كنت انوي الكتابة عن (المال السياسي في انتخابات لبنان), وطغيان المليارديرات المغتربين على الساحة السياسية اللبنانية, وتأثير هذا الواقع على المؤسسات الدستورية اللبنانية, لصالح أهل المال والتجارة العائدين من اوروبا والخليج وافريقيا. وكنت ايضا انوي التطرق الى خناقات المشهد السياسي الاردني حول زيارة وفد برلماني اردني صغير الى الكويت للتعرف على الاوضاع المتعلقة بموضوع الاسرى في الكويت, غير ان الشيء الذي هز اهتمامي وبهرني الى حد ما هو ما حدث في نيويورك, وبالذات في مبنى الامم المتحدة, وعلى الاخص اداء الرئيس سيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الايرانية الاسلامية, الذي سرق الكثير من الاضواء, وشد اليه اهتمام الاعلام, وتنقل بسرعة من القاعة الكبرى الى القاعة الاخرى, ثم الى مكان ثالث محدثا الجالية الايرانية. ذهب خاتمي الى نيويورك حاملا معه مشروعه المعروف عن حوار الحضارات, وهو المشروع الذي طرحه قبل عامين, وتابعه في زياراته الى ألمانيا وغيرها, وابرزه في كلمته امام الجمعية العامة للامم المتحدة, في اول ايام الدورة الالفية الخاصة, وفي وجود الرئيس الامريكي (بيل كلينتون) الذي تابع الخطاب من مقعده, وهو امر غير مسبوق في برامج الرؤساء الامريكيين السابقين, كما حضرت اولبرايت وزيرة خارجية امريكا ندوة الرئيس خاتمي عن التفاعل بين الحضارات الانسانية. وقد سعدت شخصيا لهذا التطور المنظور في العلاقات الايرانية ـ الامريكية, على تواضعه ومحدودية تأثيره, لاننا في هذه المنطقة سعينا منذ قيام الثورة الايرانية على تطبيع العلاقات بين ايران وواشنطن, وهي العلاقات التي شابها التوتر في اعقاب احتجاز الدبلوماسيين الامريكيين في السفارة الامريكية في طهران لأكثر من عام ونصف في عهد الرئيس كارتر, وفي اعقاب العملية العسكرية الفاشلة التي حاولت واشنطن من خلالها اطلاق سراح المحتجزين. جاءت عملية الاحتجاز صعبة على الرئيس كارتر الذي لم يكن من اولئك الرؤساء القبضايات, ولم يكن من النوع الذي يلجأ الى القوة لحل المشاكل المعلقة, لكنه شعر بالألم العميق من رؤية الدبلوماسية الامريكية والعاملين في حقلها تهان يوميا عبر المظاهرات الطلابية التي تنقلها وسائل الاعلام, وبدعم واضح من الزعيم الروحي آية الله خميني, وقد حاول الرئيس كارتر اللجوء الى الوساطات المباشرة والى الدبلوماسية الهادئة ثم لجأ الى الامم المتحدة, وقد حدث في آخر يوم من عام 1979 ان اجتمع مجلس الامن ليقرر ارسال السكرتير العام (كوت والدهايم) , الى طهران .. كنت امثل الكويت في مجلس الامن, وكان يرأس الوفد الامريكي وزير الخارجية آنذاك (سايروس فانس) وهو رجل هادىء يؤمن بالتفاوض والحوار, وقد امتنعت الكويت عن التصويت لاننا لم نرد ان ندخل في محاور الخلافات بين طهران وواشنطن. المهم ان الزعيم الايراني آية الله الخميني لم يطلق سراح المحتجزين الا بعد ان خسر كارتر الانتخابات, وقد سعى الزعيم الايراني بالفعل الى اسقاط كارتر, لانه لم يغفر له الزيارة التي قام بها في آخر يوم من عام ,1978 وامتدح الشاه خلالها واصفا ايران بالجزيرة المستقرة وسط محيط من الاضطرابات. وفي سبتمبر ,1980 انفجرت الحرب العراقية ـ الايرانية, ومع تطوراتها, وتصاعد التهديدات الايرانية للممرات المائية الدولية في الخليج, تكاثر الوجود العسكري الامريكي من اجل تأمين سلامة هذه الممرات, الامر الذي زاد من التباعد بين البلدين, وعزز الشعور بالكراهية تجاه واشنطن. وزادت مشاعر العداء مع دعم واشنطن لموقف العراق خلال الحرب, وتدخلها في اغراق الاسطول الايراني, في ابريل ,1988 ثم حادثة الطائرة الايرانية, وانهيار المقاومة الايرانية بعد لجوء العراق الى السلاح الكيماوي لتحرير الفاو. جاء الرئيس خاتمي على رأس قائمة الاصلاح والاعتدال, وبدأ برنامجه في تحسين صورة ايران اقليميا ودوليا, والبدء في تنفيذ خطة اصلاحية معتدلة في الداخل تخرج ايران من قيود المتشددين الذين يعتمدون في شرعية مواقفهم على دعم المرشد الروحي للثورة. ومن المنطقي ان يتفجر الخلاف بين المدرستين, وتبدأ قوى التعصب حملة التشكيك في سلامة السياسة التي يتبعها الرئيس خاتمي في الداخل والخارج. وقد تابعنا جهود الرئيس الايراني لاصلاح الوضع مع دول الجوار وهي دول مجلس التعاون التي تبنى الرئيس خاتمي تجاهها لغة تختلف عن لغة التهديد والوعيد والصدامية التي انتهجتها اجهزة التعصب. وذهب الى المملكة العربية السعودية في زيارة رسمية لمدة عشرة ايام وحاور الطلبة في جامعة الملك فيصل في جدة حول الحضارات والاسلام, واهتم بمعالجة المسببات التي باعدت بين ايران ودول الخليج. وتشكل هذه المسببات مجموعة من القضايا التي تختلف حولها مرئيات وسلوكيات الطرفين وهي: ـ موضوع الجزر ـ السياسة النفطية ـ الارهاب وتصدير الثورة ـ مشكلة الشرق الاوسط وحزب الله ـ التواجد الاجنبي في الخليج ـ برنامج التسلح الايراني في بعده الاستراتيجي ـ التدخل في الشئون الداخلية واذا كانت هذه القائمة الخليجية التي لابد من التعامل معها من قبل قوى الاعتدال في ايران, فان القائمة العالقة مع الولايات المتحدة لا تختلف كثيرا, وربما تضيف عليها المعارضة الايرانية القوية, للسلوك الامريكي في ترتيب الامن والسلام العالميين, وفرض المفاهيم الامريكية حول السلام على بقاع التوتر, واللجوء الامريكي الى الحلول كما تراها واشنطن خارج الشرعية الدولية. واذا كانت هذه هي حزمة الخلافات مع واشنطن ومع دول مجلس التعاون, فربما من المناسب ان نتعرف على النهج الذي تبناه الرئيس خاتمي في التعامل مع هذه الحزمة. لم تظهر ادارة الرئيس خاتمي قدرة فعالة ومؤثرة في التعاطي مع موضوع الجزر, لاسباب محلية كثيرة منها تصلب المتطرفين, ومنها ان الموضوع خارج صلاحية الرئيس, لانه من القضايا الاستراتيجية التي تعالج مباشرة بين القوات المسلحة وبين المرشد العام, ولهذا فان التصور بان الرئيس خاتمي قد يأتي بشيء ما حول الجزر ليس في مكانه, فكل القضايا الاستراتيجية ومنها القوات المسلحة والمال, والمخابرات, والحرس الثوري, والامن الداخلي والمؤسسات الدينية الشيعية, كلها خارج صلاحية الرئيس. ولذلك فان موضوع الجزر لم يطرأ عليه تغيير, سوى تكرار الترحيب بزيارة وفد من الامارات لبحث الموضوع. وقد افاد الرئيس خاتمي خلال زيارته الى نيويورك, ومن خلال لقائه مع مجموعة من الصحفيين, بان ايران تؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير واقامة دولته, ولكنها لن تعطل مسيرة السلام ولن تؤيد الارهاب, رغم انها ساعدت حزب الله لتحرير ارض لبنان المحتل. وكذلك نفى خاتمي اي دور لايران في موضوع الارهاب او تصدير الثورة واكد على عدم التدخل في الشئون الداخلية, وقلل من مخاوف دول الخليج من برنامج التسلح الايراني, كما تجنب اللغة الحادة والعنيفة التي تستعملها ايران حول التواجد الاجنبي, وايد الاعتدال في التعامل مع قضايا الطاقة واسعار النفط, كما ايد اسلوب المملكة العربية السعودية في زيادة الانتاج. ومع هذا النهج المعتدل والعقلاني, تنحصر طلبات ايران من الولايات المتحدة في ثلاث نقاط, يمكن تجاوزها, اذا نجح الرئيس خاتمي في تجاوز الحملات الحادة التي تقوم بها قوى التشدد ضده. اولها: كما ذكر الرئيس خاتمي, هو الاعتذار عن تدخل واشنطن في شئون ايران خاصة عام ,1953 باسقاط محمد مصدق, واعادة الشاه الى الحكم. وهذا موضوع سبق لأولبرايت ان تطرقت اليه عندما اشارت الى اسف واشنطن للالم الذي سببته سياستها للشعب الايراني. وثانيها: الافراج عن 13 بليون دولار هي مبلغ الودائع الايرانية المتجمدة في الولايات المتحدة الامريكية. والشرط الثالث: ان يكون الحوار, اذا توفرت البيئة المناسبة له, قائما على قدم المساواة وبين ندين متساويين وليس بين عملاق ودولة نامية. وفي الواقع فان الجانب الامريكي يسعى منذ زمن لاصلاح العلاقات مع طهران غير ان الجانب المتصلب داخل ايران, والقوى المحافظة وعلى رأسها المرشد العام قضت على الامل في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة . نحن في الخليج نرتاح جدا من تعميق العلاقات, لانها ستؤدي الى ازالة التوتر بسبب اختلاف المفاهيم في قضايا جوهرية, والى تحسن الامن الاقليمي وترابطه بالمصالح العالمية. ومن المناسب التأكيد من واشنطن على ان الولايات المتحدة لا ترغب ادخال ايران في مخطط يؤمن للسياسة الامريكية تحقيق نجاح على حساب المصالح الايرانية, واعتقد ان واشنطن على استعداد للبدء في حوار بناء مع ايران اذا ما استطاع الرئيس خاتمي الحد من قوة المحافظين الذين يريدون القضاء على برنامجه في تحسين العلاقات مع دول العالم على حساب حق الثورة الاسلامية في التصدي لمعاقل الاستعمار والامبريالية. نجاح الرئيس خاتمي سيدخل المنطقة في فصل جديد يتسيده الاعتدال ولغة المصالح المتبادلة بدلا من الشعارات, وسيدعم الموقف الايراني اقليميا ودوليا, وسيزيد بلا شك, من عزلة نظام صدام حسين, الذي يراقب التطورات الامريكية ـ الايرانية بهلع وخوف. بقلم: عبد الله بشارة