اصدر والي الخرطوم الدكتور مجذوب الخليفة يوم الاثنين الموافق 4/9 قرارا بمنع عمل النساء في صرف الوقود بمحطات الخدمة او في تقديم الخدمات بالفنادق والمطاعم والكافتيريات ونحوها عدا خدمات الاسر, ودعا الى الاستفادة من هؤلاء العاملين بواسطة المخدم في مهام اخرى, وقال الوالي ان القرار يأتي في سياق سعي الدولة لتكريم المرأة وصيانة كرامتها بما يتماشى مع التوجه الحضاري, وما ان نشر القرار في صحف اليوم التالي حتى انهالت ردود الفعل المعارضة والغاضبة ضد القرار من كل الجبهات بما فيها جبهة النظام الحاكم! فقد انتقد القرار وندد به كل من الاتحاد العام للمرأة السودانية (الموالي للحكومة), والاتحاد العام لنقابات عمال السودان (تسيطر عليه الحكومة), والحركة السودانية المركزية (حسم) وهي من احزاب التوالي, وقطاع المرأة في حزب الامة, والمجموعة السودانية لحقوق الانسان التي يقودها المحامي غازي سليمان, وعدد من القيادات النسوية لاحزاب اليسار مثل سعاد ابراهيم احمد ومحاسن عبدالعال. اما وزارة العدل فقد انتقدت القرار في رزانة تليق بها اذ قال وكيلها ان الوزارة ستعمل على معالجة قرار الوالي في اطار النصوص الدستورية والقانونية, وجاء في الانباء ان القطاع الثقافي في الحزب الحاكم طلب من الامانة العامة مخاطبة والي الخرطوم بخصوص قراره, وتكاد كل صحف الخرطوم تجمع على التنديد بالقرار. يذكر المهاجمون لقرار الوالي انه يتعارض مع دستور البلاد الذي يساوي بين المرأة والرجل في الاهلية لحق العمل, وانه يمثل انتهاكا لحقوق الانسان كما جاءت في المواثيق الدولية, وان البلاد تعاني من حالة فقر وبطالة تضطر النساء للعمل في كل عمل يتاح لهن, وان المهن المذكورة لا تتنافى مع الآداب العامة, وان قرار الوالي لم يخضع لدراسة او تشاور داخل اجهزة الدولة.والهجمة على القرار بهذه الضراوة تستحق وقفة تساؤل. لماذا كل هذه الحملة على قرار لا يؤثر الا على بضع مئات من النساء هن اقل بكثير ممن شرد في بعض المشروعات والمؤسسات الكبيرة مع ان القرار اكد على عدم تشريد العاملات في تلك المرافق؟ احسب ان السبب في تلك الهجمة ذو شقين, شق ديني وآخر سياسي. الشق الديني يمس مضمون القرار لان الوالي يريد ان يقول لنا بصورة غير مباشرة ان الشريعة الاسلامية لا توافق على عمل النساء في مثل هذه المرافق العامة, وهذا ما رمز اليه بقوله ان القرار (يتماشى مع التوجه الحضارى) للدولة. فالقرار يثير قضية هامة هي كيفية تنزيل نصوص الدين في واقعنا المعاصر, فالمعلوم انه ليس هناك نص في القرآن او السنة يمنع المرأة ان تعمل في هذه المرافق المستحدثة, ولكن هناك نصوص تحض على عدم التعرض للفتنة, ونجد اتجاهات متفاوتة عند العلماء في تفسير تلك النصوص فمنهم من يتشدد في ذلك ومنهم من يتساهل ولعل الاستاذة اميرة الطويل عضوة المكتب السياسي لحزب الامة عندما قالت ان هذه لطالبان اخرى قصدت التخوف من التفسير المتشدد لوظيفة المرأة في المجتمع الذي عرفت به حركة طالبان الافغانية. وان كانت الدولة جادة في تنزيل نصوص الدين على واقع المجتمع فينبغي ان تكون هناك هيئة مسئولة مختصة تلم بمعرفة النصوص ومقاصدها وبواقع المجتمع الثقافي والاجتماعي بل وبآثار التطبيق داخليا وخارجيا وهي التي تفتي في كيفية تطبيق التعاليم والاحكام الدينية في واقع الحياة, ولا يترك الامر لكل مسئول يفعل ما يشاء . ولا يصلح والي الخرطوم ان يفتي في هذه المسائل لا بحكم وظيفته ولا بحكم تخصصه, ولكن لعله فعل ذلك لان الدولة لاتأخذ بجدية ما استحدثته من اجهزة: مجمع الفقه الاسلامي ومساعد رئيس الجمهورية للتأصيل. ويقع في دائرة المغزى الديني تحديد الاسبقيات التي تستحق التصدي لها من اجل تطهير المجتمع ومن اجل صيانة المرأة وحفظ كرامتها, ان الذي يشق شوارع العاصمة ليلا بعربته يشهد مناظر مؤذية يندى لها الجبين فلماذا لا يبدأ والي الخرطوم بتطهير هذه المناظر اولا قبل ان يتأول الفتنة في بعض اعمال النساء بالمرافق العامة. وهناك حال الفقر المدقع التي يعيشها كثير من الناس والتي تدفع الى المنكر من الافعال ولا تكاد الدولة تفعل شيئا ازاءها, بل ان الدولة تلتهم اكثر من نصف ايرادات الزكاة لتوزعها مرتبات لموظفي الديوان وللتسيير الاداري ودعما لبعض الجامعات والمستشفيات وللقوات المسلحة ولبعض المؤلفة قلوبهم, تقول احصاءات عام 1999 ان مصروفات العاملين عليها والتسيير والجباية والاصول الثابتة بلغت 2807 ملايين دينار وهو يقل قليلا عن كل ما ذهب للفقراء والمساكين في تلك السنة! ان دولة باكستان مثلا التي تجمع الزكاة الزاميا مثل السودان تخصص كل ايراداتها للفقراء والمساكين وتتولى الدولة مقابلة مرتبات العاملين ومصروفات التسيير الاداري مع ان نسبة الفقر في باكستان اقل بكثير منها في السودان. اما الشق السياسي فيتمثل في الحالة السياسية التي تسود في البلد والى اي حد تسمح تلك الحالة للسيد الوالي باصدار مثل ذلك القرار, يبدو ان قراءة الوالي السياسية كانت خاطئة تماما بدليل ان جبهات حزبه الحاكم التي كان من المفترض ان تؤيده دعما لتوجه الدولة الحضاري هي التي سارعت بمعارضة القرار والتنديد به مما شجع الآخرين للسير في نفس الاتجاه. ان مسارعة هذه الجبهات بانتقاد القرار, سواء تمت بايعاز من جهات عليا او لم تتم, تعني ان الوالي ارتكب (غلطة) سياسية ولذلك ينبغي الابتعاد عنه قدرا ما حتى تعالج المشكلة بواسطة الجهات العليا في الحزب. ان الانقاذ ما عادت في (فتوتها الثورية) الاولى عندما كانت تحكم بالاعدام على شخص لمجرد انها وجدت عنده بضع آلاف من الدولارات كان يتاجر فيها, لقد فقدتها حين فقدت (الطهارة الثورية) وحين عجزت ان تحقق في ارض الواقع ما وعدت به في بياناتها الباكرة. ومن ثم ينبغي على المسئولين فيها ان يقدروا حالة الدولة, خاصة في زمن التعدية والانفراج السياسي, قبل ان يقدموا على خطوة عنيفة مثل تلك التي فعلها والي الخرطوم. ان والي الخرطوم لا يستطيع ان يمنع التجارة العشوائية في قلب سوق الخرطوم فلماذا يريد ان يمنع المرأة من ممارسة بعض الاعمال المشروعة.وبالطبع فان الهجمة على قرار الوالي لا تخلو من غرض سياسي ضد حكومة الانقاذ, فان ما صرح به الاستاذ غازي سليمان واميرة الطويل وسعاد ابراهيم احمد ومحاسن عبدالعال يتجاوز انتقاد الوالي الى معارضة الانقاذ ولكن قرار الوالي هو الذي اتاح لهم هذه الفرصة. سيكون جميلا بالحكومة ان تستجيب للمعارضة الواسعة التي ظهرت ضد قرار الوالي كما فعلت من قبل حيال قانون النظام العام, فالناس يطلبون الحرية والتعددية من اجل الاستجابة الى نبض الجماهير. ولكن هناك من طالب برأس الوالي نفسه وفورا فداء لهذا القرار الاحمق! هل هناك من اهل الحكم من وشوش في اذن بعض الصحافيين بأن يسيروا في هذا الاتجاه؟ ربما, خاصة اذا ما قرأنا هذه المطالبة مقرونة بالهجوم العنيف الذي شنه في الاسبوع الماضي اعضاء المجلس التشريعي بولاية الخرطوم في دورة اعماله الرابعة على خطاب الوالي (الفضفاض المكرور) وحملوا حكومته مسئولية التردي المريع الذي حاق بخدمات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه, وقالوا له ان هذا اولى باهتمامك من فصل العاملات في محطات الوقود! وكأني بهؤلاء يقولون للرئيس ما قاله شيخ البطانة ابو سن لمدير المديرية الانجليزي عندما سأله عن اداء مفتش المركز, فاجاب الشيخ بحنكة: زين على طول! اي ان المفتش مكث في موقعه اكثر مما ينبغي. بقلم: د.الطيب زين العابدين