هل تتكرر التجربة اللبنانية في مصر فيسيطر المال على الانتخابات النيابية ويتقدم رجال الأعمال لاحتلال مواقع مؤثرة في الحكم ومراكز اتخاذ القرار؟ السؤال مثار في مصر بمناسبة انتخابات برلمانية مزمع اجراؤها خلال شهرين, وهي التي سبقها صدور قانون يجعل الاشراف كاملا للسلطة القضائية على عملية الانتخاب. وقد بدأ صعود رجال الأعمال في مصر على ثلاث مراحل.. كانت المرحلة الأولى مع بداية الانفتاح منذ ربع قرن على وجه التقريب. حينذاك كانت قبضة الدولة مازالت قائمة, فالقطاع العام يلعب دوره, والتخطيط الزامي, ورجال الحكومة تربوا في ظل نظام للاقتصاد الموجه.. وكان الاستثناء من ذلك كله قانون للانفتاح أطلق عليه (قانون استثمار المال العربي والأجنبي) والذي أتاح للقطاع الخاص أن يدخل مجالات لم يكن يدخلها من قبل.. كما كان الاستثناء دعوات من الرئيس السادات يحرض فيها القطاع الخاص على ارتياد كل المجالات, ويؤكد إعلاءه لقيمة الربح في المجتمع حتى أنه وفي خطاب سياسي ضرب مثلا للتقدم في مصر بارتفاع أسعار الأراضي! في فترة السادات بدأ بناء الهرم الجديد الذي يشكل اقتصادا حرا, ولم تكن الخطة معلنة ولكن رجال الأعمال كانوا يستشعرون الاتجاه ويستظلون بحماية سياسية وفرها ثنائي (أنور السادات عثمان أحمد عثمان) والثاني نسيب الأول, ووزيره, ومستشاره في مجال الأعمال كمقاول قديم. صعد الكثيرون في مجالات مثل: العقارات وصناعة الدواجن والتجارة الخارجية وكان المنطق حينذاك هو منطق الربح السريع حتى أن بعضهم قد تاجر في الأغذية الفاسدة ثم هرب الى خارج البلاد. بعدها, وفي الثمانينيات كانت قد تقدمت شريحة جديدة من رجال الأعمال تشتغل بالصناعة ويتركز نشاطها في المدن الجديدة وأضافت كثيرا للاقتصاد . وحينذاك, وتشجيعا لرجال الأعمال لكي يلعبوا دورا مؤثرا في المشروعات الجديدة جرى تشكيل لجنة مشتركة في مجلس الوزراء تضم حكوميين ورجال أعمال, وأعلن رئيس الوزراء وقتها وهو د. علي لطفي أن الحكومة لن تصدر قرارا دون الرجوع لرجال الأعمال.. اعتبرهم رئيس الوزراء الحليف الطبيعي في الحكم وبشكل علني. واستمرت رحلة الصعود.. تصاعد رقم الأعمال وجاء المليارديرات بدلا من المليونيرات ووقف الجهاز المصرفي مساندا لرجال الأعمال الذين كانوا قد وجدوا طريقهم بنسبة ملحوظة الى مجلس الشعب ودوائر الحزب الوطني الحاكم. ظهرت شركات عملاقة ولوحظت ثلاثة أمور.. الأول: أن نسبة رؤوس الأموال في كثير من المشروعات هي الأقل, والاقتراض المصرفي هو الأكثر في التمويل, وبدا ذلك واضحا في قطاع العقارات وبناء القرى السياحية. الأمر الثاني: ارتفاع حجم المديونية لكبار الدائنين, حتى باتوا وحدهم يحوزون معظم القروض التي تمنحها البنوك. أما الأمر الثالث.. فهو دخول الفساد في العلاقات المالية والتلاعب لدى البعض بالنسبة للمبالغة في تقدير الأصول والمراكز المالية الضامنة للقروض.. بحيث باتت قروض كثيرة بلا غطاء كاف بحيث إذا هرب رجل الأعمال الى الخارج وابتعد شبح العقوبة الجنائية لم يجد البنك ما يكفي لتغطية القرض.. وهنا ظهرت قضايا اختلطت فيها السياسة بالأعمال مثل: قضية نواب القروض التي تم الحكم قضائيا فيها ضد أربعة من أعضاء مجلس الشعب ووزير سابق وابن وزير سابق! هكذا تعقدت الأمور فجاءت المرحلة الثالثة في العلاقة والتي تريد السلطة فيها من رجال الأعمال كل شئ.. وتخشى منهم في كل شيء. الاستثمار الحكومي فيما عدا الخدمات والمرافق يتراجع.. والاستثمار الخاص يقوم وبمفاخرة حكومية بثلاثة ارباع الاستثمار الكلي.. وعجز ايرادات الدولة مع تجميدها لأي توسعات في القطاع العام دفعا الأمور لدعوة المستثمرين للقيام بمهام غير مسبوقة مثل بناء المدارس ومحطات الكهرباء والطرق والمطارات وتشغيلها أو تأجيرها للحكومة. المهام التي تنتظر رجال الأعمال إذن كبيرة والتحالف لا مفر منه, لكن عقبتين تقفان في الطريق الأولى, ركود يسود الأسواق ويقلل القدرة وتعتمد في العلاقة مع البنوك مما نتج عنه هروب البعض للخارج وتباطؤ الدورة الدموية للبنوك ومن ثم الاقتصاد. وهكذا باتت الحكومة لا تستطيع التخلي عن رجال الأعمال ومنظماتهم الضاغطة.. لكنها أيضا لا تستطيع أن تتحمل خطاياهم وانحرا فاتهم وفي هذا الظرف تجري انتخابات (2000). أتوقع أن يهجم رجال الأعمال على المقاعد النيابية في محاولة للحصول على نفوذ أكبر. وأتوقع أن يلعب المال دورا كبيرا في الانتخابات. وأتوقع أن يرحب الحزب الحاكم بتحالف (المال السلطة) وإن كان تحت ستار فرجال الأعمال يمولون العملية السياسية, بل يساندون المحليات في المحافظات المختلفة. إنه الحلف غير المقدس ... والخطر. بقلم: محمود المراغي