استقبلت البشرية الالفية الجديدة وهي تموج تحت ضغط متغيرات وتحديات سياسية وتكنولوجية هائلة تصاعدت على نحو خاص منذ مطلع التسعينيات مع انهيار الكتلة الشرقية واطلاق العنان لثورة الاتصالات, والمعلومات لتلامس حدود الخيال. في هذا العالم الذي بات (كل شيء فيه ممكنا ولا شيء اكيدا) كما يقول الرئيس الشاعر فاكلاف هافل تتعاظم مشكلات الحلقات الاضعف, الدول الفقيرة والاشخاص الفقراء والاطفال والنساء وكبار السن اضافة الى الطبيعة بما فيها من ثروات. وبينما تتنافس المجتمعات المتطورة في السيطرة على الثروات وعلى مفاتيح الاقتصاد العالمي خصوصا وسائل جمع وتخزين ومعالجة وتوزيع المعلومات, لا تزال معظم البلدان النامية تتخبط في خضم مشاكل بدائية تتصل بتأمين مياه الشرب والحد الادنى من الغذاء حيث لا يزال اكثر من مليار انسان في هذه البلدان يفتقرون الى كليهما, وتعصف بها من جهة اخرى الحروب والاضطرابات السياسية مما يجعل تاليا الحديث عن حقوق سياسية ومدنية للافراد ترفا لا طائل منه, وهي صورة لا تسعى معظم الانظمة الحاكمة في العالم الثالث الى تبديدها او التغلب عليها وانما تكريسها والافادة منها تساندها في ذلك علنا او ضمنا القوى الكبرى المتحكمة في السياسة الدولية التي لا يهمها في المحصلة سوى تحقيق مصالحها الذاتية بغض النظر عن اتفاق ذلك او عدم اتفاقه مع مصالح الدول الضعيفة او مع المبادىء الانسانية البراقة التي ترفعها هذه القوى. ان الامم المتحدة في دورتها الاولى في الالفية الجديدة انما ترث المشكلات الاساسية نفسها التي تبلورت او تفاقمت بشكل خاص خلال العقدين الاخيرين من القرن المنصرم والمتمثلة في حرمان ثلاثة ارباع البشرية من الحقوق الاساسية للانسان المعاصر او من معظم هذه الحقوق وفق المعايير التي حددتها الامم المتحدة نفسها, خصوصا تلك الواردة في تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الامم المتحدة الانمائي. يشير تقرير التنمية البشرية لهذا العام الى تحقيق تقدم كبير على الصعيد النظري, اي من ناحية التزام عدد اكبر من دول العالم بحقوق الانسان الاساسية ومكافحة التمييز اضافة الى التقدم على الصعيد العملي ايضا الذي حققته بعض الدول في التحرر من الفقر وتحسين مستوى معيشة الملايين من البشر حيث زاد معدل العمر المتوقع للانسان في 46 دولة نامية تضم نحو مليار انسان خلال العقود الثلاثة الاخيرة من 55 الى 65 عاما وانخفض معدل وفيات الاطفال كما انخفضت بين 1990 و1999 نسبة الاطفال ناقصي الوزن في البلدان النامية من 37 الى 27 بالمئة. وارتفعت بين عامي 1970 و1999 نسبة من يحصلون على مياه مأمونة في هذه البلدان من 13 الى 71 بالمئة. كما حققت بعض الدول تقدما كبيرا في القضاء على الفقر مثل الصين التي خفضت النسبة من 23 عام 1978 الى 7 بالمئة عام 1994. وفي المقابل لا تزال الصورة القاتمة هي الابرز اذ يعاني 3.1 مليار انسان في العالم فقر الدخل (اقل من دولار واحد يوميا) ولا يحصل اكثر من مليار في البلدان النامية على مياه الشرب نظيفة بينما يفتقر اكثر من 4.2 مليار الى صرف صحي لائق. وتشير تقارير الامم المتحدة ان هناك 55 بلدا فقيرا في العالم يتجاوز فيها النمو السكاني انتاج الغذاء, منها 40 بلدا في افريقيا و9 في امريكا اللاتينية و7 في آسيا. ففي افريقيا يترافق التفجر السكاني (4% سنويا) مع حروب اهلية وتدهور خطير في البيئة مما ادى الى تدمير الغابات وازدياد التصحر وتراجع الثروة الحيوانية. يقول ادوارد صوما الامين العام السابق لمنظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة انه من غير المنطقي مطالبة اناس جائعين ان يفكروا بحماية الغابات من اجل الاجيال القادمة بينما حياتهم هم مهددة بالخطر, فيضطرون الى ازالة الغابات من اجل الزراعة والرعي والسكن. وفي اسيا يترافق نمو المدن مع نمو الفقر. ويعيش فيها حاليا ثلاثة ارباع الفقراء في العالم (800 مليون) نسمة لا يتوفر لهم الحد الادنى من الخدمات. وخلال ذلك تضاعف عشرات المرات حجم التفاوت في مستوى الدخل بين الدول الغنية والدول الفقيرة من جهة, وداخل البلدان الفقيرة نفسها من جهة اخرى التي دمرت في معظمها الطبقات الوسطى وانقسم المجتمع الى فئتين رئيسيتين: اقلية تملك المال والسلطة واكثرية محرومة اقتصاديا ومهمشة سياسيا. وعلى صعيد التفاوت بين الدول زاد الفارق بين افقر بلد واغنى بلد من 1 الى 3 عام 1820 و1 الى 35 عام 1950 و1 الى 44 عام 1973 و1 الى 72 عام 1992. وعلى سبيل المثال فإن الفلاح في الفلبين يحتاج الى سنتين كي يحصل على ما يحصل عليه محام امريكي في ساعة واحدة. وينفق الامريكيون سنويا زهاء 30 مليار دولار على شراء البيبسي كولا وهو يعادل ضعف الناتج القومي لبنجلادش التي يبلغ عدد سكانها 130 مليون نسمة. وكان اللافت هو انتشار رقعة الفقر الى مساحات جديدة خصوصا اوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وزاد في هذه المناطق عدد الفقراء خلال العقد المنصرم من اربعة ملايين نسمة الى 120 مليون. وثمة المزيد من المعطيات ايضا التي تشكل هذه الصورة القاتمة, فهناك اليوم نحو 36 صراعا مسلحا في العالم ذهب ضحيتها زهاء خمسة ملايين نسمة وعشرة ملايين مشرد عبر العالم اضافة الى خمسة ملايين اخرين مشردين داخل بلدانهم, وتخلل هذه الصراعات عمليات اغتصاب وتعذيب على نطاق واسع. وتترافق هذه الاوضاع مع انتشار مرعب للامراض والاوبئة خصوصا مرض الايدز الذي اصاب حتى الان اكثر من 34 مليون نسمة منهم 23 مليونا في افريقيا جنوب الصحراء مما يؤدي الى تدني متوسط عمر الانسان, والحاق اضرار كبيرة باقتصاديات تلك البلدان الضعيفة في الاساس. ومع هذه الصورة التي تبدو مأساوية يأتي الحديث عن حقوق الانسان الاخرى مثل حرية الفكر والمشاركة في صنع القرار وحرية مزاولة عمل كريم وحرية تنمية امكانات الفرد بعيدا عن الهموم اليومية المباشرة رغم ما لها من تأثير مباشر على الاوضاع الآنفة مثلما ان تلك الاوضاع تؤثر عليها ايضا بصورة مباشرة او غير مباشرة. ورغم ان 144 دولة صدقت حتى الآن على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الموقع عام 1975 الا ان الممارسات العملية ظلت شيئا آخر ولا تزال حقوق الانسان الاساسية في التعبير والمشاركة في الحكم واتخاذ القرارات وتشكيل الاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وممارسة انتخابات حرة منتهكة وغير معمول بها في معظم الدول النامية. والمفارقة انه في مطلع التسعينيات ارتدت بلدان عديدة الى نظم غير انتخابية. وتظل المرأة هي الاكثر استبعادا عن المشاركة في الحياة السياسية والحياة العامة ولا تشغل النساء اكثر من 14% من المقاعد البرلمانية في العالم. وفي ظل ضعف سيادة القانون وضعف اجهزة القضاء وعدم نزاهتها في اغلب الاحيان نتيجة خضوعها لضغوط سياسية واجتماعية او اغراءات مادية تظل مسألة تحقيق العدالة والتحرر من الظلم حبرا على ورق. كما ان تأمين العمل والعيش الكريم في ظل ازمة البطالة المتفشية في العالم هو موضوع رئيسي لتمكين الناس من شراء السلع والخدمات ورفع قدرتهم على المساهمة في اتخاذ القرارات سواء داخل عملهم ام خارجه. ولا يزال هناك اليوم اكثر من 150 مليونا عاطلين عن العمل, في حين يعمل في البلدان النامية نحو 250 مليون طفل. من الواضح ان التحدي الكبير الذي تواجهه البشرية خلال المرحلة المقبلة هو كيفية القضاء على الفقر الذي يتجلى خصوصا في ثلاثة مظاهر رئيسية هي قصر العمر دون الاربعين ونسبة الاميين العالية وانعدام الفرص للحصول على الموارد العامة والخاصة اي ان استمرار الفقر لا يتيح لنسبة عالية من البشر الافادة مما حققته البشرية من انجازات, بل انه يهدد بتبديد هذه الانجازات طالما ظلت محصورة بنسبة محدودة من سكان الارض مما يؤسس لضغائن وحروب داخل المجتمع الواحد وعلى مستوى البشرية. وقد سبق لخبراء الامم المتحدة ان اشاروا الى هذه الآفة الرهيبة, الفقر ورأوا انه من الممكن القضاء عليها خلال العقدين المقبلين من خلال توفير مبلغ 40 مليار دولار سنويا (اقل من 2.0% من الدخل العالمي البالغ 25 تريليون دولار) بغية سد الفجوة بين الحد الادنى من الدخل والدخل الحالي للفقراء من خلال مساعدة البلدان النامية على الاستغلال الامثل لمواردها المتاحة والنهوض باقتصادياتها والتخلص من الديون والهدر والفساد. كما يتطلب النهوض بالحقوق السياسية والمدنية ان تعمل الامم المتحدة على مساعدة الدول النامية في فصل السلطات وتأكيد استقلالية القضاء, وبناء مؤسسات المجتمع المدني واطلاق حرية الاعلام واعتماد الشفافية في وضع السياسات الاقتصادية لضمان اطلاع الناس عليها ومشاركتهم فيها كي لا تظل محصورة في دوائر السلطات الحكومية مما يفتح باب الفساد وضيق الافق, بالرغم ما قد يثيره تدخل الامم المتحدة في هذه القضايا من حساسية لدى الدول النامية التي تدفع بمسألة السيادة الوطنية لمنع التدخل الخارجي فيما تعتبره امورها الداخلية, وهذه مسألة ينبغي على الامم المتحدة ايجاد صيغة تساعد البلدان النامية على احداث اصلاحات سياسية جدية, وتراعي من جهة اخرى مخاوف هذه البلدان من اتخاذ هذه القضايا ذريعة من جانب الدول الكبرى للتدخل بشئونها الداخلية, والوصول الى غايات لا صلة لها بالاهداف المعلنة. بقلم: عدنان علي صحفي سوري