قطع الدكتور حسن الترابي صمته المتواصل منذ بضعة اشهر, وتحدث لـ (البيان) من الدوحة, اخر عاصمة غادرها بعد (محنته) مع الرئيس السوداني حليفه السابق الفريق البشير, واول عاصمة يسافر اليها منذ ذلك الوقت. وفي هذا اللقاء, بدا الزعيم الاسلامي السوداني, هادئا, ومتفائلا وهو يتقلد دوره الجديد في موقع المعارض بعد عشر سنوات من التحالف الوثيق مع الحكم, وقال انه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة, لكنه (سيصنع) رئيسا جديدا دون الستين من عمره, كما تحدث عن الارث السياسي العربي الذي يقطع ولا يصل بين الفرقاء, وكشف ايضا عن مبادرات قام بها القائد الجنوبي الذي يقاتل في جنوب البلاد جون قرنق, ظلت بلا رد إلى حد الان, وفي مايلي نص الحديث: * أولا نود ان نعلم منكم عن مدى صحة الاجتماع الذي راج انك ستعقده مع الصادق المهدي في الدوحة, خصوصا وان بعض الانباء كذبت ذلك؟ ـ كما تعلم كان لنا لقاء اول في جنيف منذ بضعة اشهر, ثم تداعت احداث كثيرة عادت به سياسيا إلى الخرطوم, فيما عشنا نحن أزمات متلاحقة في المقابل, وقد كنا حريصين على اللقاء الان في هذا المكان بعد ان تعذر ذلك اللقاء في داخل السودان. * وما مضمون الاجتماع؟ ـ سوف يتحدد ذلك خلال ايام قليلة عندما ينتهي (السيد الصادق من زيارته لايران) ويؤكد لي قدومه إلى الدوحة بعد يومين أو ثلاثة. * حسنا.. منذ فترة ليست بالقصيرة, والدكتور الترابي صامت, ماذا يخفي هذا الصمت؟ وما هي حقيقة وضعك الان على الخارطة السياسية السودانية؟ ـ أولا الازمات في السودان تدور في حياته منذ الاستقلال, وقد تعود الناس على ذلك, وثانيا, فان الذي تخاطبه شخص خبر التقلبات وخبرته من قبل الاستقلال, وظل طالعا, نازلا بين اعلى المناصب وحتى السجون, بدون ان يتغير شيء فيه, لذلك اصبح الان يسودني ايمان بأن المناصب في حياة الانسان سوى محطات تمر وتأتي سواها. * هل معنى هذا الكلام, انك وصلت إلى قطيعة تامة مع الرئيس عمر البشير, ام تعني من ورائه غير ذلك؟ ـ نعم, نحن الان في قطيعة سياسية مطلقة, ولم نلتق مع بعض بصفة شخصية منذ زمن طويل بصرف النظر عن اللقاءات الاجتماعية التي ليس وراءها هدف. ولاشك ان الجميع يعلم بان ثقافتنا العربية الاسلامية ليس فيها انقطاع ثم تواصل سياسي على عكس البلاد الحرة التي يتحالف فيها الفرقاء على الاهداف الموضوعية, لكننا نحن ما فتئنا نقطع ولا نصل في تاريخنا السياسي منذ بداية الاسلام. * فيما يتعلق بمؤتمر الحوار الجامع, هل ترى امكانية عقد حوار بين الحكومة وبين الفصائل المعارضة الان (داخل أو خارج السودان) ؟ ـ نظريا يبقى ذلك ممكنا, لكن المحاولة التي تجري الان داخل السودان سرقتها الحكومة, ونصبت عليها رئيسا ومقررا, ودعت لها احزابا جديدة لا نعرف لها وزنا, ولكي نكون موضوعيين لابد من القول ان هذا المسعى يتعثر الان. * حسنا في ظل ما يتم التحضير له الان من انتخابات برلمانية وتشريعية مبكرة, ما الذي تنوي فعله؟ ـ لا ارى ان الحكومة قد استقرت بعد على نقاط الانتخابات, فقد كانت تريد المسارعة اليها قبل دخول منافسين جديين, ولكن تعذر على هيئة الانتخابات ان تكون جاهزة قبل ذلك, والان اعتقد انه يلزم وقت لمراجعة سجل الناخبين, كما ان كل الاحزاب تطرح ضرورة ان يكون هناك وفاق حول ما يتعلق بهذه الانتخابات من حريات ومن مساواة بين المرشحين, ومن ضمانات لكي لا تنزل السلطة السياسية والادارية بوطأتها على الناس, لذلك اقول ان المداولات مع الاحزاب لم تنته بعد في هذا الموضوع. * يعني ذلك انكم كحزب سياسي لم تحزموا أمركم بعد بخصوص هذه المناسبة؟ ـ عندما تتضح الصورة العامة لما تنوي الحكومة فعله في هذه الانتخابات سيكون (المؤتمر الشعبي) جاهزا, واعتقد ان الامر ذاته ينسحب على بقية الاحزاب. * وهل تنوي الترشيح للرئاسة؟ ـ صرحت في السابق بأنني لن افعل ذلك, لا لاسباب تتعلق بالأهلية النسبية للمرشحين, ولكن لانني مقتنع بان الاجيال الجديدة تحتاج حاكما دون الستين من عمره. * ما تقييمكم (للتجمع) المعارض وهو يعقد اجتماعاته في اريتريا؟ وهل هناك اتصالات بين حزبكم وبين حركة جون قرنق؟ ـ الحريات في بلادنا عندما تنزل على الناس الذين تعودوا على الجمود تحدث اضطرابا, والأزمة التي اصابت المؤتمر الوطني اصابت الاحزاب الاخرى, سواء بين بعضها البعض, أو في داخل صفوفها ايضا, لذلك من العسير على المرء ان يقيم مؤتمر اسمرة, هل يدخله (حزب الامة) ام لا؟ وما هي القوى التي ستدخل اليه أو التي ستخرج منه؟ في مثل هذه الحالات هناك مخاض, ولابد من الانتظار قليلا لكي تتبلور الصورة, اما فيما يخص قرنق فقد صدرت منا مبادرات مازلنا لم نتلق ردودا عليها, لكننا على اتصال ببعض القوى الجنوبية غير الموالية للحكومة. * ما طبيعة مبادراتكم تجاه جون قرنق؟ ـ هي تتمحور حول التداعي على الحريات الانتخابية ليس فقط حول الحكم, وانما حول تقرير المصير ايضا, واعتقد انه لن يكون هناك في البلاد خلاف, اذا اتفق الناس على من يحكمهم, وعلى طبيعة وحدتهم. * بشكل عام.. هل يمكن للدكتور الترابي من موقعه الجديد, ان يلخص لنا, إلى اين تسير الامور في السودان اليوم؟ ـ هنا, لابد من العودة إلى تاريخ السودان, وخاصة عند الاضطرابات التي كانت تقع في النظم العسكرية والقوى السياسية, وهنا نلحظ انه حتى اذا لم يتم الاتفاق كاملا على الحكم, يحصل غالبا اتفاق على قواعد التعامل, ومن هذا المنطلق التاريخي, والثقافي السياسي, اتوقع ان يخرج السودان من هذا التوتر السياسي الذي ما انفك يضرب الداخل والخارج وما بينهما. * عودة إلى موضوع الانتخابات القريبة, هل سيكون لك مرشح للرئاسة؟ ـ بالطبع, سوف يجتمع الحزب, ويقرر من يرشح للرئاسة. * وهل لك ان تفصح عن بعض الاسماء الواردة في هذا الاطار؟ ـ نحن لم نختر بعد من سيمثلنا في هذه الانتخابات, فنحن لسنا من تلك الاحزاب التي تتحكم فيها اسر تعين الرئيس منذ ولادته, ولسنا كذلك مثل النظام الحالي الذي يعين قائدا عسكريا للحكم, نحن نضع منهجا, ونريد من الناس ان يصوتوا لهذا المنهج وليس لوجه الشخص المرشح. * وهل تتوقع الا تصطدموا بمضايقات على الارض, اذا قدمتم مرشحا للرئاسة؟ ـ المضايقات قائمة منذ الان, لكن اذا تهيأت الساحة تماما, فستكون مزدحمة بمرشحين اخرين كثيرين, وسوف تبدأ حينئذ المناورات والمنافسات والتضييقات, ولا انفي هنا انه من الممكن ان تكون اكثر من تسلط عليهم وطأة الحكومة. * فيما يخص التطبيع بين السودان والولايات المتحدة الامريكية, كيف ترى الامر وسط اخبار متناقضة؟ ـ اعتقد ان السودان يمد يده الان نحو واشنطن, لكن الادارة الامريكية ليست مستعدة الان لرد التحية, فهي متفرغة لاخراج رئيس جديد, وبعدها يصبح لكل حادث حديث. * وماذا بالنسبة لمد الجسور بين السودان من ناحية وبين مصر واريتريا من ناحية اخرى؟ ـ الامر مختلف هنا, فمصر مهتمة بالسودان ولكن يبدو الان ان القاهرة مازالت ترصد التقلبات الاخيرة في الساحة السياسية السودانية, لكي تستقر على مد العلاقات مع قوة بعينها, أو مع السودان برمته. * هناك كلام كثير عن المبادرة المصرية الليبية, واخر عن مبادرة (ايجاد) كيف تقيم كل هذه المبادرات التي لم تؤت اكلها بعد رغم طول المدة؟ ـ التاريخ علمنا في السودان ان المبادرات التي تنجح هي التي تأتي من داخله, واذا لم يتفق اهله على شيء سلفا, فان شيئا لن يقع, اما دور الخارج, فاعتقد انه لايتجاوز حدود التلطف, وتوفير مناخات اللقاء إلى غير ذلك, وانا شخصيا, ادعو إلى التقاء كل الاطراف, والتحاور في كل شىء, ولا بأس من ان يشهد الاشقاء على هذه المحاورات. اجرى الحوار فيصل البعطوط