قمة الألفية الجديدة التي عقدت ما بين السادس والتاسع من الشهر الجاري في الامم المتحدة بدعوة من امين عام المنظمة الدولية كوفي عنان والتي حضرها اكثر من مئة وخمسين رئيس دولة وحكومة, بالاضافة الى عشرات الوفود الحكومية تعد من الاحداث البارزة في هذا القرن ليس بسبب الحضور الكثيف للكثير من قادة وزعماء العالم وانما لانها جاءت في وقت تتكاثر فيه الاسئلة ويزداد الجدل حول دور الامم المتحدة في العالم ومدى نجاح هذه المنظمة الدولية في القيام بالدور الذي أنيط بها عندما انشئت في اعقاب الحرب العالمية الثانية, ذلك ان اول الاهداف المعلنة لهذه المنظمة انما هو المحافظة على الامن والسلام الدوليين والعمل على تجنيب البشرية حروبا جديدة كالحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر وتركت آثارا وخيمة على البشرية. كما وضعت الامم المتحدة نصب عينيها عند انشائها ايضا اهدافا اخرى طموحة تتعلق بحقوق الانسان ومحاربة الفقر والجهل والمرض وتنظيم العلاقات بين دول العالم على اساس سلمي الى آخر هذه الاهداف والمبادىء الاخلاقية. الا انه وبعد مرور اكثر من نصف قرن على انشائها تبدو الامم المتحدة عاجزة عن القيام بدورها بالشكل المطلوب وان كانت قد لعبت بعض الادوار الايجابية في بعض النزاعات الدولية. وما يلاحظ هنا ان الامم المتحدة التي رأى فيها الكثيرون عند قيامها ملجأ لحل الخلافات الدولية وحكما قد يوفر على البشرية عناء الحروب ويساهم في تطوير الشعوب قد تحولت مع الزمن الى مؤسسة متكلسة تهيمن على قراراتها القوى الاستعمارية الكبرى واصبحت بالتالي اداة طيعة في ايدي هذه القوى التي تشكل الولايات المتحدة القوة الابرز فيها خاصة بعد ان استطاعت الولايات المتحدة احكام سيطرتها على هذه المنظمة الدولية في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي وادت الى تفرد واشنطن في العالم باعتبارها القوة الاكبر. وادى هذا الامر في الواقع الى فقدان الامم المتحدة لثقة الكثيرين كما عبر عن ذلك صراحة امينها العام كوفي عنان عندما قال في اجتماع مجلس الامن الدولي الذي عقد بالتزامن مع قمة الالفية (هناك الكثيرون من الجيل الحالي يفقدون الثقة في قدرة الامم المتحدة على اقامة الفرق بين الحرب والسلام) . والحقيقة اننا لو راجعنا تاريخ الامم المتحدة لوجدنا ان فقدان الثقة التي يتحدث عنها عنان امر جد مشروع في ظل الاخفاقات الكثيرة التي منيت بها الامم المتحدة خلال تعاملها مع العديد من الصراعات الدولية بدءا من القضية الفلسطينية مرورا بالنزاعات الاخرى والنزاع بين الهند وباكستان او الازمة العراقية وازمة البوسنة والصراعات الدموية في افريقيا الى الازمة اليوغسلافية. وعلى سبيل المثال لا الحصر فشلت الامم المتحدة في تعاملها مع القضية الفلسطينية بسبب ضعفها امام ضغوط القوى الكبرى وتحولت عشرات بل مئات القرارات التي اتخذتها الى عبارات تردد بدون فائدة ومجرد حبر على ورق. ولم تستطع الامم المتحدة ان تنفذ ايا من قراراتها على الارض. واذا كان هذا هو الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية فإن الوضع اكثر خطورة فيما يتعلق بالازمة العراقية او اليوغسلافية او حتى في العقوبات التي فرضت على دول عربية مثل ليبيا والسودان. حيث تحولت هذه المنظمة الدولية الى مطية للولايات المتحدة تقدم الغطاء الدولي لسياساتها في العالم. مما افقد المنظمة الدولية محتواها وسحقها في العالم وعرض آلية اتخاذ القرارات فيها لانتقادات كثيرة. ففي القمة الالفية الاخيرة والتي حمل فيها كل زعيم عالمي في جعبته هموم ومشكلات بلاده باحثا لها عن حل ندد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالطريقة التي لجأت اليها الامم المتحدة في التسعينيات للعقوبات كما لم تفعل ذلك معتبرا ان التجربة ليست مقنعة ومشيرا الى ضرورة تحسين وسائل العمل التي يملكها مجلس الامن. وتابع شيراك ان العقوبات يجب ان تكون متناسقة مع اهدافها وليس ان يكون لها عواقب انسانية غير مقبولة وذلك في اشارة الى العراق على ما يبدو منتقدا في الوقت ذاته وبشكل غير مباشر الولايات المتحدة التي لا تزال تتأخر في تسديد ديونها المستحقة للمنظمة الدولية. اما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي انتقد مساعي الولايات المتحدة لعسكرة الفضاء داعيا الى عقد مؤتمر دولي لنزع سلاح الفضاء الخارجي في عام 2001 فقد اشار الى ان الامم المتحدة يجب ان تضمن نظاما عالميا عادلا لا تتمتع فيه اي دولة بدور مسيطر وذلك في اشارة صريحة الى الولايات المتحدة. وقال ان الامم المتحدة وليس حلف شمال الاطلسي يجب ان تكون المنتدى الذي تحل فيه النزاعات الدولية. والانتقادات نفسها يمكن أن نراها في كلمات العديد من قادة الدول الذين شاركوا في قمة الالفية مما يعني ان هناك تململا واضحا من آلية عمل الامم المتحدة ولا سيما فيما يتعلق بنظام العقوبات الدولية ومهام قوات حفظ السلام الدولية وغيرها من المهام الميدانية التي تقوم بها الامم المتحدة واذا علمنا ان خسائر الشعب العراقي على سبيل المثال بسبب العقوبات التي تفرضها الامم المتحدة على العراق قد بلغت نحو مليون قتيل خلال السنوات العشر الماضية. نستطيع ان نفهم معنى الانتقادات الكثيرة التي توجه الى المنظمة الدولية. واذا كان البيان الختامي الذي اصدرته قمة الالفية والذي اطلق عليه اعلان الالفية قد شمل سلسلة تعهدات تتراوح بين تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الانسان الى مكافحة الفقر والامراض. بالاضافة الى اقراره مجموعة من الخطوات لردم الهوة بين الاغنياء والفقراء وتقاسم افضل لعوائد العولمة التي يعتبر العمل على تحويلها الى قوة ايجابية للبشرية التحدي الرئيسي الذي تواجهه الامم المتحدة اذا كان هذا البيان قد لحظ هذه القضايا كلها فإنه من المهم الاشارة الى ان الاهداف التي رسمتها قمة الالفية في اجتماعاتها ستبقى كما هي دائما حبرا على ورق ما لم يتم تحرير المنظمة الدولية من الهيمنة التي تمارسها عليها القوى الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة والآمال التي تحدث عنها بيان اختتام قمة الالفية مثل خفض عدد الفقراء في العالم الى مستوى النصف عام 2015 وتأمين التعليم الابتدائي للجميع وخفض وفيات الاطفال ووقف تفشي مرض نقص المناعة المكتسبة الايدز تبقى كلها مجرد امنيات لن تتحقق بالشكل المطلوب ما لم يعاد النظر في بنية الامم المتحدة ومحاولة تفعيل دورها بشكل جاد بعد ان تحولت الى ثلاجة كبيرة تحفظ فيها القضايا التي لا يراد حلها. صحيح ان قمة الالفية قد شكلت مناسبة مهمة جمعت عشرات الرؤساء والقادة في العالم في وقت يمر فيه هذا العالم بمرحلة حاسمة تعتبر العولمة بما تحمله من ايجابيات وسلبيات احد المؤثرات المهمة فيها. الا ان هذه القمة تبقى في واقع الامر ظاهرة احتفالية كغيرها من القمم الكثيرة اذا لم تتخلص الامم المتحدة من هيمنة القوى الكبرى عليها وفي مقدمتها الولايات المتحدة. واذا كان هناك ما يمكن قوله في هذه المناسبة فهو ان مشاركة اكثر من مئة وخمسين رئيس دولة ورئيس حكومة وعشرات الوفود الحكومية في قمة الالفية تعني ان هناك احساسا عالميا بأن العالم مقدم على تطورات خطيرة تتطلب من الجميع التكاتف لمواجهتها. ومن هنا فإن اعادة الاعتبار الى الامم المتحدة وتفعيل دورها باعتبارها اكبر المنظمات الدولية امر في غاية الاهمية اذا اراد المشاركون في قمة الالفية مواجهة التحديات المقبلة بالفعل وليس بالقول وعبر البيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. بقلم: نبيل سالم كاتب فلسطيني