفردي الليبرالي. لقد قام المجتمع الامريكي على مبدأ (المنفعة) وتعريف المنفعة كما اورده الفيلسوف (بنتام) هو تجنب كل ما يسبب الضرر او الالم, واستحصاد ونيل كل ما يدعو الى اللذة او السعادة. ويمكن ان يتم ذلك بعيدا عن اي مؤشرات دينية اخروية, او اعتبارات اجتماعية تقليدية دنيوية. سرت تلك الفلسفة سريانا عميقا في الروح الامريكية, وبقيت توجه سائر الناس اتوماتيكيا لانهم تربوا, وشبوا وشابوا عليها ولذلك تسمع المراهقين كلما لامهم لائم على جنوحهم الذي فات الحد يرددون تلك المقولة السقيمة الدارجة: (انني لا اؤذي احدا بسلوكي هذا فلماذا يتدخل الآخرون لنقدي او تقويمي؟!) والكلمتان المفتاحيتان هنا الايذاء والتدخل مستنبطتان من فلسفة اللذة والالم لبنتام, وجون ستيورات ميل, وذلك مع ان هؤلاء الفتيان والفتيات لم يقرأ احد منهم تلك الفلسفة وربما لم يسمعوا بأسماء مبدعيها وملفقيها على الاطلاق. وحدثني وافد قدم الى هنا حديثا فقال انه استاء يوما من سلوك بعض الفتيان والفتيات, وابدى تذمره واحتجاجه, فما كان من جاره الا ان لامه على عدم تهذيبه هو, لا على عدم تهذيب اولئك الفتيات والفتيان بتدخله في شئونهم الخاصة ولما سمع تحاورهما جار لهما عجوز قال: وما الذي يغضب من سلوك اولئك الفتيان.. كم اودلو ان ارد بضعة عقود في العمر لافعل ما يفعلون الآن! هكذا تتقرر القاعدة الاولى القائلة بان كل انسان حر في فعل ما يريد, كما تتقرر القاعدة الثانية وهي الاهم في هذا السياق, وهي قاعدة الخصوصية التي تحمى الجميع, وتجعل من يجتاحها ويحشر انفه في شئون الآخرين, مستحقرا منبوذا من قبل الجميع, وهذه القاعدة الثانية بالذات مرعية من الامريكيين بشكل صارم, ولكن مع استثناء بارز, يبدو في صحف التابلويد, واعمدة وصفحات بعض الصحف الرصينة, كواشنطن بوست, فهذه الصحف يكفل لها حق النبش في خصوصيات الناس, واتحاف الفضوليين بها, ليتسلوا بها في اوقات الفراغ. خصوصية ودوارد من هؤلاء الصحفيين المحبوبين من قبل الفضوليين, يأتي نائب مدير تحرير (واشنطن بوست) وكبير المحققين بها (بوب ودوارد) , وهو نفسه فضولي كبير من الدرجة الاولى وقد دخل ودوارد سجلات التاريخ منذ مطلع شبابه, اذ ادى اكتشافه لخطيئة ووترجيت في 1972 الى اجبار اول رئيس امريكي على تقديم استقالته الى الامة, وهو رتشارد نكسون.. وفي الواقع فقد كان ودوارد يود ان لو تفسح له سجلات التاريخ قبل ذلك, ليحتل فيها ذلك المكان الاشهر: كان ودوارد يجهد نفسه في ملاحقة فضائح (جون كينيدي) , وعلى عكس ما يتوقع المرء بأن ودوارد كان يرمي الى فضح علاقات كينيدي النسائية الكثيرة, فان نظرية ودوارد في كينيدي كانت تستهدف رجولة كينيدي في الاساس وتقول بأنه من اصحاب الشذوذ, وقد كانت تلك تهمة مستقبحة ومستهجنة بشدة في امريكا الستينيات. نشأ ودوارد في محيط مترع بالفضائح فقد كان ابوه وامه يتعاركان ليل نهار, وعندما انفصلا, كان هو في الثانية عشرة من عمره, واختار ان يعيش مع ابيه المحامي وهناك تفتح في عالم القراءة بالاطلاع على ملفات القضايا الحساسة التي يتركها ابوه على المنضدة في البيت, فأخذ يلم بتفاصيل المشاكل الاجتماعية والمالية, وجذورها وابعادها المختلفة, واصبحت تلك هي هوايته المفضلة, التي لايستمتع بهواية اخرى قدر الاستمتاع بها, وعندما كلفه ابوه بان يعمل فراشا بمكتبه مقابل احد عشر دولارا في الاسبوع اكتملت متعته تماما اذ اتيح له ان يطلع على بقية الملفات وان يلم بمجمل اسرار المجتمع, واصبح كلما رأى الناس على الطرقات يسترجع في خاطره اشرطة حياتهم السرية, فهو يكاد يحمل شريطا سريا لكل فرد من افراد المجتمع من حوله. ولكيما يستطيع ودوارد ان يصوغ تلك الملفات الفضائحية في لغة تشوق, فقد قام بدراسة فن الرواية والقصة بالجامعة, وتدرب على يد احد الاساتذة على كتابة السير, ونضج استعداده النفسي والفني بالانهيارات التي كانت تحدث في حياته الخاصة, اذ طلق زوجتيه, الاولى والثانية, لاسباب غير مفهومة, فاندفع نهما شرسا لالتهام حياة الناس, وتسويد الورق بفضائحهم وعندما تقدم للعمل بواشنطن بوست, اعطي مهلة ثلاثة اسابيع لاثبات جدارته, فكتب خمسة عشر مقالا, رفضت كلها, وطرد على اثر ذلك من الصحيفة, فكانت لطمة وفضيحة, عمل على تجاوزها بالعمل الشاق في تتبع فضائح الآخرين ورصدها وتصويرها باسلوب ادبي جذاب! وبعد عمل دائب في تعقب تجار المخدرات ومبددى المال العام قبلت به (واشنطن بوست) مخبرا صغيرا, لكن هذا المخبر الصغير سرعان ما اتى من مصادره الكبيرة بأعتى خبطة صحفية هي خبطة ووترجيت, وبطفرة واحدة تمت تسميته رئيسا لقسم التحقيقات وترقيته الى اسطورة فزاعة ترعب كل المسئولين الامريكيين. تسويق الأسرار اصبح ودوارد اكبر من مجرد صحفي بواشنطن بوست, فقد سوق نفسه كثيرا, بنشره لكتابين عن ووترجيت, وكتابا آخر عن ادمان نجوم البرامج التلفزيونية للكوكايين, وقد كان ودوارد نفسه ـ باعترافه ـ ممن يتعاطون الكوكايين قبل ان يشتهر, ولعل ذلك هو ما شجع او ورط اولئك النجوم ليتعاطونها امام ناظريه, ومن مبيعات ثلاثة كتب فقط, اصبح ودوارد مليونيرا, ولكنه لم يكتف لا من المال, ولا من نهش لحوم الناس! انتقل ودوارد الى مستوى آخر لينقب في اسرار المؤسسات, ولم يختر هدفا لتنقيباته الا مؤسسات تنقيب الاسرار فابتدأ بوكالة المخابرات الامريكية ءة ليكتب عنها كتاب (الحجاب) الذي اورد فيه فصولا كثيرة عن عمليات تلك الوكالة وتجاوزاتها للقانون العام وقانونها الخاص الذي يحكم عملها, ويعجب المرء لكثرة الوثائق التي استشهد بها ودوارد في كتابه ذاك واكثرها من الوثائق بالغة السرية, من النوع الذي لايتداول الا بين كبار مديري اقسام ءة, كما يعجب المرء من قدرة الرجل على استجواب العشرات, ان لم يكن المئات من عملاء ءة السابقين الذين تركوا بدورهم في جعبته اغزر واعجب المعلومات. اشبع ودوارد فضول السياسيين كثيرا بذلك الكتاب الذي اقحمهم به في دهاليز ءة ثم يرجع بهم وبالعامة مرة اخرى الى البيت الابيض حيث كتب لهم كتابا مذهلا عن (رجال الرؤساء) اي مساعديهم, فكأنما لم يكتف ودوارد بملاحقته لسبعة رؤساء امريكيين عاصرهم, حتى عاد يلاحق مساعديهم ومرة اخرى تتبدى خصوصية ودوارد واستثنائيته العجيبة بقدرته على استنطاق اولئك الرجال, الذين انسحب معظمهم الى الظل, واصبحوا خصوما وشهداء على من كانوا يخدمونهم من الزعماء ومع ان كلينتون لايزال في السلطة وهو خصم لدود لودوارد الا ان هذا الاخير استطاع ان يستنطق رجاله ضده فاعترفوا له بان صورة العمل في داخل البيت الابيض هي صورة الفوضى الشنيعة فلا احد من مساعدي الرئيس يعرف مدى سلطته وصلاحياته لذا يتردد الكل في اتخاذ القرارات فالرئيس لا يفوض سلطة لاي من هؤلاء ليتخذوا القرارات بالنيابة عنه, ولا هو يتخذ القرارات بالنيابة عنهم! وفي تنقيبة عن دور هيلاري كلينتون في البيت الابيض توصل ودوارد الى ان لها دورا قويا, شبيها بدور زوجته الحالية في ادارة بيته هو, وقال انه دور لايتعدى حدود التنظيف, والتغطية على اخطاء الزوج, وتهدئة اعصابه والتسرية عنه عندما يضطرب ويثور, ويسب مساعديه بالالفاظ الغلاظ, التي يتسامى عن اطلاقها على العامة, دعك من الزعماء ومع ان ودوارد يرفع نفسه فوق مستوى العامة والدهماء فانه لايستحي من ان يذكر بالاسم عبارات الفحش التي يسب بها كلينتون مساعديه ومستشاريه, وهو الامر الذي ادى بكثيرين منهم الى الشهادة ضده لدى ودوارد. نهاية ودوارد الدور الذي يؤديه ودوارد كما يتضح من اعماله الاخيرة, هو في تقلص وانكماش, فقد قال كل ما عنده, وغدا يكرر معلوماته السابقة, ويعيد اخراجها في ثوب روائي جديد وقد بذلت جهدا كبيرا لاكمل كتابه الاخير, عن فضائح خمسة رؤساء امريكيين, ولم يكن به اي جديد يذكر, الآن يبدو مملا جدا فهو بالاساس كاتب غير جيد, لانه يعتمد اسلوب الرواية لا التحليل, ومن يعتمد على الرواية تنفد معلوماته, مالم يعتمد على الخيال وقد وقع ودوارد اخيرا في شر اعماله, عندما حاول ذلك عن طريق صحفية مساعدة له هي جانيت كوك, التي لفقت له من خيالها, قصة طفل عمره خمس سنوات مدمن على الكوكايين, وبعد نشر القصة, التي كانت مثار تعليقات الناس, عادت جانيت واعترفت طواعية بزيف القصة, فوقع ودوارد في اشد الحرج واعتزل الناس الى ان ساعده بعض زملائه في واشنطن بوست على تجاوز تلك المحنة. كان الامريكيون يستثنون ودوارد, من مراعاة اعرافهم في حفظ خصوصيات الناس, لانه يعفيهم من حرج الملاحقة ويأتيهم بالقصص الفضائحية جاهزة ولكنهم اكتشفوا اخيرا انه هو ايضا فضيحة تستحق ان تلاحق بواسطة صحفي اخر, ربما يعطونه ذلك الحق, ليتفرغوا للاستمتاع باخبار فضائح بوب ودوارد, لاسيما اذا فاز آل جور وليبرمان, حيث ستعفيهما الميديا الامريكية من الملاحقة الفضائحية التي لم توفر رئيسا ولا مسئولا كبيرا من قبل. د. محمد وقيع الله