قمة الألفية هي الحدث الأبرز الذي أراد من خلاله كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة أن يسجل اسمه في تاريخ المنظمة الدولية, في وقت تراجع فيه دورها ولم يعد في جعبتها ما يستحق التسجيل في دفاتر الشرف والفخار. وعلى الرغم من المظاهر الاحتفالية الصاخبة التي صاحبت افتتاح قمة السلام العالمي السابقة مباشرة لقمة الألفية, فان اختلاط الترانيم والأناشيد بكل اللهجات واللغات مع صوت الآذان, لم يكن ليحجب حقيقة المأزق الذي يشهده (حوار الحضارات) أحد أهم الملفات التي طرحت في القمة. والحقيقة أن الاهتمام الانساني بطبيعة العلاقة بين الحضارات المختلفة لم ينشأ عن سيل الكتابات التي تتحدث عن (صراع الحضارات) بقدر ما دفعت اليه حقيقة أن (العولمة) التي يروج لها تزحف بكل قوة لطمس الحضارات المختلفة وتنميطها وفقا لنمط الحضارة الغربية الأوروبية في طبيعتها الانجلوسكسونية. وقبل الخوض في تفاصيل الخلاف بين (واقع تجريف الحضارات) وأمنيات (حوار الحضارات) يحسن أن نشير الى أن الالتباس يبدو (واضحا), بقدر ما هو متعمد فيما يتصل بالمعنى الذي تشير اليه كلمة (الحضارة) في الكتابات المعنية بالأمر شرقا وغربا. وأول ما نلاحظه أن المنتصرين لتنميط الحضارة الانسانية وصبغها بصبغة موحدة يستخدمون هذا المصطلح للاشارة الى الثقافة بوصفها, (طريقة الحياة في مجتمع كما ورثها ذلك المجتمع وكما تعلمها وأضاف اليها), ومن ثم فإن التركيز يبدو منصبا على مناقشة القضايا المتصلة بالأسلوب العام لحياة المجتمعات بما في ذلك كل ما يرتبط من الحياة البشرية أو الاجتماعية أو الفردية بالبيئة الاجتماعية لا بالوراثة, كاللغة والعادات والمعتقدات والطقوس وآداب السلوك, فضلا عن التوسع في الحديث عن الوسائط الثقافية مثل شبكة المعلومات (الانترنت) ووسائل الاعلام المختلفة. وفي المقابل نجد أن المدافعين عن الخصوصيات الحضارية ينتقدون المنحى السابق لأنه يهمش القضايا الرئيسية التي يحتويها مفهوم الحضارة باعتبارها, (المظهر الثقافي المتقدم لدي شعب من الشعوب والذي تحدد درجة تقدمه وطبيعته ايضا مجموعة من الانجازات في مجالات الآداب والفنون والنظم السياسية والاجتماعية). إن هذا الخلاف المبدئي حول ما هو (حضاري) ويستحق أن يتعرض له النقاش في قضية حوار الحضارات يمثل أكبر العقبات في سبيل الوصول الى تصورات ناجعة بهذا الصدد في قمة الألفية. ونعود الى حقيقة الأوضاع القائمة في الصلات الحضارية, وتحليل هذه الأوضاع هو محل اتفاق تام بين دول العالم الثالث, وأيضا بين عدد من الدول المتقدمة التي تخشى من هيمنة الأنجلوسكسونية, وفي الطليعة, منها فرنسا وألمانيا واليابان. وطبقا لتلك التحليلات فإن ثقافات انسانية شتى مهددة بأن يبتلعها تنين التشابه الثقافي أو التماثل مع الحضارة الغربية والتي توظف كل طاقاتها التقنية لتسطيح هذه الثقافات وطمس معالمها المميزة لحساب الثقافة الغربية التي تزحف باتجاه واحد منه على العالم كله, فكل المتنورين في العالم يخشون غول التبعية لهذه الموجة العاتية التي تلبس خوذة الحضارة الغربية ودروع تكنولوجيتها وتنتعل وسائل الاتصال الجبارة راكضة حتى أعمق زوايا الدنيا, والجميع يشكو من هيمنة الثقافة الأمريكية ثقافة الكوكاكولا والهامبورجر والديسكو وميكي ماوس والرجل الحديدي وكوجاك ورامبو.. الخ.. وعند هذه القضايا (الثقافية) ستكون الاتفاقات كبيرة والمطالب متشابهة مثل احترام لغات الشعوب وضرورة استجابة وسائل الاعلام والوسائط الالكترونية المختلفة لهذا المطلب, ووقف الحملات الدعائية أو المشوهة للثقافات والمعتقدات والأديان. ولكن الخلافات ستزداد حدة وسخونة عند الاقتراب من المجالات الحضارية الرئيسية كالفنون والآداب.. وفي ذلك تكاد مواقف الدول الكبرى على تباينها أن تنطلق من فرضية وغاية رئيسية ألا وهي القضاء على (التفرد) الذي يميز اداء العديد من الدوائر الحضارية في هذين المجالين. والاقتراب بهذه الخصوصيات الى النمط الغربي السائد أو تبني هذا النمط بصورة كلية. واذا كانت الولايات المتحدة ترعى الخيار الأخير فإن فرنسا تتزعم المحاولات الرامية الى (تطعيم) الثقافات الأخرى ببعض من الملامح الأوروبية, سواء بجهود (فرانكوفونية) أو بدعاوى التقارب بين الثقافات, وعالمية الآداب والفنون. ومن المنتظر أن تتوقف أدوار العديد من دول أوروبا مثل فرنسا والمانيا, وبعض البلدان الأخرى (اليابان مثلا) عند حدود (الانتقاد) للدور الذي تلعبه السينما وآلة الاعلام الأمريكية الجبارة في العدوان على الخصوصيات الثقافية للشعوب, بينما تبقى دول العالم الثالث بأسرها وحيدة في ساحة الحوار بمواقفها الرامية الى توفير الفرص الملائمة أمام هذه الدول من أجل حماية (حضاراتها) من الغزو الثقافي وإلحاق هذه الحضارات بركب التطور العلمي والتقني الذي يعم أرجاء المعمورة. ان المسئولين عن قمة الألفية لم يعيروا التفاتا الى الأصوات التي تعالت منادية بادراج (النظم السياسية والاجتماعية) ضمن بنود حوار الحضارات, إذ رغم الاعتراف, علميا بأنها أهم الأركان في البناء الحضاري لأي شعب من الشعوب, وأظهر ما يميز بين حضارة وأخرى إلا أن الاقتراب منها يمس جوهر (المقدسات) التي يتبناها النظام العالمي الجديد بشعارها الثلاثي المزمن (التحرير الليبرالية الخصخصة). إن هذا الشعار الذي يحقق مقتضيات العولمة أو بالأحرى تنميط العالم وفق (النمط الغربي) يكاد يقتلع دولا بأكملها ويهدد بالزوال حضارات برمتها. فجميع دول العالم مطالبة بأن تتخلى عن نظمها السياسية وبناها التشريعية من أجل تحرير حركة رؤوس الأموال من كل قيد أو شرط كان يحكم في الماضي حركتها عبر الحدود, وعبر العالم كله تقريبا ثم تغيير التشريعات التي كانت تجرم الاتجار في العملات أو حملها عبر الحدود ومن ثم فقدت القوانين التي تقاوم محاولات المنظمات الاجرامية لغسيل أموالها المشبوهة كل فاعلية لها. وبالمثل أجبرت دول كثيرة على مغادرة مواريثها السياسية, وإعتنقت, ولو صوريا, مبادئ التعدد الحزبي والتمثيل النيابي بوصفها الخيار الأوحد والأبدي لممارسة الديمقراطية وراحت في ذات الوقت تدين وبأثر رجعي كل ممارسة تخالف النمط الجديد. وكما جرى في الدول الرأسمالية أخذت دول العالم تطبق برامج الصندوق والبنك الدوليين للتثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي مما أسفر عن إضعاف الدولة الوطنية وتخليها عن ممتلكاتها بموجب سياسات الخصخصة وعن القسط الأكبر من مواردها عبر ما تمنحه من تسهيلات واعفاءات ضريبية وجمركية على الأنشطة الخاصة. ودون تجاوز للحقائق القائمة يمكن القول بأن البنى الاجتماعية ومعدلات الحراك الاجتماعية وكذا درجات التفاوت الطبقي قد أصبحت متشابهة في أغلب دول العالم نتيجة للأخذ بمجمل هذه السياسات. إن هذا التشابه في (قاعدة الحضارة) لايمكن معه الحديث بصورة جدية عن (حوار للحضارات) إلا إذا كان المعني به حوار من طرف واحد (يملي) والأطراف الأخرى لا حول لها ولا قوة, أمام هذه الاملاءات الحضارية. و يزيد الطين بلة أن التشابه في البنى السياسية والاجتماعية للشعوب المختلفة أخذ يبث منظومة متكاملة من القيم الفردية السائدة في حضارات الغرب الأوروبي مما عرض جهاز القيم في أغلب حضارات العالم الثالث الى خطر الاندثار والتشوه, وبات المواطنون في مجتمعاتهم يتحسرون على قيم ولى زمانها وانقضى مثل (روح الجماعة) و(النجدة) و(التكافل الاجتماعي) و(المروءة) و(النزاهة).. الخ.. والخسائر الحضارية في هذا المضمار أكثر فداحة وأبعد أثرا من الخسائر المادية المباشرة الناجمة عن غزو الحضارة الغربية لحضارات الشعوب النامية مثل اندحار (الزي الوطني) أمام (الجينز) وتراجع الأطعمة والمشروبات الوطنية أمام البورجر والكولا أو حتى اندثار البناء المحلية أمام تكنولوجيا الأبراج الخرسانية ومكيفات الهواء. ومهما يكن من أمر فإن ثمة دوائر حضارية سيكون لها النصيب الأوفر من الجدل حول طبيعة حوار الحضارة نظرا لبعد الشقة بينها وبين الحضارة الغربية وفي الطليعة من هذه الدوائر دائرتان رئيسيتان وهما: دائرة الحضارات الشرق آسيوية وبخاصة في الصين واليابان وكوريا والى حد ما الهند. ودائرة الحضارة العربية الاسلامية التي تترامى شعوبها بين قارات العالم القديم الثلاث. ومن أسف أنه من قبيل المبالغة أن نتصور تأثيرا فعالا لهذين الطرفين في أعمال ملف حوار الحضارات ليس فقط لافتقادهما المواقف المنسقة ضد غريمهما الأكبر ولكن أيضا لغياب التفاعل الايجابي بين أطراف كل دائرة حضارية على حدة. لقد طرحت تصريحات حادة وأوصاف قاسية في مواجهة التجريف الحضاري الذي يمارسه الغرب الأنجلوسكسوني ضد الحضارات الانسانية, ولكن شيئا لم يتغير بعد انفضاض المؤتمرين وجرى تطويع التوصيات لصالح الرؤية (العولمية) ذلك إن لم يتم تجاهلها مطلقاً. ويبقى اختيار عنوان (حوار الحضارات) بحد ذاته دلالة على غياب هذا الحوار. بقلم: د. أحمد السيد محمد