دخلت قضية تقييد عمل المرأة في العاصمة السودانية مرحلة معقدة باصرار حاكم الخرطوم الدكتور مجذوب الخليفة على تحديث حكم المحكمة الدستورية التي هددت بدورها باستخدام القوة لارغام الحاكم على التقيد بالحكم. وفيما استقوى حاكم الخرطوم بمساندة من برلمان الولاية الذي ايد قرار منع عمل النساء في مجالات خدمة الجمهور خصوصا في الكافتيريات والفنادق ومحطات الوقود, قمعت سلطات الأمن مظاهرة احتجاج على القرار نظمتها مجموعة من النساء ذوات الاتجاه اليساري تم اعتقال 26 منهن, فقد تصدت قوات من الشرطة أمس لمسيرة سلمية للتجمع النسوي الديمقراطي كانت في طريقها إلى مجلس الوزراء لتسليم مذكرة احتجاج على قرار والي ولاية الخرطوم الخاص بحظر عمل النساء في بعض المرافق. وقامت بقمعها بالقوة ومحاصرتها بمسيلات الدموع والهراوات مما أدى إلى اصابة بعض المشاركات بجروح, ومن ثم تم اقتياد بعضهن إلى مقار الشرطة للاستجواب, وكانت المسيرة بقيادة الخنساء سوار الذهب أرملة المقدم بابكر النور أحد قادة الانقلاب الشيوعي في 1971. وأعلن غازي سليمان المحامي رئيس التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية في تصريح لـ (البيان) : تكوين هيئة للدفاع عن المجموعة الناشطة التي تم احتجازها. وقال ان تصدي الشرطة للمظاهرات يمثل اهداراً لحق دستوري وقانوني وحق حرية التعبير والتجمع السلمي. وناشدت المجموعة السودانية لحقوق الانسان التي يترأسها غازي سليمان المنظمات والمجتمع الدولي بالضغط على الحكومة لايقاف انتهاكات حقوق الانسان. وشملت قائمة اللاتي خضعن للتحقيق كلا من: قمر عبدالله محمد صالح, عزيزة عوض, نعيمة عوض السيد, نجاة أبو القاسم, رشا عبدالله, صفاء عبدالرحمن شريف , صفية عبدالرحمن شريف, سحر محمد طاهر, فايزة أبو بكر مصطفى, علوية أحمد صديق, نعمات يعقوب, مها يعقوب, انعام عبدالله, صالحة عبدالله سعيد, محاسن مصطفى, منى محمد الطاهر, كوثر ابراهيم, زينب علي العمدة, أميرة يوسف أبو طويلة, خنساء سوار الذهب, سلوى سعيد عبدالمجيد, نازك محجوب, عوضية الحاج, زهراء فضيل, انتصار التوم, وصال عبدالمجيد, وأنعام عبدالله سعيد. ولم يتسن حتى عصر أمس معرفة مصير الناشطات اللائي تم احتجازهن للتحقيق. في غضون ذلك توالت ردود الفعل المؤيدة والمعترضة حول قرارات الوالي, ووصلت التداعيات في بعض فصولها إلى صراع مكشوف بين الوالي والمحكمة الدستورية التي أعلنت على لسان جلال علي لطفي رئيس المحكمة انها وجهت فيه جهات الاختصاص بالالتزام بتنفيذ قراراتها الخاصة بتعليق قرارات الوالي التي أصدرها في هذا الشأن. وقال لطفي ان المحكمة الدستورية تملك من الآليات بما يمكنها من تنفيذ أوامرها حتى ولو أدى ذلك للاستعانة بالشرطة والجيش. وفي تطور لافت حصل والي ولاية الخرطوم أمس على تأييد جديد من مجلس الولاية التشريعي (البرلمان) ووصفت الهيئة النيابية لمجلس الولاية في اجتماع طارئ عقد أمس الأول قرار والي الخرطوم القاضي بمنع عمل النساء في محطات البنزين والمطاعم والفنادق بأنه (متطابق مع أحكام الشريعة الاسلامية والمادتين 16 ـ 18 من الدستور وقانون العمل وقانون تنظيم السياحة والفنادق, وقالت الهيئة في بيان أصدرته أمس بعد استماعها لشرح من والي ولاية الخرطوم حول دواعي تداعيات قراره بأنها لم تر في القرار ما يناقض أي اتفاقيات دولية أو اقليمية أو مساس بحقوق المرأة, وقالت ان القرار بمجمله هدف لتكريم المرأة وصيانة كرامتها ووضعها في المكان الذي يليق بها مراعاة لأصول الدين وتقاليد المجتمع. من جانبه قال والي الخرطوم ان قراره يجد تأييداً ومساندة من مجلس الوزراء الاتحادي, وقال ان مجلس الوزراء قد أبان ان ما أثاره القرار يجب الوقوف عنده مع الاختلاف في كيفية تنفيذه. وأضاف في التنوير الذي قدمه أمام مجلس الولاية التشريعي ان القرار جاء بعد تنامي معدلات الجرائم الاخلاقية بولاية الخرطوم بنسبة 44% حسب التقرير المقدم لمجلس الوزراء الاتحادي, وأكد والي الخرطوم تمسكه بالقرار الذي أصدره واصفا إياه بأنه (الأخطر من نوعه), وذلك لارتباطه بقضية القيم والأخلاق والانسان ومجتمع الرسالة. وقال مجذوب الخليفة ان القرار تمت مناقشته قبل اصداره بشهرين مع عدة جهات وتمت مراجعته لأكثر من مرة. وقال معلقا على قرار المحكمة الدستورية بأنه كان بسبب ايقاف الضرر وقال ان قراراً قد تطرق لهذه النقطة في البند الرابع منه لدفعه عن العاملات اللاتي يشملهن القرار وأعلن والي الخرطوم في ختام حديثه بأنه سيمضي قدما في تنفيذ قراره امتثالا لقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) , من ناحية أخرى أكدت مصادر قانونية استطلعتها (البيان) بأنه طبقا لقانون المحكمة الدستورية يعتبر أي تعقيب على قراراتها يقع تحت طائلة الاساءة للمحكمة وأي شخص يمتنع عن تنفيذ قراراتها يقع تحت طائلة المادة 79 من القانون الجنائي (عدم تنفيذ أمر صادر من موظف عام) . على الصعيد ذاته أفتى الدكتور أحمد المفتي وكيل وزارة العدل ورئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الانسان في تصريحات صحفية أمس بعدم دستورية قرار والي الخرطوم وتساءل عن الجهة التي يمكن ان تمثل الدفاع نيابة عن الوالي في الطعن المقدم ضده أمام المحكمة الدستورية بعد ان أفتى النائب العام هو الجهة التي تمثل الدولة في كل القرارات المرفوعة ضدها أمام المحاكم. إلى ذلك قال اتحاد عمال ولاية الخرطوم ان القرار لم يتضرر منه أحد وذلك للتحوطات التي حملها زيل القرار كما انه لم يمنع عمل المرأة مطلقا أو يخالف المواثيق الدولية, ودعا اتحاد عمال الخرطوم حكومة ولايته لايجاد معالجات وتوظيف الصناديق الاجتماعية لمساعدة الأسر ومحاربة العوز. وقال الاتحاد انه لا يبكي على وظائف هامشية تفتقد فيها المرأة فرص التدريب والترقي وبيئة العمل الصالح لكنه يبكي على شريحة كبيرة من النساء أقعدهن الفقر واضطرتهن الحاجة للجلوس على الرصيف بعضهن دفع بنفسه إلى تلك الوظائف المجهدة والتي تعرضهن للحرج والبعض الآخر ينتظرن وفي الانتظار مرارة واستفحال لعدد من المشاكل الاجتماعية. كما طالبت أمانة المرأة باتحاد عمال ولاية الخرطوم الولاية بحل مشاكل المرأة العاملة بابعادها المختلفة حلا جذريا بالنظر إلى أسبابها الحقيقية المتمثلة في تفشي الفقر. من ناحية أخرى وصف غازي سليمان المحامي وكيل الطاعنات لدى المحكمة الدستورية قرارات المحكمة الدستورية المتعلقة بتعليق صلاحيات والي الخرطوم في حظر عمل المرأة بأنها قرارات محترمة وتؤكد أهمية احترام حقوق الانسان وقال ان أي تباطؤ في تنفيذ القرارات يعني اساءة للمحكمة الدستورية. الخرطوم ـ التيجاني السيد