يتحدثون عن فرصة السلام الاخيرة, كلينتون وباراك وقادة عرب واوروبيون وبعض الفلسطينيين. ويكررون الحديث ويعودون عليه (فرصة السلام الاخيرة) ويتحدثون عن مواقيت يحددونها هم, ويشيعون اجواء وكأن السلام في متناول اليد, وان الطرفين باتا منه على مرمى عصا وكل ما في الامر قليل من المرونة والجرأة, وحين يتحدثون عن المرونة والجرأة يحصرونهما في الطرف الفلسطيني من معادلة الصراع وفي الرئيس عرفات شخصيا. من الواضح اننا لا نتوقع شيئا آخر, مختلفا من كلينتون وباراك فهذه فرصتهما الشخصية الاخيرة, وليست فرصة السلام الاخيرة, فرصتهما في تحقيق ما لم تحققه النكبة قبل 52 عاما ولم تحققه حرب 1967 العدوانية ولا الاجتياح الذي استهدف لبنان حركة وطنية ومقاومة في العام ,1982 ولم يكن في مقدور مدريد وأوسلو انجازه. باراك وكلينتون, حين يتحدثان عن (فرصة السلام الاخيرة) لا يعنيان ما يقولانه حقا وفقط السذج هم الواهمون او المتصورون انهما جادان في هذا الحديث. فالسلام ليس مجرد رغبة او امنية او تعويذة يرددها كلينتون وباراك عشية ازفت ساعة رحيلهما عن مواقع القرار والحكم. وليس السلام مسألة عديمة فحوى ومضمون ومقومات او عديمة شروط, فللسلام شروطه ومقوماته ومضامينه. وهذا ما يدركه كلينتون وباراك جيدا لكنهما يتعاملان مع مسألة السلام, ومع حقوق الآخرين انطلاقا من عقليتهما ومصالح الانظمة التي يمثلانها في الولايات المتحدة واسرائيل ومن فهمهما لطبيعة العلاقة التي يجب ان تسود بين الاقوى (عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا) وبين الاضعف الذي هو في هذه المعادلة شعب فلسطين, ويتصوران انهما قادران على فرض سلامهما على الآخرين بالكلام المعسول والحديث عن المرونة والجرأة من جهة, والتلويح بالتهديد العلني والمبطن من جهة اخرى. ولا نستطيع فهم الترديد الممجوج (لفرصة السلام الاخيرة) الا كشكل من اشكال التهديد المبطن .. ان لم تقبلوا بما نطرحه عليكم من مشاريع وافكار فلن يكون السلام وستضيع فرصته الاخيرة. من نافل القول التأكيد ان السلام شرط حياتي ووجودي لشعوب عالمنا الواسع ولشعبنا الفلسطيني. وقد ابدى شعبنا الفلسطيني وحركته الوطنية كل جرأة ومرونة في السعي لتحقيق السلام القائم على العدل والانصاف, وقدم في سبيل ذلك الضحايا كوكبة تلو كوكبة, وخسر اجيالا من شبابه الذي لم يتردد في الاستشهاد دفاعا عن حقه في الحرية والسلام, فلا سلام بدون حرية, ولا سلام في وطن يتهدده الاحتلال ويحاصره العسكر ويقتله الجوع. والشعب الفلسطيني مثل كل الشعوب تواق للسلام الذي فيه خلاصه وحريته وامنه وازدهاره. وقدم في سعيه للفوز بهذا السلام الكثير الكثير من التنازلات الموجعة, لكن ما نشهده اليوم, وما نعيشه منذ مدريد وأوسلو لا يشكل فرصة تاريخية للسلام, وما كان قبل الكامب الثاني وما جاء بعده لا يشير الى ما يمكن وصفه بالفرصة التاريخية للسلام, فمقومات هذا السلام وشروط التسوية القائمة على العدل والانصاف ليست جاهزة ولا متوفرة وليس هناك ما يشير الى نوايا طيبة في مواقف ومشاريع كل من كلينتون او باراك, نقول هذا ونحن على قناعة ان فرصة السلام التاريخية قادمة, لكنها الآن ليست متوفرة ولا قائمة واذا لم يحدث شيء الآن, ولم تنجز قمة ثلاثية ولم تتحرك المفاوضات في اكتوبر المقبل وبعده, واذا تعقدت الامور واكفهرت الاجواء وارتفعت جلبة التهديدات, ورحل كلينتون وخسر باراك فرصته في فرض ما لم ينجح في فرضه من سبقوه على شعب فلسطين وحركته الوطنية, واذا استحق الثمن والتضحيات, فشعبنا الفلسطيني لم يخسر فرصة السلام الاخيرة, لانها لم تكن قائمة ولم تسنح, ولا اظنه سيخسر اكثر مما خسره حتى الآن. واذا كانت هناك ثمة حاجة للمرونة التي يجب التحلي بها فلسطينيا, فهي مرونة المناورة والحركة كي نجنب شعبنا ما يخططون له. واذا كان ثمة حاجة للجرأة التي يجب التحلي بها فلسطينيا شعبا وقادة وطنيين فهي الجرأة في الصبر والمرابطة والتشبث بالحقوق والثوابت وبالامل في ان السلام المشروط بالحرية الحقيقية, السلام المشروط بالامن الحياتي والاقتصادي والكرامة الوطنية, هذا السلام سيحين اوانه وستأتي فرصته التاريخية حقا. وقد يتطلب سنوحها ومجيئها جولات جديدة من الصراع وثمنا يبدو انه لابد منه, والجرأة المطلوبة في ادراك هذا والاعداد له. بقلم: د. عزمي بشارة