انتهى المطاف بالمفاوضين العسكريين والأمنيين الأمريكيين والاسرائيليين الى اتفاق لم يكن مقبولا تماما من الحكومة الاسرائيلية, ولكنه كان الخيار الوحيد على أي حال. فقد طلب الجانب الأمريكي ان تتوقف اسرائيل تماما عن تصدير أية معدات عسكرية تتضمن مكونات تقنية متطورة. وحدد الامريكيون في قائمة مفصلة ومعقدة من الوجهة التقنية كل أنماط السلاح الاسرائيلي الذي لا ينبغي تصديره الا بعد التشاور مع الولايات المتحدة. أما سبب هذا الطلب الذي اعتبره الاسرائيليون في البداية انتقاصا من سيادة اسرائيل على قرارها فقد كان يرجع الى ان المكونات التي حددها الامريكيون هي في الأصل أمريكية, ولأن اسرائيل ـ من وجهة نظر واشنطن ـ دأبت على الالتفاف حول تعهداتها السابقة بعدم تصدير هذه التقنيات, فإن الأمر بات يتطلب اتفاقا جديدا لا يلزم اسرائيل بمجرد تعهد عام فضفاض, ولكنه يفصل في قائمة معقدة, ومذيلة بتوقيعات المسئولين الاسرائيليين, ما لا ينبغي تصديره. وكانت هذه المسألة قد تطورت الى حدود فاقت ما توقعه الاسرائيليون بسبب صفقة طائرات الانذار المبكر التي تعاقدت اسرائيل على بيعها للصين العام الماضي. فقد كانت هذه الطائرات مزودة بنظام رادار رقمي يسمى آبيست (تقنية المسح الاليكتروني ذات الشعاع المرحلي), وهو رادار يختلف عن رادارات الصحن المتحرك (روتودوم) التي تعرفها كل جيوش العالم. ولم تكن المشكلة تتركز في طائرات الانذار المبكر من حيث هي طائرات, ولكنها كانت تتعلق أساسا بنظام الرادارات هذا. فالنظام يمكن وضعه على طائرات بوينج 707, أو 747, أو 767 المدنية العادية, الا انه كفيل بجعل مثل هذه الطائرات أكثر فعالية وقدرة من الاواكس الشهيرة. وبرهن الأمريكيون على ان نظام الرادار الرقمي مشتق من تقنية سبق ان اعطتها الولايات المتحدة لاسرائيل, فيما قال الاسرائيليون ان خبراءهم هم الذين طوروا هذه التقنية على نحو مستقل. وفيما كان المسئولون في البلدين يتفاوضون طوال هذا العام لتحديد مدى (تأثر) التقنية الاسرائيلية بمثيلتها الأمريكية, كان (البنتاجون) يعد مسلسلا من الادلة القاطعة التي تثبت ان هذا النظام هو في جوهره امريكي, وان الاسرائيليين قلدوا مكوناته وصنعوها محليا ثم ادعوا انه من ابتكارهم وانهم بالتالي احرار في بيعه لمن يشاؤون. صفقة الطائرات ـ التي تسمى فالكون ـ هذه أثارت لغطا واسعا وان بقي اغلبه في القنوات الدبلوماسية. مع ذلك فإن المسألة نوقشت في احدى لجان الكونجرس في شهر ابريل الماضي, ثم خضعت لمفاوضات على مستوى القمة بين كلينتون وباراك مرتين خلال هذا العام طبقا لجريدة (واشنطن بوست) . وانتهى الأمر بطلب واضح من جنرالات (البنتاجون) الغاضبين بوقف صيغة التعاون العسكري الحالية بين اسرائيل والولايات المتحدة. أما سبب تصعيد المسألة الى هذا الحد فقد كان يرجع الى الأزمة التي نشبت العام الماضي بين الصين وتايوان, وتهديد الصين بغزو الجزيرة المنشقة, ومن ثم تكثيف الولايات المتحدة لتواجدها العسكري في تلك البقعة التي شهدت بالفعل احتمال حدوث احتكاك عسكري. وقتها قال جنرالات (البنتاجون) ان التعاون العسكري بين الولايات المتحدة واسرائيل أدى الى تطوير القدرات التقنية العسكرية لدى الصين بسبب تسريب اسرائيل لتقنية عسكرية امريكية الى بكين. وكان طرح (البنتاجون) هذا ـ كما وصفه تقرير قدم الى الكونجرس في ابريل الماضي ـ يعني ان الجنود الامريكيين اذا ما تدخلوا عسكريا لردع الصين عن غزو تايوان سيواجهون خطر الموت بواسطة سلاح أمريكي باعته اسرائيل سرا لبكين! وهكذا فتح الملف, وطلبت الولايات المتحدة وقف صفقة طائرات فالكون, ورفضت اسرائيل بحجة السيادة على قرارها, وبدعوى ان التقنية المباعة هي تقنية اسرائيلية, ثم بسبب ان ثمن الصفقة يصل الى 1.8 مليار دولار, وان ارباحها من ذلك تصل الى نحو 350 مليون دولار. وحين اصرت واشنطن على موقفها, وحين لوح جنرالات (البنتاجون) بطلب وقف صيغة التعاون العسكري مع اسرائيل, قبلت حكومة باراك بإلغاء الصفقة شرط ان تعوضها واشنطن عن الربح الضائع, وان تدفع 550 مليون دولار قدرها المحامون قيمة التعويض الذي يحتمل ان تطلبه الصين في حال إلغاء الصفقة. ووافق الأمريكيون على جانب من هذه الشروط ولكنهم اصروا على اخضاع صادرات السلاح الاسرائيلية لتشاورها عند بيع انواع محددة من الاسلحة جرى تحديدها بالتفصيل. لقد لاحظ المراقبون ـ بذهول ربما ـ ان الرئيس الصيني تجنب لقاء رئيس وزراء اسرائيل ايهود باراك في الأمم المتحدة خلال الشهر الجاري على الرغم من ان زيمين قام بزيارة اسرائيل قبل ذلك ببضعة شهور. وكان ذلك يرجع بصفة رئيسية الى قبول باراك بإلغاء الصفقة, وإخطاره بكين رسميا بذلك الشهر الماضي. إلا ان باراك حصل على ثمن يتجاوز بكثير التعويض عن الأرباح المفقودة. فقد وعد الأمريكيون برفع صيغة التحالف العسكري والأمني الحالية مع اسرائيل الى مستوى اعلى, وبزيادة المعونات العسكرية المباشرة لتصل الى 2.4 مليار دولار. ووعد الاسرائيليون باستشارة واشنطن عند تصدير مكونات القائمة التي وضعها (البنتاجون) , وهكذا انتهى الأمر. ظهرت بوادر هذا الاتفاق من (النهاية السعيدة) للقاء المفاوضين العسكريين الاسرائيليين والأمريكيين الذين اجتمعوا في واشنطن خلال الأيام الأخيرة من اغسطس الماضي والأولى من سبتمبر الجاري. فقد وضعت مسودة صيغة (التصعيد) ورفع المستوى التي ستنالها علاقة التحالف العسكري والأمني بين الجانبين, ويعتقد الجانبان ـ حسب قول (البنتاجون) ـ ان المفاوضات (حقت تقدما ملموسا) حول عدد من النقاط المعلقة بين البلدين. إلا ان الجديد في الأمر هو ان اسرائيل سارعت الى عرض طائرات فالكون التي كانت تصنع لحساب الصين على نيودلهي, الخصم الاقليمي اللدود لبكين, مما اثار غضبا هائلا بين اوساط المسئولين في العاصمة الصينية. وجاء العرض الاسرائيلي للهند خلال زيارة قام بها شيمون بيريز لنيودلهي في نهاية الشهر الماضي, ثم ادرج الموضوع على مفاوضات رئيس وزراء الهند خلال زيارته الشهر الجاري للعاصمة الامريكية. الصفقة ـ في حال اقرارها ـ سترفع حجم الصادرات العسكرية الاسرائيلية الى الهند من 993 مليون دولار خلال العام 1999, حسب احصائية نشرتها (جيروزاليم بوست) في 27 اغسطس الماضي, الى نحو ملياري دولار على مدار السنوات الخمس الممتدة من العام المقبل وحتى 2006. ولا يبدو ان هناك حتى الآن ما يمكن ان يعرقل موافقة واشنطن على بيع فالكون للهند, إلا ان مسئولي (البنتاجون) منهمكون الآن في وضع (بروتوكول) يضبط احتمال تصدير الهند لهذه التقنية الى أي اطراف اخرى, وهو بروتوكول سيقدم الى اسرائيل كي تحصل على توقيع نيودلهي عليه قبل تناول اي تفصيلات اخرى تتعلق ببيع الفالكون للهنود. ذلك ان الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة واسرائيل على مراجعة واشنطن للصفقات العسكرية الاسرائيلية في طرازات معينة يشمل عددا من البلاد منها روسيا والصين والهند وباكستان. ويعني ذلك ان فالكون لن تصل الى نيودلهي الا بموافقة واشنطن. من الطبيعي اذن ان يحتل هذا البند مساحة يعتد بها في محادثات رئيس الوزراء الهندي مع المسئولين الامريكيين. خبراء واشنطن يعكفون الآن على دراسة انعكاسات بيع فالكون للهند على باكستان وعلاقتها مع الصين. اذ ان من المتوقع ان تحاول بكين تصفية الحساب عن طريق توثيق صلتها العسكرية بباكستان, فيما لن يندهش احد اذا ما ركض المسئولون العسكريون في اسلام آباد نحو بكين بسبب الضغط الذي سيسفر عن تطوير قدرات المراقبة والانذار بصورة جذرية لدى الجيش الهندي اثر حصوله على طائرات الفالكون. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز