عشر سنوات مرت منذ انتهاء الحرب الباردة, وانهيار جدار برلين وحرب الخليج, هذه التحولات الاستراتيجية الامريكية تنحرف باتجاه 180 درجة من اقصى الدبلوماسية والحرب السرية, ومحاولة تحسين صورتها في العيون الى اقصى التهديد بالقوة التي اصبحت تنفرد بها دون منازع. سياسة الامن الامريكي التي فرضت نفسها على برامج الرئاسة الامريكية الحالية والقادمة على حد سواء, تشبه سياسة الامن الاسرائيلي, وتدعنا نستغرب ان تشعر أمة مثقلة بالسلاح الاستراتيجي الفتاك والمتفوق على كل العالم بالخوف من امم ضعيفة. سيناريوهات كثيرة طرحت تحدثت عن اشرس معركة قادتها اعظم دولة في العالم ضد دولة صغيرة تقصدت عرى قوتها ماعدا نفطها, ولم تخجل هذه السيناريوهات من وصف اهداف هذه المعركة .. (اعادة استعمار العراق بشكل حديث والسيطرة على منابع النفط) . وايضا لم يخجل كثير من الموظفين الرسميين الامريكيين من الافصاح عن (ان الحرب التي قادتها امريكا كانت لحماية 20% من بترول العالم, ولو لم يخطىء صدام, لجررناه الى الخطأ, او لافتعلنا حربا تجعلنا ننغرز هناك) . ويدرك الجميع ان لامريكا اهدافا ومصالح مثلما يدركون انها ومع سعيها المحموم لتمكين اسرائيل من المنطقة, تسعى للحصول على استقرار اكبر لقواتها وقواعدها في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي. في حمى هذا السعي تنطرح سيناريوهات كثيرة تتعلق بمستقبل العراق, منها ماهو معلن ومنها ماهو سري, والاثنان معا تروج لهما اجهزة الاعلام الامريكية والغربية .. فما هو مستقبل العراق في برامج مرشحي الرئاسة الامريكية, وفي اطار التطورات التي تحيق بالمنطقة واحتمالات تداعي التحالفات الدولية التي انعقدت بعد انتهاء الحرب الباردة؟ وكيف يمكن ان نقرأ وضع العراق الحالي بتداعيات اسباب استمرار الحصار عليه؟ سياسة ثابتة يجمع الكثيرون على ان السياسة الامريكية تجاه العراق لن تتغير, فقلما شهدت الاشهر الاخيرة مؤشرا ايجابيا على عكس ذلك. وكما هو معروف ان سياسة واشنطن تجاه العراق تهدف لاحتوائه سياسيا واقتصاديا, وهو ما أثار ويثير انتقادات كثيرة لم تلتفت اليها امريكا مما دفع البعض الى توقع الاسوأ لمستقبل العراق خاصة بعد الانتخابات الامريكية التي يشير المراقبون الى انها الاشد تنافسا.ورغم ان طبول الحرب ضد العراق خفتت في الاعلام الامريكي منذ ضربة ,1998 لكنها عادت فعلت اصواتها في الاسابيع الاخيرة, وربما ستعلو اكثر كلما تقدمنا نحو يوم الانتخابات الامريكية الحاسم. ورغم ان واشنطن قادت حملات لاسقاط الحكومة العراقية واعادة استعمار العراق, لكن الواقع يشير الى عدم تمكن واشنطن من تحقيق هذين الهدفين في الوقت الحالي, ولاسباب كثيرة. شهدت الاشهر الثلاثة الاخيرة تحركا دبلوماسيا امريكيا كان لاعبوه ثلاثة مسئولين كبار في مجلس الامن القومي الامريكي وهم: مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية ووليام كوهين وزير الدفاع الامريكي ومارتن انديك مساعد وزيرة الخارجية الامريكية. الفرسان الثلاثة تواتروا واحدا تلو الاخر لزيارة الدول العربية واسرائيل, وجميعهم سعوا لتجميع رأي موحد في خطة امريكا ودعم حملتها ضد العراق. ورغم ان امريكا تحظى بموقع ومعاملة متميزة في المنطقة العربية في السنين العشرة الاخيرة لكنها, لم تستطع ان تحشد ما يكفي من الاصوات العربية لضرب العراق او تقسيمه, فقد رفض الجميع اصدقاء واعداء ذلك. يقول ريتشارد بيكر مساعد مدير المكتب الاقليمي الغربي للجنة العلاقات الدولية: كان خيار امريكا الوحيد ان تعود العرب والعالم على منطقتين مقطوعتين من العراق فرضت عليهما حظر الطيران, وعولت على اعتياد الجميع على سماع اخبار عن قتلى وجرحى في العراق يوميا ليتركز في الاذهان حق امريكا في قتلهم وفي تدمير العراق, وكأنهم ليسوا بشرا, تهيئة لما سيأتي من خططها) . ويرى جورج جي تينيث مدير المخابرات المركزية الامريكية في تقريره الذي قدمه للكونجرس في الثاني من فبراير مطلع هذا العام ان (امريكا لم تقصر في حق الشعب العراقي فهي سمحت ببرنامج الغذاء والدواء مقابل النفط لمساعدة هذا الشعب وتحسين حالته المعيشية في بغداد. ويقرأ تينيث الوضع في العراق ومن منظور الولايات المتحدة الامريكية الاستراتيجي: (يواجه صدام حسين بداية صعبة في العام الاخير وهي تتضمن من ضمن ما تضمنته القلاقل التي يثيرها الشيعة في الجنوب والمشاكل الاقتصادية الخطيرة) . ويضيف (هذه القلاقل الشيعية, لم تقتصر على الجنوب لكنها اثرت ايضا على بعض المناطق في بغداد نفسها لتضع نظام صدام بمواجهة مشاكل امن رئيسية, ولذا عمد من اجل كبح التضخم واستقرار الدينار وتخفيض العجز في الميزانية الى فرض زيادة الضرائب وخفف سيطرة حكومته على تصديق العملات فانطلقت (بالسوق السوداء) اضافة الى انه قلص مصاريف كثيرة من الرواتب العامة) . وجهة النظر الامريكية هذه تستند الى سياسة ثابتة وجهت بها آلتها الاعلامية طيلة عقد من الزمان, وهي لا تزال تردد نفس الكلمات مثل: (لقد اظهر صدام نفسه كأنه ذكي سياسيا بما يكفي لمواجهة التحديات فقمع بقسوة انتفاضة الشيعة) ولم يجب تينيث على سؤال احد اعضاء الكونجرس الذي رد عليه (ولماذا لم يحم الجيش الامريكي هذه الانتفاضة التي اقمناها نحن) ؟ طالما كان هذا السؤال بلا جواب, وطالما غامت رغبات امريكا فيما يتعلق بالرئيس العراقي نفسه فهي تدعم جهودا سرية وتنشىء وحدات ومراكز استخباراتية وفرقا مدربة لاغتياله وحالما تقترب ساعة الصفر تعلن لكوادرها المتورطة في الموضوع انها لا علاقة لها اذا ما القي القبض على احدهم. حرب ( السي. آي. إيه) وفي كتاب حمل عنوان (حرب السي. آي. إيه ضد صدام) تحدث جنرال عن محاولة اغتيال تناقلتها فيما بعد الصحف الامريكية قبل غيرها, قال الجنرال (اتيح لنا ان ننشىء مراكز استخباراتية ومساكن لفرق مدربة قامت بدورها على تدريب الاكراد, وعندما وجدنا ان الاكراد لاينفعون. عملنا على تهيئة ملابس كردية لافراد قواتنا ليبدو الامر كأنه اغتيال عراقي) . واضاف (اجتمعنا بممثل عن ايران في فندق الخضراء في تكريت نفسها وشكل ذلك تحديا لاجهزة صدام حسين, لكن الايراني قال لنا لن تنجحوا, في الوقت عينه الذي وصلتنا رسالة من واشنطن تبلغنا بانها تنحت عن الموضوع ولن تمول اي شيء واذا ما اردنا ان نقوم بالعمل فهو مسئوليتنا نحن) . ويكمل الجنرال في كتابه قائلا: (كانت دهشتي كبيرة اذ كيف عرف الايراني توجسات واشنطن وعندما سألته قال بكل برود وبابتسامة: ان صدام يعرف ما تفعلون وواشنطن تعلم هذا, قلت له كيف قال: اسأل حكومتك عمن ابلغه) . كانت هذه الاسئلة على ألسنة كثيرين وأتيح لنا ان نلتقي احدى الشخصيات الامريكية التي زارت دبي (السفير روسكو سودارت), وفي حديث جانبي سألناه: اذا كانت امريكا تريد التخلص من صدام حسين فلماذا لم تفعل وقد كانت القوات قريبة جدا منه وكان بامكانكم ذلك؟) . ـ قال: (السيد بوش لم يرد ذلك) . * قلنا: لماذا؟ ـ قال: لا اعرف توجهات الرئيس السياسية, ولكني اعتقد انه لم يوجد بديل له. شوارتسكوف نفسه عندما سئل لماذا لم تدخل بغداد وقد كان بامكانك دخولها؟ قال لان القيادة السياسية رفضت ذلك ولم توفر لنا دعما. كثيرة هي المتناقضات في سياسة امريكا تجاه العراق وهي تجعل المحللين يعزونها الى حد ثلاثة امور: * الاول: ان الولايات المتحدة تتذبذب في هذه السياسة لانها لاتريد ان تخسر مصالحها ودعم الرأي العام فهي تضرب وتمسح الجرح, لكنها تمسحه بالملح لتؤجج ألمه, بينما تحاول ارضاء حلفائها العرب بعدم المساس بالسيادة العراقية. * ان امريكا تدعم صدام وبينها وبينه اتفاق سري وهو بسياسته هذه مكنها وفق خطة مرسومة من تركيز اقدامها في المنطقة. * ان امريكا تخفي وراء هذا التذبذب المقصود اظهاره خطة خفية بعيدة عن الأعين تسير جنبا الى جنب مع عمليات التسوية الجارية في المنطقة ومع عمليات اعادة تقسيم المنطقة التي تضمها لجنوب اسيا وفقا لمصالحها الجديدة. وبالطبع فان التحليل الاخير هو الاقرب للتصديق وهو الاسلم اذا أمعنا فيه, فامريكا فعلا (تؤقلم) المنطقة بسياسة بلقنة تساندها فيها اسرائيل وهي التي تشعل حربا خفية باردة بين امريكا واوروبا على المصالح .. فما هو المقصود باقلمة المنطقة والبلقنة؟ استراتيجية تقطيع الاوصال تحدث الى صحيفة (ديلي ملليث) التركية دبلوماسي امريكي مسئول عن التغيير في العراق اسمه فرانك ريتشياردون عن التغيير في العراق وعن الخطط الامريكية وعن مسئوليته في خطة تطيح بالنظام العراقي. قال ريتشياردون: (تتوقع واشنطن انقلابا مفاجئا في العراق) , وسئل الدبلوماسي الامريكي عما, اذا كانت خطته لا تقود الى تجزئة العراق وقيام حرب اهلية هناك فكان جوابه: (بالكاد يعتبر العراق موجودا فالحظر الجوي الامريكي يقسمه الى ثلاثة اقسام هي الشمال والوسط والجنوب) . الصحف التركية وغيرها عربية تناقلت تقارير عن الولايات المتحدة كشف فيها ان الاخيرة (سمحت لتركيا بادارة الشمال العراقي وهي اكبر منطقة للاكراد في المنطقة والهدف كي تمنع امريكا وتركيا معا قيام دولة كردية مستقلة) . الدبلوماسي الامريكي اوضح الى جانب تقارير كثيرة تسربت وهي ليست بالجديدة ان الولايات المتحدة فرضت حظر الطيران بنية ان تجعل هذه المناطق المحظورة دائمة للحظر لممارسة فعالياتها فيها, وبكلمات اخرى ان امريكا لا تستطيع ان تفكر بقيادة انقلاب ضد صدام او الاطاحة بالنظام العراقي لكنها تدفع الى ذلك) . التقارير الامريكية التي نشرت في صحف كثيرة وعلى الانترنت اوضحت نقلا عن مسئولين امريكيين كثر ليس آخرهم هذا الدبلوماسي انه: (ليس هناك شك على الاطلاق في نية الولايات المتحدة على تدمير العراق تماما وطرد الشعب برمته ووضع مصير المنطقة كلها على طريق الخراب) . واكبر شاهد على سيناريو (استراتيجية تقطيع الاوصال) هو استمرار الضرب الامريكي والبريطاني بشكل مستمر او يوميا تقريبا على شمال وجنوب العراق والهدف هو تدمير تدريجي (لامكانية الدفاع العراقية) ومحاولة تعويد المنطقة المحيطة بالعراق اضافة للعراق على مثل هذه الطلعات وكأنها أمر روتيني وحق امريكي. وتشير المخططات الامريكية الى اهداف الولايات المتحدة المعلنة والتي تهدف الى انهاء السيطرة العراقية الحكومية على الشمال والجنوب, ويقول ريتشياردون: (هذه المناطق تضم معظم احتياطي النفط العراقي الضخم, ويفترض ان يلي عملية قطع الشمال والجنوب عن السيطرة الحكومية العراقية دخول المعارضة العراقية وهم قوة تتألف من عشرة الاف رجل يدربون تحت اشراف الولايات المتحدة وسيدخلون بغطاء جوي امريكي سيرافقهم الشخصيات السياسية المعارضة الموجودة حاليا في الخارج والتي ستشكل حكومات صورية في الشمال والجنوب, وهي القاعدة التي تهيئها امريكا لتعلن بعدها حكومة الجنوب ذاتية تابعة وأخرى في الشمال ذاتية تابعة لتركيا كما اسلفنا وهو ما تستعجله واشنطن. وبعد سيطرة المعارضين على الشمال والجنوب يرفع الحصار عن الشمال والجنوب وترفع معه المقاطعة الاقتصادية وتستلم حكومتا الشمال والجنوب الموجودات العراقية المجمدة في الخارج وتسيطر امريكا بواسطتهم على حقول النفط. ويستمر عرض الخطة (القوات المعارضة او كما تسمى بجيش التحرير وفق بعض الوثائق الامريكية ستوجه هجومها المفترض ضد القوات الحكومية العراقية وتحاول اجتذاب وحدات الجيش الى جانبها كما تأمل واشنطن في انهيار نظام بغداد) . ويرى المحللون ان ما يؤكد هذه الخطة ان الشخصيات الامريكية الرسمية جالت في منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية للحصول على دعم لهذه الخطة لكنهم فوجئوا بان (دولا كانت معادية للعراق رفضت بقوة تجزئة العراق وأوقفت جميعها انتقادها لحكومة بغداد) حتى جاء الخطاب الاخير وفجر الامر مرة اخرى. والدول التي عولت امريكا الحصول على دعمها ترى ان انقسام العراق قد يهدد الاستقرار المتزعزع اصلا في المنطقة وهو ما يقلق حكومات الدول المجاورة للعراق, لان هذا الانقسام او التجزيء سيبقي في كل احواله الاقدام الامريكية متغرزة في المنطقة. وحيث ان الولايات المتحدة لن تستطيع الحصول على موافقة جميع الدول على استراتيجيتها في تقطيع الاوصال فهي تعمل علي الخط الثاني من مخططها وهو وفق محللين امريكيين : اكثر نفعا, ويعتمد هذا الخط الثاني على (تجزئة الاجماع الى فئات صغيرة مع تنمية عامل الخوف, بمعنى تقطيعهم الى قطع صغيرة خائفة ومذعورة يمكن السيطرة عليها بسهولة بدعوى الحماية وأكبر مثال على ذلك الاتحاد السوفييتي السابق ويوغسلافيا) , وهو سيناريو بدأت تطبيقه فعلا بعد ضربة سبتمبر عام 1998 وقد سمي باستراتيجية (حرب الضد) . المبررات التي تستند اليها الولايات المتحدة وردت في تقرير مدير الاستخبارات المركزية الامريكية تينيث: (النظام العراقي مازال يحصد بعض العوائد من مبيعات النفط غير المشروعة او لنقل المهربة, ونحن نعرف جميعا ان زيادة برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء حسن حالة المعيشة في بغداد وما تدعيه بغداد غير صحيح, والقلق الرئيسي هو اعادة البناء العراقي للقطاعات التي دمرت خلال عملية (ثعلب الصحراء) . ويضيف (اذا استمر العراقيون في هذا البناء وهو اولوية بالنسبة للرئيس العراقي فهذا يعني ان صدام سيعيد بناء نظام دفاعي صاروخي ويكفي ان نتذكر ان الجيش العراقي الرسمي بقي احد اكبر الجيوش في المنطقة حتى مع تقليص حجمه الى النصف خلال حرب الخليج وهو لا يزال قادرا على ايذاء قوات التحالف ولكن نعرف جميعا ان قدراته وخياراته محدودة ونحن نريدها بالطبع معدومة) . ويرى تينيث: (ان الرئيس العراقي يستمر في تحديه لمناطق حظر الطيران وهي ستبقى طرقه الوحيدة الساندة لسياسته من اجل اشغال قوات امريكا وبريطانيا ومنعهما من تحقيق الاهداف) . ويذكر تينيث: (باختصار ان صدام في حال نجاحه فما زالت لدينا تكتيكات كثيرة, فهو مازال في قعر الممر, بنيته الاقتصادية مستمرة بالتدهور والتلف, وساكنو الشمال من الاكراد بقوا خارج قبضة جيشه, ورغم ان العديد من الحكومات تتعاطف مع معاناة الشعب العراقي, فالقليل منهم ـ ان وجد ـ يرغب بالتحالف مع العراق) . موقف الرئيس الجديد ايا كان الفائز في انتخابات الرئاسة الامريكية في نوفمبر المقبل فهو بالتأكيد لن يغير سياسة واشنطن الصارمة تجاه العراق, ونلمس في خطابات وتصريحات وبرامج المرشحين الرئاسيين آل جور وجورج بوش الابن نفس الاهداف الاستراتيجية الامريكية المسماة بـ (الاحتواء الاقتصادي والسياسي) , وهي تثير انتقادات كثيرة. في حملتيهما الانتخابيتين هاجم المرشحان رئيس العراق لكنهما لم يشيرا ابدا الى اي تغيير في سياسة واشنطن حسب محللين امريكيين. ونجد ان المراقبين يقرأون الامر كما يلي: اذا ماوصل الجمهوريون للحكم فان بوش اعلن نيته على انفاذ خطط تقسيم العراق ومنح بعض اطراف المعارضة حكما ذاتيا, ويشيرون الى ان بوش تعامل مع قضية العراق بداية باختياره ديك تشيني مرشحا لنائب الرئيس وهو من كان وزيرا للدفاع اثناء حرب الخليج في عهد ابيه جورج بوش.وتشيني اعرب منذ البداية عن شكوكه في فعالية العقوبات ورغم ذلك فلا يتوقع ان تغير واشنطن سياستها, ولن تخفف من موقفها تجاه الرئيس العراقي.ويختلف المرشحان جور وبوش بشكل رئيسي على (كيفية الاطاحة بصدام حسين) , فبوش وفريقه يبدون اكثر انفتاحا على مبادرات قوية, ربما تشمل تسليح المعارضة, بينما يرى جور ان الاستمرار في عزل الرئيس العراقي يؤدي الى سقوطه وهو منهجه. ويمكن ان نشير الى ان جور قال في حملته الانتخابية: (لقد فضلت استنفار كل الوسائل الخارجية لحرب العراق وضربه عام 1998 عندما تحرك كلينتون لتخفيف الصراع) مشيرا الى انه جر بريطانيا للمشاركة (ليبدو الامر وكأن هناك تعددية, فمجلس الامن لم يحبذ اي فعل عسكري ضد العراق منذ انتهاء حرب الخليج وما تلاها) . ويقول جور: (ان العراقيين قد يكونون مرة اخرى ذخيرة حية لمدافع السياسة الامريكية) . الدوائر الامريكية كثيرة, تلك التي تتابع العراق وما رشح منها تذكره ساره فلوندر من (وكالة العلاقات الدولية) فتقول: (من الواضح ان الهجوم الرئيسي سيحدث قريبا, وعلينا ان نكون مستعدين لتحريك المعارضة ضد العداء المتزايد للخطة الامريكية) . وثائق الامم المتحدة تشير على سبيل الذكر ان فرق اونسكوم السابقة ضمت اكثر من 9 الاف مفتش دولي وأي من هذه الفرق لم تجد اية اشارة او علامة على نية العراق العدوانية او وجود اسلحة مخفية, ومنذ عام 1998 طارت اكثر من 21 الفا و 600 طائرة حربية مقاتلة بريطانية وامريكية في الفضاء العراقي, واعترف البنتاجون انه (لا توجد علاقة استراتيجية بين عدوان العراق على الكويت, والهجمات الانتقامية التي تشنها طائراتنا اليوم) وهو كما هو معروف فرض حظر جوي وطلعات جوية لم يصدر بها اي قرار من مجلس الامن الذي بقي ساكتا على فرضها بلا شرعية دولية. المحللون الامريكيون يرون ان الرئيس القادم ـ ايا كان ـ سيطلب استعراضا للموقف ليحدد الخطوات التي يمكن اتخاذها, لكن الاثنين سيبحثان وضع المعارضة في المنفى وهل تستطيع اسقاط صدام) . الجمهوريون يتهمون كلينتون بان سياسته اثارت عداء حلفاء الامس وفشلت في الحيلولة دون قيام العراق باعادة بناء اسلحته النووية والكيماوية والبيولوجية. وفي العالم العربي والامم المتحدة وقفت واشنطن ـ في عهد كلينتون ـ في قفص الاتهام بسبب معاناة شعب العراق وخاصة الاطفال من الجوع والمرض نتيجة للعقوبات, بينما يصر مسئولون امريكيون على ان بغداد لديها (موارد كافية اذا احسنت استخدامها) . الجمهوريون يرون ايضا ان المجلس الوطني العراقي ـ وهو تحالف للمعارضة يمكن ان يكون نواة تمرد داخلي ويطالبون بزيادة دعمه ماليا, ودعا مستشارو بوش الى انتزاع اجزاء من العراق ومنحها حكما ذاتيا وبمساعدة عسكرية امريكية يمكن ان تكون نقطة انطلاق ثورة ضد حكومة بغداد. لكن جور والديمقراطيين يرون ان ذلك, وفق مصادر كثيرة, حل غير عملي, لانه يتطلب تأييدا من دول مجاورة وهو غير متاح بجانب التزام عسكري امريكي ضخم صارت تكاليفه ضخمة, والديمقراطيون بعد ذلك يتهمون الجمهوريين في هذه القضية (الاسلوب الجمهوري تنقصه الواقعية) . بقي ان نشير الى ان برنامج (ستين دقيقة) الذي تعرضه شبكة تلفزيون س عرض مطلع هذا العام لقاء بخبراء امريكيين ذوي مناصب رسمية قالوا بشكل مؤكد ان (مانستخدمه من اسلحة في العراق ويوغسلافيا عبارة عن اطلاقات تحوي يورانيوم منضب وهو عبارة عن نفايات تنتج عن عمليات تخصيب اليورانيوم تعبأ في اطلاقات, وهي تذيب المدرعات, القي منها اكثر من 600 الف قذيفة وهي عبارة , بشكل ادق, عن نفايات نووية مشعة وفعالة تركت في العراق بعد حرب الخليج وما زالت تستخدم في الطلعات الجوية اضافة الى عدة اطنان من غبار اليورانيوم المنضب ومثلها استخدمت في يوغسلافيا. اخيرا يمكن ان نتوقع ان العراق ذا البيئة المدمرة والخربة والذي يتعرض اليوم لشتى الاعاصير منها: ترابية تنثر غبار اليورانيوم المنضب المتروك على شعبه, ومنها دعائية سياسية لتمزيقه, كان هدفا للاستراتيجية الامريكية حتى لو لم تقع حرب الخليج ويكفي ان تتذكر قول احد المسئولين الامريكيين: (حتى لو لم تقع حرب الخليج لكنا قد افتعلناها) , انها العولمة, واعصارها النووي, وما يحدث في العراق ليس بعيدا عن عمليات (التسوية في المنطقة) والتي تعني فيما تعنيه (اعادة رسم المنطقة وفقا للمصالح الامريكية) . لهيب عبد الخالق