صدر عن قمة الالفية التي احتضنتها الامم المتحدة خلال الفترة من 6 ـ 8 سبتمبر الجاري اعلان ختامي تضمن في ثناياه جملة من القضايا والموضوعات ابرزها تأكيد الدول على ايمانها وتمسكها بالمنظمة الدولية, وميثاقها وكذا الالتزام بالمسئولية الجماعية لدعم مبادىء الكرامة الانسانية والمساواة والعدل على المستوى العالمي, كما جدد رؤساء الدول والحكومات المشاركون في القمة تأكيدهم على اقامة سلام عادل ودائم في جميع انحاء العالم وفقا لأهداف وميثاق الامم المتحدة ومبادئها. والواقع ان قراءة متأنية للاعلان تكشف بجلاء مكانة الامم المتحدة على صعيد المعادلات والتوازنات الدولية في ظل النظام العالمي الجديد والوضع الذي آلت اليه, وتوضح في الوقت ذاته حجم القضايا الانسانية المطروحة اليوم والتي باتت تقرع الاجراس في اكثر من موقع بالعالم جراء الهوة الحاصلة بين دول الشمال والجنوب او الدول الغنية والفقيرة واتساع مساحة الفقر في العالم في ظل قوانين العولمة ومخرجاتها التي افضت الى ازدياد معدلات البطالة وحالات الفقر في العالم الثالث وساهمت في تدعيم المراكز المالية للشركات الكبرى المتعددة الجنسية او العابرة للقارات كما عززت العولمة التراكم الرأسمالي لدى الدول الصناعية الكبرى. لقد اشار الاعلان في بنوده الاولى الى المسئولية الجماعية في دعم مبادىء الكرامة الانسانية والمساواة والعدل على المستوى العالمي لا سيما تجاه اطفال العالم كونهم يمثلون المستقبل, بيد ان هذه الاشارات العابرة لم تتطرق الى اي تفاصيل او تتبنى قرارات ملزمة للدول الاعضاء وانما اكتفت بصياغات اتسمت بالعمومية علما ان حقوق الاطفال في بعض دول العالم الثالث منتهكة بشكل ملفت ناهيك عن حالة التجاوزات التي تجري في اكثر من موقع بالعالم. وفي اطار الحديث عن اقامة السلام العادل في جميع انحاء العالم لم يتم التطرق الى القضية الفلسطينية التي يمتد عمرها الى نصف قرن من الزمان وتعد من ابرز القضايا المثارة على المستوى الدولي في وقت اضحت فيه المنظمة الدولية مغيبة عن مباحثات السلام الجارية في الشرق الاوسط تحت الرعاية الامريكية لتتحول معها الامم المتحدة الى شاهد زور على هذا الصعيد. وفي معرض تناول الاعلان للعولمة وامنيات جعلها قوة ايجابية للعمل لصالح جميع شعوب العالم فإن ذلك بقي في مساحة المثاليات ولم يتم تحديد اطر واضحة وعملية لطبيعة العلاقة المفترض قيامها بين دول الشمال والجنوب بما من شأنه ان ينعكس ايجابا على اقتصاديات دول العالم الثالث التي تتعرض وما زالت لانهاك وتدمير بفعل فاعل. بل يمكن القول ان عولمة العالم او امركته افضت الى الاوضاع المعاشة حاليا, وبالتالي فإن المسئولية تقع بدرجة اساسية على الدول المتقدمة التي تطمح باتجاه تحقيق اندماج اقتصاديات العالم ضمن اسواق مفتوحة تحقق في نهاية المطاف مصالحها وتمثل استنزافا لموارد دول الجنوب وعليه فإن العالم يمر بمنعطف تاريخي تواجه فيه الدول النامية مشكلات صعبة في وقت وصلت فيه التقديرات بوجود 2.1 مليار شخص تحت خط الفقر. وفي جانب آخر اشار اعلان قمة الألفية في احد بنوده الى المسألة الديمقراطية كخيار عالمي مطروح بما يسهم في ترسيخ المشاركة الشعبية وضمان الحقوق والمساواة وتكافؤ الفرص للرجل والمرأة, والواقع ان الحديث عن الحرية والمساواة والتضامن والتسامح لا يخرج عن كونه ترديدا لمفاهيم وقيم انسانية جرى ذكرها وتناولها في دساتير وتشريعات كل دول العالم وبقيت في معظم الاحيان داخل البرواز وليس لها علاقة بما يجري في واقع الحال من خروقات وانتهاكات لكل القيم الانسانية النبيلة. تناول الاعلان في الفقرة التاسعة بندا يتعلق بالتقليل مما ينجم عن الجزاءات الاقتصادية التي تفرضها الامم المتحدة من آثار ضارة بالسكان والابرياء واخضاع انظمة الجزاءات لعمليات استعراض منتظمة وازالة للجزاءات من آثار ضارة بالاطراف الاخرى, واللافت ان صياغة البند اتخذت طابع العموميات ولم تشر صراحة الى الآثار المدمرة للحصار والعقوبات المفروضة على الشعوب التي تدفع ثمن اخطاء حكامها وهي مغيبة تماما عن المشاركة السياسية, الامر الذي يدعو الى اعادة النظر في آليات العقوبات المفروضة على الدول المنتهكة لقرارات الشرعية الدولية, والبحث عن آليات جديدة تستهدف معاقبة رموز السلطات الحاكمة وليس الشعوب لأن تجربة الحصار الحاصلة ضد بعض الدول خلفت مآسي وآثارا كارثية يندى لها جبين الانسانية. ولا ريب ان مشكلة مديونية العالم الثالث تعد من المعضلات الكبرى ومن القضايا الملحة في العصر الحالي, الامر الذي يدعو الى تبني دعوة دولية لالغاء هذه المديونية من قبل الدول الكبرى والمؤسسات المانحة لتحقيق توازن وخلق مناخات اقتصادية مستقرة تساعد على خفض الاحتقانات في العالم ولذا كان من الاسلم ان تستثمر قمة الالفية وحضور زعماء وقادة العالم لتبني دعوة عالمية لدعم الدول الفقيرة واعفائها من الديون المرهقة لاقتصادياتها بدلا من اطلاق المثاليات والنموذجيات. لقد شرح الاعلان الكثير من الامراض الخطيرة التي يعيشها العالم ولامس بعض القصور في هياكل المنظمة الدولية التي تتطلب اعادة النظرة في آلية عملها وطبيعة مؤسساتها وعضويتها لا سيما مجلس الامن وتكوينه الذي ينبغي مراجعة عضويته الدائمة لتشمل قوى دولية صاعدة. ان قراءة الاعلان الختامي لقمة الالفية التي مثلت حدثا غير عادي على الصعيد الكوني تشير الى ان الاعلان قد اكتنفه الغموض في بعض القضايا وتجاهل بعضها الآخر, وقدم صياغات ترضي كافة الاطراف وتحاشي الخوض في التفاصيل ودقائق الامور التي كانت تتطلب النبش والمصارحة ووضعها فوق الطاولة ضمن الاجندة الاساسية امام زعماء العالم كي يتحمل المجتمع الدولي مسئولياته التاريخية ازاء ما يجري من احداث وتطورات تهم الانسانية جمعاء ومستقبلها. وبطبيعة الحال فإن قمة الالفية حدث تاريخي بكل المقاييس ولا يتكرر باستمرار لذا فقد توجهت انظار العالم وآمالهم الى تلك القمة التي حملت هموم الانسانية ومعاناتها وخرجت بإعلان باهت ضم بين جنباته جملة من الاحلام والايجابيات لترسم بذلك صورة مثالية لواقع عالمي مأزوم هو احوج ما يكون لمعالجات واقعية وعملية تتصدى لتفاصيل المشكلات الدولية بحجمها الحقيقي ومستواها الذي تدركه الشعوب وتلمسه وتعيشه يوميا في صراعات وتناحرات اقتصادية وحروب اهلية واقليمية وتضادات حضارية وفكرية تعززها النظم السياسية التي تزرع العراقيل امام تشابك المصالح العالمية بين الدول انطلاقا من فلسفات وارث تاريخي قديم من العداء والاختلاف. فهل كانت قمة الالفية حقا قمة القرن التي مثلت انعطافة تاريخية في المسلك الانساني يلج العالم من خلاله الى مرحلة من التعايش والنمو الحضاري الذي يهيىء لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية, ام ان القمة كانت حدثا عاديا او محفلا دوليا للمصافحات واستعراض القدرات الخطابية لقادة العالم والتقاط الصور التذكارية الجماعية التي تبهر العالم, ليخرج الجميع بعدها خاليي الوفاض, وتستمر معها حالة العداء التاريخي المتصلب بين امريكا وكوبا, وتمضي العولمة في مسارها العدواني ضد الفقراء, وتبقى القضية الفلسطينية معلقة على ابواب الصلف والعناد الاسرائيلي المدعوم من امريكا ولا يتم اعادة النظر في العقوبات المفروضة على الشعب العراقي, وتتواصل عمليات سباق التسلح النووي في العالم برغم معاهدات الحظر التي تستهدف المنع على البعض واطلاق يد البعض الآخر,وغيرها من القضايا التي لاتزال ملفاتها مفتوحة بانتظار الحلول. ومع ذلك فإن كل شعوب العالم تتطلع الى ان تجد بنود اعلان قمة الالفية طريقها الى التنفيذ لتتحول الى واقع عملي يترجم على ارض الواقع ويخرج من اطاره النظري حتى يمكن معالجة بعض الاشكاليات الدولية ومواجهة الاستحقاقات التي تواجه الامم المتحدة في ظل التحديات المفروضة عليها والتي تستلزم تفعيل قراراتها وتمكينها من الحضور الدولي القوي الذي يؤهلها لممارسة دور فاعل ومؤثر في مجرى السياسة الدولية. بقلم: صالح القاضي