يطالعنا المشهد الايراني بين الحين والآخر بتغيرات عاصفة تجذب الاضواء وتلفت الانظار تجاه ذلك البلد الذي يتميز ابناؤه بطبيعة ثورية. وعلى الرغم من ان ايران كتب لها القدر ان تتعافى من اشكال الصراع الاثني والمذهبي الحادة التي تصطلي بآثارها بلاد اخرى كثيرة فانها تعاني نوعا آخر من الصراع ناتج عن الانقسامات الايديولوجية التي تزيد من خطورتها تلك الطبيعة الراديكالية التي تميز الشخصية الايرانية وما بين هذا وذاك فان المراقب للوضع الايراني يقف امام ثلاثة سيناريوهات متوقعة في الفترة المقبلة وهي المخاض الثاني للجمهورية الاسلامية الايرانية. وعلى ذلك فإن الأحداث الكثيرة التي شهدتها الساحة الداخلية الإيرانية, لا سبيل لفهم أي منها دون الإلمام الجدي بأبعاد ثنائية الإصلاحيين ـ المحافظين التي برزت بشكل غير مسبوق بعد الثالث والعشرين من مايو 1997 ... تاريخ وصول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى سدة الحكم مشفوعاً بأصوات 20مليون إيراني. والواقع أن الإيرانيين لايقنعون بالهدوء والدعة على الإطلاق, وما يعد في اللحظة الراهنة حدثاً جديداً وتغيراً حاداً, يصبح بعد أيام أو شهور أو سنوات قلائل ـ حسب حجم ذلك الحدث ـ مجرد تذكار من الماضي ليس أكثر وليس أدل على ذلك من لعبة الكراسي الموسيقية السياسية التي تحدث في إيران بشكل يومي, والتي يغادر من خلالها العديد من الرموز مواقعهم السياسية والإيديولوجية من أجل احتلال مواقع أخرى, كما حدث مع الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رافسنجاني الذي كان قبل سنوات قليلة ممثلاً لليسار أي الانفتاح, وانتقل بسرعة إلى موقع الوسط قبل أن يحتل مكانة على يمين الخريطة السياسية ويرتدي عباءة المحافظين المتشددين في الوقت الحالي, ومثل ذلك يبدو أنه يحدث مع الرئيس الحالي محمد خاتمي الذي كان يمكن القول عنه قبل عامين فقط أنه رجل اليسار. أما اليوم فإن مواقفه الهادئة أمام استفزازات المحافظين, ولا سيما تلك التي أعقبت انتفاضة الطلاب في شهر يوليو من العام الماضي عندما وجه اللوم إلى الطلاب المتظاهرين, مثل هذه المواقف تضعه بكل ثقة في خانة الوسط. وإذا استمر الحال على ذلك المنوال فثمة احتمال قوي بأن يكون خاتمي مرشح قوى يمينية في مواجهة قوى يسارية تريد تجاوزه هو أيضاً من خلال مرشح إصلاحي جديد يمكن أن يكون شقيقه الأصغر محمد رضا خاتمي. ولعل البحث في أسباب هذه التحولات الفريدة من قبل رموز حازت رصيداً جارفاً من التأييد الشعبي باعتبارهم طوق النجاة الذي يتطلع الإيرانيون إلى التعلق به للعبور إلى شاطئ الحريات السياسية الكاملة, يقودنا إلى الاصطدام بحقيقة إيرانية راسخة هي صلابة المحافظين في الدفاع عن مكتسباتهم التي وصلوا إليها بعد الثورة الإسلامية, إلى جانب بقاء الكلمة الأولى والأخيرة في يد زعيمهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي. نغمة جديدة غير أن الكثير من المحللين بات يردد نغمة جديدة فحواها أن الشعب الإيراني الذي ـ كما أشرنا ـ لايعرف اليأس أو الملل سوف يبلور أسلوباً جديدا للتغيير ـ في حال انسداد القنوات الشرعية ـ غالباً ما سوف يتخذ منحنى جديدا يتميز بالعنف والتصادم ويشبه كثيراً ما حدث عام 1979 عندما استطاع رجال الثورة الإسلامية القضاء على نظام الشاه إلى الأبد فهل ما تشهده إيران في اللحظة الراهنة يعد إرهاصاً لثورة ثانية؟ وهل ستعاني بلاد الحوزات العلمية وآيات الله خلال الفترة المقبلة من آلام مخاض آخر يسفر عنه إيران جديدة؟ , هذا ما سوف يجيب عنه التحليل التالي. ثوابت ايرانية * أولاً: ثوابت أساسية في المجتمع الإيراني : تتميز اللعبة السياسية في إيران بوجود مجموعة من القواعد يتعارف عليها الجميع ويتصرفون انطلاقاً منها. وتعد الاستثناءات الخارجة عنها قليلة إلى الدرجة التي يمكن معها إسقاط تلك الاستثناءات من التحليل .. وتعد النقاط التالية بمثابة إطلالة سريعة على المشهد الإيراني وإشارة في الوقت ذاته لتلك القواعد الحاكمة لسير الأمور: ـ ما يحدث في إيران حالياً يأتي في إطار الصراع على السلطة, أو كما يسميه الإيرانيون الصراع على الحكم, وفي سبيل الوصول إلى سدة هذا الحكم فإن السياسيين يستخدمون عبارات إيديولوجية رنانة قد توحي بأن تغيراً أيديولوجياً قد حدث, غير أن الحقائق تشير إلى أن جميع المتصارعين ينتمون إلى مدرسة واحدة (الثورة الإسلامية) لصاحبها الإمام الراحل آية الله الخميني. كلا الطرفين المتصارعين على الحكم قد ارتضيا عن قناعة أن يكون المرشد الروحي آية الله علي خامنئي هو الحكم فيما ينشب من نزاع (على الأقل في الفترة الحالية) . ـ هناك خطوط حمراء تحكم طبيعة الصراع القائم حالياً ولا يستطيع جناحا السلطة في إيران أن يلعبا خارج هذه الخطوط, فلا المحافظون يرفضون الرئيس خاتمي ـ إذ هو أولاً وأخيراً رجل دين ـ ولا الإصلاحيون بوسعهم التعرض لخامنئي أو نظامه أو ولايته الفقهية. ـ الفوز الكبير الذي حققه التيار الإصلاحي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لن يكون نقطة تغيير حقيقية في السياسة الإيرانية الداخلية ونموذج الحكم في السنوات المقبلة إلا إذا باركه مرشد الجمهورية علي خامنئي وشارك في تنفيذه تيار المحافظين . والحكومة الحالية مثل السابقة ليست هي التي تقرر الخطوط الكبرى لسياسات البلاد الاستراتيجية لأن المادة (110) من الدستور الإيراني تعطي الولي الفقيه صلاحيات مطلقة, فالمرشد هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يعلن الحرب والتعبئة العامة وهو الذي يوافق على انتخاب رئيس الجمهورية ويعزله وإليه يعود تعيين رئيس القضاة ومسئول الإذاعة والتلفزيون وجميع قيادات القوات المسلحة والحرس الثوري, كما أنه الحكم والمرجع الأخير بين السلطات الثلاث. ـ لا ينبغي النظر إلى المرشد الروحي علي خامنئي ورئيس الجمهورية محمد خاتمي على أساس الموازنة بين سلطة متسلطة ليس لها سند شعبي وسلطة محدودة جاءت وفق الإرادة الشعبية, إذ أن مرشد الثورة هو الآخر يستند وجوده إلى إرادة الشعب الإيراني ولكن بشكل غير مباشر, حيث أن اختياره يكون عبر أعضاء (مجلس الخبراء) الـ 86 المنتخبين بدورهم بالاقتراع المباشر. محافظون واصلاحيون * ثانياً: استراتيجيات المحافظين والإصلاحيين: يشير بعض المحللين إلى أن السلوك السياسي لإيران كدولة ينطوي على قدر غير قليل من التناقض, فعلى سبيل المثال تعتبر إيران نفسها بطلاً للإسلام في مكان معين مثل لبنان, في حين تقف إلى جانب القوى المضادة للإسلام, في أرمينيا مثلا, على الضد من المسلمين الشيعة الأذربيجانيين, وتنفق أموالاً طائلة لدعم معتنقي الفكر الثوري في باكستان, ثم تأتي وتتعاون مع روسيا التي تسعى للقضاء على الثوار المسلمين في الشيشان. وقد تفسر تلك الازدواجية بأن هناك إيرانيين وليس إيران واحدة إحداهما تمثل دولة قومية ذات مصالح جيوسياسية واضحة والأخرى تمثل ثورة دينية ذات أهداف محددة أيضاً. وفي هذه البنية السياسية يقف خاتمي كرجل الدولة القومية الأول في مقابل المرشد علي خامنئي زعيم الثورة والدولة الدينية. وإذا كان هذا التعارض لم يتخذ بعد شكل الصدام نظراً للطبيعة الخاصة التي تميز السياسات الخارجية للدولة, فإن لهذا التعارض شأناً آخر على مستوى السياسة الداخلية. فتيار اليمين الديني (الإصلاحيون) الذي ذاق ثلاث هزائم انتخابية متتالية (الرئاسية عام,1997 والبلدية عام,1998 وأخيراً الانتخابات البرلمانية عام1999) لايزال يتصرف ويقرر ويبادر متخذاً إجراءات وسياسات توحي وكأنه لم يتذمر من هذه الهزائم أو كأنه المهيمن الفعلي على مؤسستي الحكم والبرلمان اللتين يسيطر عليهما التيار الإصلاحي. هذا يحدث في الوقت الذي يبدو فيه الإصلاحيون الذين سجلوا في الانتخابات الثلاثة فوزاً ساحقاً, كأنهم معارضون لا يتمكنون من تحقيق مطالبهم إلا عن طريق الاعتراضات والاحتجاجات والتظاهرات وآخر الأمثلة على ذلك التظاهرات الطلابية التي شهدتها جامعة طهران في ذكرى انتفاضة العام الماضي. وفي سبيلنا للإجابة عن السؤال المتعلق باحتمالات تفجير العنف في إيران للخروج من وضعية الصراع بين المحافظين والإصلاحيين ينبغي الاقتراب من استراتيجية كل من الفريقين وتحليل تلك الاستراتيجية. وتمهيداً لذلك تجدر الإشارة إلى الموقعة الأخيرة بين التيارين, ويقصد بها موقعة قوانين الصحافة. ففي الأسبوع الأول من شهر أغسطس الماضي شرع نواب البرلمان الإيراني في عملية مراجعة قوانين الصحافة التي كان البرلمان السابق ذو الأغلبية المحافظة قد شرعها والتي انطوت ـ في نظر الإصلاحيين ـ على قدر غير يسير من الكبت والتقييد لحرية الصحافة وبموجبها تم إغلاق نحو 20 صحيفة حتى الآن واعتقال عدد كبير من الصحافيين المقربين من التيار الإصلاحي. بيد أن نواب التيار الإصلاحي فوجئوا برسالة من المرشد الأعلى علي خامنئي إلى رئيس البرلمان الشيخ مهدي كروبي يطالبه ـ أو يأمره ـ صراحة برفع مشروع المراجعة من جدول أعمال المجلس تحت مبررات الحفاظ على الثورة الإسلامية والقيم العليا للنظام ومواجهة خطة أعداء الجمهورية الإسلامية الرامية إلى اختراق الصحافة والتأثير على الرأي العام. وليس سراً أن موضوع تعديل قانون الصحافة كان مرشحاً للمناقشة في المجلس التشريعي في بداية الدورة البرلمانية, أي قبل عدة أسابيع,ولكن المرشد طلب تأجيل تلك المناقشة وعدم طرح التعديلات, وتم التأجيل بالفعل, في هدوء ودون إعلان, إلا أن النواب الإصلاحيين الذين كانوا قد وعدوا قبل انتخابهم بتعديل قانون الصحافة الامتثال لرغبة الصحافيين لم يكونوا مستعدين للتراجع عن موقفهم, ولا سيما أن المرشد لم يطلب آنذاك استبعاد الموضوع وإنما اكتفى فقط بطلب التأجيل. ومن ثم فإنهم عادوا بعد أسابيع معدودة وقدموا مشروعهم, وحينئذ لجأ خامنئي إلى توجيه ذلك الخطاب إلى رئيس مجلس الشورى. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يلجأ فيها المرشد إلى هذا الأسلوب ليثير بذلك مخاوف الإصلاحيين من تكريس أسلوب التصعيد والمواجهة السافرة, ويثير في الوقت ذاته تساؤلاً هاماً بشأن الأسباب التي دعت المرشد علي خامنئي إلى التدخل بنفسه, ومباشرة في الموضوع, ولاسيما أنه كان في الإمكان رفض هذه القوانين عبر مؤسسات أخرى, ومن دون أن يظهر المرشد علناً في المشهد. ذلك بأن مجلس صيانة الدستور الخاضع لهيمنة المحافظين كان سيرفض مشروع القانون, وحتى لو تمسك البرلمان بهذا المشروع أي اختلف مع المجلس المذكور, فإن الدستور يمنح (مجمع تشخيص مصلحة النظام) صلاحية البت في هذا الخلاف. وليس ثمة شك أن المجتمع سينحاز لمجلس الصيانة وخاصة وأن رئيسه هو الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني الذي لم يعد يخفي مطلقاً معارضته لتوجهات الإصلاحيين, بالإضافة إلى أن معظم أعضاء هذا المجتمع يوالون التيار المحافظ. المرشد يتدخل ويرجح المراقبون أن المرشد آثر التدخل المباشر وحسم الأمر مبكراً للاعتبارات التالية: سعي التيار المحافظ إلى تأمين مواقعه وقطع الطريق على تنامي قوة الإصلاحيين الذين باتوا يسيطرون على البرلمان وتذكيرهم في الوقت ذاته بأن وظيفة البرلمان الأساسية (استشارية) وليست (تشريعية) . رغبة المرشد التأكيد على أنه رجل النظام الأول, وأنه قادر على استخدام صلاحياته الدستورية المطلقة متى شاء ووضع حد لاستراتيجية الإصلاحيين التي يعتبرها مهددة لنظام الحكم الإسلامي, لاسيما وأنه كان تعرض من قبلها بأيام لحملة انتقادات مبطنة تناولته وحذرت من (الاستبداد الديني) . قد يكون خامنئي نظر إلى مشروع النواب الإصلاحيين بتعديل قوانين الصحافة على أنه تحدٍ شخصي له وليس للتيار المحافظ, إذ ليس خافياً أن قوانين الصحافة الحالية بما تنطوي عليه من قيود ليست سوى تعديلات للقوانين السابقة التي قامت بها الأغلبية المحافظة في البرلمان السابق بعد حملة انتقادات لا سابق لها, قادها خامنئي بنفسه ضد الصحافة واعتبر أنها باتت (وكراً للجواسيس والأعداء) . ويفسر المراقبون هذا التصعيد من جانب تيار المحافظين بأنهم يعتبرون أنفسهم حماة الثورة وولاية الفقيه ويرون واجبهم الشرعي الحفاظ على مكتسباتهم ومنع تسلل الليبراليين والعلمانيين إلى أجهزة الدولة ومفاصلها الحساسة كالقضاء مثلاً, والوقوف بوجه (الطابور الخامس) الذي يريد الانقضاض على أصل النظام الإسلامي مستغلاً الحركة الإصلاحية. أما المعسكر الآخر ـ معسكر الإصلاحيين ـ فتظهر الدلائل كلها إلى ميل زعماء ذلك التيار وعلى رأسهم الرئيس خاتمي نحو اتباع سياسات رزينة ومواجهة هجوم المحافظين بطريقة الاحتواء الهادئ, بل ان محمد رضا خاتمي ـ الشقيق الأصغر للرئيس خاتمي زعيم الإصلاحيين في البرلمان لم يجد حرجاً في التعليق على أزمة قوانين الصحافة بقوله إن حزبه كان على علم مسبق (بخطة التيار المحافظ الرامية إلى توتير الأجواء في البرلمان والتسبب في مواجهة وصدام بين التيار والمرشد الأعلى) . ويرجع سلوك الإصلاحيين الهادئ إلى وعيهم الكامل ـ وعلى رأسهم الرئيس خاتمي ـ بالأهمية الاستثنائية التي بحوزة التيار المحافظ وتأثير ذلك على المسيرة الإصلاحية, ومن ثم سعيهم إلى ترسيخ مناخ سياسي هادئ يمكن تلك المسيرة من المضي قدماً, وتفادي أية مواجهة مع المرشد, خصوصاً بعد أن أعلن خاتمي ترشيحه المبكر للرئاسة. كما يدرك الإصلاحيون ـ و هذا هو الأهم ـ أن خصومهم السياسيين يمسكون بناصية المؤسسة العسكرية على اختلاف أجهزتها, مما يضاعف لديهم درجة التروي وامتصاص الهجوم المضاد بنسبة موازية من الاعتدال والتحكم في إيقاع اللعبة السياسية. المراهنة على الشعب ورغم أن الحسابات المرحلية تشير بلا تردد إلى أن التيار الإصلاحي مني بانتكاسة, إذ يمثل شعار الدفاع عن الحريات وسن قانون جديد للصحافة يعزز حرية الرأي والتعبير أحد الوعود الأساسية للإصلاحيين في حملتهم الانتخابية البرلمانية الأخيرة, ومن ثم فإن فشلهم في تمرير المشروع في أول اختبار جدي في البرلمان لن ينظر إليه الرأي العام بارتياح, على الرغم من ذلك كله فإن الحسابات الاستراتيجية تؤكد أن هذه الخطوة إضافة قوية للرصيد الشعبي الذي يتمتع به ويراهن عليه الرئيس خاتمي, والذي قدم نفسه خلال حملة انتخابات الرئاسة على أنه (سيد مظلوم) اضطر للاستقالة من منصب وزير الثقافة بعدما تعرض للظلم ولجأ إلى المكتبة الوطنية لطهران ليعتكف فيها سنوات قبل أن يخرج مرة أخرى ليقود ثورة الإصلاح. وليس من شك أن هذه الصورة أثارت لدى المواطن الإيراني الشيعي عاطفة حادة لعلها تفسر ذلك الولع الشعبي بشخصية خاتمي في إيران والذي يصل إلى درجة التقديس. أي أن خطوة المرشد الأخيرة وإن كانت تمثل نجاحاً تكتيكياً للتيار المحافظ, فإنها تسحب من رصيد المرشد وتياره وتضيف إلى رصيد الرئيس خاتمي وتياره. ثمة أمر آخر يفسر نأي الرئيس خاتمي ـ أوعجزه ـ عن استغلال رصيده الشعبي الجارف في مواجهة خصومه, وهو الحالة الاقتصادية المتردية التي تعيشها إيران والتي لم تفلح سنوات العقد الذي أعقب الحرب مع العراق بما فيها سنوات ولاية خاتمي في إيجاد مخرج منها, إذ يرى خاتمي أن في الأدوات والسلطات التي يخوله الدستور التحكم فيها والمناورة من خلالها مندوحة (غنى) عن المواجهة مع المحافظين, وأنه يدرك أن المواطن الإيراني الذي يتعاطف قد لا يبادر التحرك والمواجهة مع السلطات انتصاراً له إذ سأل نفسه (ما الذي فعله خاتمي طوال سنوات ثلاث ؟) , ومن ثم فإن خاتمي يرى في السياسة الخارجية أداة مناسبة لخروج إيران من وضعها الاقتصادي الحالي الذي أسهم الحصار الغربي على إيران في تكريسه, ولعل ذلك يفسر انفتاحه على العالم الخارجي وزياراته الناجحة لفرنسا وألمانيا ومحاولات التقارب مع العالم العربي والولايات المتحدة بأنه يأمل المساعدة في تحسين الوضع الاقتصادي وحل المشكلات المعيشية داخل إيران, مما يزيد في تعريض قاعدته الشعبية ويمكنه فيما بعد من الوقوف في وجه المتشددين. العنف او التهدئة؟ * ثالثاً: سيناريوهات العنف والتهدئة : كان الشباب الإيراني وقود الثورة الإيرانية, ومفجرها الأساسي, بل أن النجاح لم يكتب لتلك الثورة, سوى بعد أن نجح الإمام الخميني وعلماء الدين في استثمار السخط الشعبي الذي تركز في هذا القطاع من الإيرانيين. وفي العام الماضي أعادت الاضطرابات التي قام بها طلاب جامعة طهران و 12مدينة إيرانية أخرى إلى الأذهان أجواء ما قبل ثورة 1979 حيث بدا على وجوه الطلاب نفس ملامح السخط التي أسقطت نظام الشاه إلى الأبد. ثم عاود الطلاب أعمال الشغب والاضطرابات منذ أسابيع في ذكرى انتفاضة العام الماضي, ليؤكدوا على أنهم ـ الشباب الإيراني ـ بانتظار شرارة واحدة لكي يفجروا ما بداخلهم من أحاسيس لم تستطع الثورة بكل شعاراتها, استيعابهم بعد 21عاماًمن انتصارها. وتعد قضية الشباب في إيران قضية بالغة الحساسية, وأي طرف من أطراف المعادلة السياسية يخفق في فهم أبعادها وتجيير هذا القطاع الذي يمثل معظم الشعب الإيراني (أكثر من66% من السكان تحت سن 35سنة) يتأثر على الفور باختلال في المعادلة في غير صالحه. وفي سنوات العقد الأول من الثورة الإسلامية إبان الحرب مع العراق, استطاع رجال الدين تفريغ واستثمار طاقات الشباب الإيراني في الحرب, لذا أظهرت هذه الفئة الأخيرة التفافاً حول الثورة ومبادئها. غير أن جيلاً جديداً من الشباب نشأ في سنوات التسعينيات (نحو 35مليون إيراني ولدوا بعد قيام الثورة) فلم يشهد ويلات حكم الشاه ولم يفلح النظام في توجيهه الوجهة السياسية التي يريدها وبالتالي لم يؤمن كثيراً بالقيم التي نادى بها الإمام الخميني الراحل, وصار يحسب الممارسات الخاطئة لعلماء الدين وجيل الثورة الأول والصراع بين المحافظين والإصلاحيين, على الإسلام ونهج الإمام ونظام الولي الفقيه. ووجد هذا الجيل المحبط ضالته في الشعارات الخاتمية الإصلاحية فصوت لصالحه, وشرع يجهر بصوته منادياً بإصلاحات فعلية جادة, غير أنه لم يلمس لتلك الإصلاحات آثاراً حقيقية على أرض الواقع. ثلاثة سيناريوهات وفي الوقت الراهن يقف المراقب أمام ثلاثة سيناريوهات تصف ما يمكن أن يحدث في الفترة المقبلة: ـ إحدها يؤكد أن انفجار الأوضاع بين المحافظين بمؤسساتهم العديدة وبين الإصلاحيين والشباب الملتف حولهم بات وشيكاً. ـ والثاني يشير إلى أن ذلك الانفجار سوف يطيح بالجميع, بمن فيهم الإصلاحيون وعلى رأسهم خاتمي نفسه. ـ والثالث يؤكد أن ما يحدث في إيران لا يعدو كونه مجرد (زوبعة في فنجان) هذا المصطلح استخدمه مبعوث وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آى إيه) قبيل الثورة الإيرانية لوصف ما يحدث في إيران آنذاك, غير أن الثورة لم تلبث أن اندلعت. وفيما يلي نتناول كلا من السيناريوهات الثلاثة على حدة: * السيناريو الأول : ينطلق هذا السيناريو من قناعة رئيسية بأن الرئيس خاتمي يحصد يوماً بعد يوم ـ بالإضافة إلى شعبيته الهائلة ـ نقاطا عديدة لصالحه, ليس فقط من جراء حسابات التيار المحافظ الخاطئة كتلك التي أقدم بعدها خامنئي على معارضة تعديل قانون الصحافة, ولكن أيضاً لأن موقف خاتمي أكثر انسجاماً من حركة التاريخ. وواقع المجتمع الإيراني يشير إلى نشاط دائب وديناميكية هائلة من قبل الشعب الإيراني, حيث ينخرط الملايين في العمل العام, ويرتفع عدد قراء الصحف باستمرار وتتحول الأفكار إلى طاقات, ويعبر الشباب عن حيوية فائقة, وتضغط النساء من أجل توسيع الهامش .. باختصار يغلي المجتمع غلياناً شديداً, غير أنه لا يجد متنفساً, ويتحرك حركة غير عادية بجميع طوائفه لايوقفها سوء الاصطدام من آن لآخر مع مفاصل النظام التي يسيطر عليها المحافظون, أي أن كل شيء في المجتمع الإيراني يغادر موقعه باستثناء المرشد الأعلى الذي يظل ثابتاً في مكانه. وهذا الوضع يمكن أن يولد انفجاراً يصبح من السهل على الإصلاحيين بزعامة الرئيس خاتمي إذا أحكموا أمرهم السيطرة من خلاله على إيران. * السيناريو الثاني : أذاع رئيس الشئون الثقافية في بلدية طهران سيد محمد عليزام مؤخراً تقريراً خطيراً جاء فيه أن التراجع القيمي في ازدياد مرعب وخطير ينذر بفاجعة, وأن 2مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر, وهو الوضع الذي ينذر ببروز مفاسد انتشرت فعلياً بقوة في البلاد .. حيث ان 86% من التلاميذ لا يصلون, و 75% من الشعب الإيراني (أي نسبة المقترعين لمصلحة الإصلاحيين في الانتخابات الأخيرة) لا يصلون كذلك, وارتفعت نسبة الانتحار 109% عما كانت عليه قبل سنوات, وازدادت نسبة البغاء بين الطالبات بمقدار 635% وأن معدل عمر الفتيات اللاتي يمتهن الدعارة بلغ 20عاماً بعد أن كان 27عاماً قبل سنوات, وتنتشر المخدرات بشدة بين طلبة المدارس, ويبلغ معدل استهلاك المخدرات في العاصمة طهران وحدها خمسة أطنان يومياً. وبالإضافة إلى أهمية وصدقية هذه البيانات والمؤشرات, إذ صورت على لسان رجل مسئول في الدولة وهو في الوقت ذاته رجل دين جاءت ضمن تقرير استبياني إحصائي علمي غير مبني على الانطباعات السريعة المرتجلة أو المغرضة, فضلاً عن أن الخبر نفسه نشر في الصحف الإيرانية ولم يجر تكذيبه أو نفيه, بالإضافة إلى كل ذلك يمكن ببساطة شديدة استنتاج حقائق غاية في الخطورة من ثنايا التقرير, ولعل أخطرها هو ما يمكن أن تؤل إليه الأوضاع إذا استمرت بهذا الشكل: فمن الثابت أن نظام الولي الفقيه استمد في السابق شرعيته من المساندة الشعبية غير المحدودة للإمام الخميني, لكن هذا النظام يعتمد في الوقت الراهن على الشريحة المتدينة التي لا تتجاوز 20% من الإيرانيين وهي بدورها تنقسم إلى اتجاهات ومذاهب عدة, ومحافظين وإصلاحيين, في حين أن باقي الشعب الإيراني لم يعد يقتنع بترديد شعارات الإصلاح الخاتمية التي يصفها الكثيرون بأنها (هلامية) و(فضفاضة) لا تجد لها طريقاً إلى أرض الواقع حتى أن الرئيس خاتمي نفسه يعترف (إذا لم ننجز إصلاحات حقيقية فإننا سنشهد انفجاراً اجتماعيا يهددنا جميعاً) , وهذا الكلام ليس مفرطا في التشاؤم, إذ أن الطلاب الذين تظاهروا مؤخراً في ذكرى انتفاضة عام 1999 رددوا شعارات صريحة تؤكد عدم رضائهم عن أسلوب خاتمي وأن شيئاً من التغيير الذي ينشدونه لم يتحقق, وفضلاً عن ذلك أن (انتخابات خاتمي كانت مجرد بداية في الانتخابات المقبلة نريد رئيساً آخر من غير علماء الدين) وفي الواقع, لا يستطيع الطلاب بمفردهم الإطاحة بالنظام أو حتى إرغامه على تقديم تنازلات كبيرة, والوسيلة الوحيدة التي يمكن للطلاب استخدامها بكفاءة هي قيامهم بدور المؤجج لاحتجاجات أخرى تقودها القطاعات الأكبر في المجتمع مثل العمال والطبقات الوسطى والأعداد الكبيرة من المواطنين الفقراء والعاطلين عن العمل, إذا ما تم جذب هذه القوى إلى المعركة فإن الطلاب وعناصر حزب الله التي تتدخل لقمع أي تظاهرات طلابية سوف يصبحان على الهامش. وذلك يعني نشوء وضع جديد تماماً قد يجد فيه كل من خامنئي وخاتمي نفسيهما وقد تخطتهما الأحداث. وإذا استمر تدهور الحالة الدينية والأخلاقية للمجتمع الإيراني بهذا المعدل, فإن الهامش الديمقراطي المتاح في إيران حالياً سوف يصبح أمام مفترق صعب, فإما أن يتنازل رجال الدين بشقيهم الإصلاحي والمحافظ أمام التيارات العلمانية وهذا مستبعد جداً, وإما أن يضطروا إلى تشديد قبضتهم على السلطة ويقلصوا المساحة الديمقراطية خوفاً من صعود التيارات السياسية العلمانية المعبرة عن الشرائح غير المتدينة, وهو ما سيؤدي بدوره إلى الاصطدام مع تلك الشرائح المتمردة تماماً مثل ما حدث في نهاية عهد الشاه ولكن مع تبديل المواقع, وفي هذه الحالة يصبح الحديث عن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين لامعنى له. رفض العنف * السيناريو الثالث : يستبعد أنصار هذا الاتجاه تحول القوى السياسية في المجتمع إلى خيار العنف استناداً إلى النقاط التالية: أي تطور مهما بلغت درجة خطورته, يظل محكوماً بسقف النظام الجمهوري الإسلامي, وبما تقتضيه المصلحة العليا لإيران, ولذا من غير المحتمل ـ على الأقل في المديين القريب والمنظور ـ أن يمتد الصراع السياسي إلى النقطة التي ينفلت فيها النصاب الإيراني العام نحو نزاع أهلي في الشارع أو باتجاه انقلاب عسكري. والتياران المتنافسان في نهاية الأمر لا يختلفان حالياً على الشعارات التي نادى بها الإمام الخميني الراحل وهي الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية. تركيبة النظام الإيراني لا تسمح بتصاعد الصدام وذلك لتعدد مراكز القوى في البلاد ما بين البرلمان ولجنة صيانة الدستور ومجلس الخبراء ولجنة تشخيص مصلحة النظام ومؤسسة الرئاسة وكلها خاضعة لاختبار الشعب الإيراني, وبالتالي فإنه حتى في حالة وجود رغبة شعبية حقيقية في التغيير فإن العباءة الدستورية تتسع للجميع. الصراع الحالي بين التيارين الإصلاحي والمحافظ ليس من نتاج عام 2000 ولا حتى من نتاج عام 1997 (تاريخ وصول الرئيس خاتمي إلى الرئاسة), وإنما بدا منذ 12 عاما تقريباً وفي أثناء وجود الخميني نفسه. ولما كان البرود و(طول النفس) من مكونات الشخصية الإيرانية, والصراع قد بدأ منذ 12عاما اولايزال يتفاعل داخل المربع الأول, فإن ذلك يدفع إلى استبعاد فكرة حسمه خلال السنوات القليلة المقبلة. رغم التطورات السياسية وجو الحرية النسبي الذي تشهده البلاد منذ جاء الرئيس خاتمي إلى الحكم, وكذلك رغم شعبيته الجارفة, فإن المرجعية الدينية التي يؤمن بها جميع أفراد الشعب الإيراني لم تتأثر, وهو ما يعمل على حفظ التوازن في الصراعات السياسية الحالية والمقبلة حتى لو اعتلت شعبية المحافظين أكثر. وفي المقابل فإن التيار الإصلاحي هو الآخر ليس بالقوة التي يبدو عليها, وكل ما في الأمر أن الشعب الإيراني يصوت لصالحه الجولة تلو الأخرى حباً في الرئيس خاتمي, بل أن معظم المحللين يتفقون على أن هذا التيار أصلاً يتميز بضعف التماسك ـ على عكس التيار المحافظ ـ وأن 50 فقط من مجموع 290نائباً في البرلمان يمكن اعتبارهم (إصلاحيين جادين) على المدى الطويل. أما البقية فهم ليسوا من النمط المستعد لخوض غمار مجازفات كبرى لدعم أي إصلاح . معظم الأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام عن طبيعة التفاعلات السياسية في إيران مستقاة من مراسلين لوكالات الأنباء الغربية يصرون على تقديم صورة مبالغ فيها ولا تتسم بالمصداقية الكاملة على عكس طبيعة الأحوال داخل إيران والتي لا تعدو كونها مجرد نوع من الحيوية المجتمعية الطبيعية التي يتسم بها أي مجتمع في العالم. وهكذا كان المشهد الإيراني يسفر في النهاية عن صور شتى أقربها للواقع أن هناك مرشداً أعلى ورئيساً للجمهورية يتمتع كلاهما بشعبية تصل إلى حد القداسة, وتيارين سياسيين أحدهما محافظ يدين بالزعامة للمرشد الأعلى وليس مكروهاً وليس سيئاً بالدرجة التي يبدو عليها , والآخر إصلاحي يدين بالزعامة لرئيس الجمهورية وليس محبوباً وليس متماسكاً بالدرجة التي يبدو عليها.