جان - بيير شوفنمان, وزير الداخلية الفرنسي المستقيل, هو السياسي الفرنسي الوحيد الذي تمكن من اخراج موضوع المهاجرين من النقاش السياسي المحتدم, فمنذ تسلمه منصبه في عام 1997, استطاع أن يرسخ سياسة ثابتة في هذا المجال, وبعد مرور ثلاثة اعوام اثبتت الوقائع السياسية انه كان على حق في سياسته, وقام باصلاح القوانين المتعلقة بالهجرة والتي ورثها من اليمين, وحرص رئيس الوزراء ليونيل جوسبان على انجاح هذا الملف المتفجر, ولايزال يتذكر حركة المهاجرين غير الشرعيين وتأثيراتها على معنويات اليسار اثناء حكومة اليمين, وكان اليسار يعرف مدى اهمية مسألة الامن الذي كان اليمين يستخدمها ورقة رابحة في وجه اليسار, وبشر جوسبان منذ توليه رئاسة الوزراء بسياسة حازمة وكريمة ازاء المهاجرين, وقامت حكومة اليسار, ومن ورائها جان ـ بيير شوفنمان بتحريك ملف الهجرة على مستوين, الاول بدء عملية تنظيم اوراق المهاجرين من نقطة الصفر, والثاني اصدار قوانين جديدة الهدف منها منع الهجرة السرية وغير الشرعية, وبهذا الخصوص اصدر وزير الداخلية قرارا هاما في هذا المجال في عام 1997, وتبعت ذلك حملة كبيرة لتنظيم اوراق المهاجرين لم تشهدها فرنسا منذ عام 1982, لاقى هذا القرار نجاحا كبيرا اذ قدم 145 الف طلب في اشهر معدودة, وقد حصل بموجب هذا القرار 70 الف مهاجر غير شرعي على بطاقات الاقامة, التي منحت لكل اجنبي يعيش على الاراضي الفرنسية بصورة سرية وغير مشروعة منذ عشرة اعوام شريطة ان يقدم الاوراق الثبوتية التي تؤكد ذلك. كما اقر القانون على ان الروابط الشخصية والعائلية ضرورية في الحصول على الاوراق الرسمية في الاقامة, وبعدها طرحت الحكومة الاشتراكية قوانين جديدة في الاقامة والدخول إلى الاراضي الفرنسية, ولم تكن المسألة بالنسبة لشوفنمان ان يوقف الهجرة إلى فرنسا بل ان ينظم دخول الاجانب حسب احتياجات ومتطلبات الاقتصاد الفرنسي بحيث اعطى مرونة حقيقية لهذا الموضوع على عكس تصلب قانون شارل باسكوا اليميني, وزير الداخلية الاسبق, ولكن مسألة الهجرة ظلت تواجه الحكومة الاشتراكية بالرغم من جميع القوانين الايجابية التي اصدرتها بحيث قام بعض المهاجرين باحتجاجات وتظاهرات واعتصامات مثل احتلال الكنائس, ودعم القانون هؤلاء المهاجرين الذين لم يحصلوا بعد على اوراقهم الرسمية, وقام ليونيل جوسبان في اغسطس الماضي بتنظيم اوراق 100 الف مهاجر غير شرعي. وكان جان ـ بيير شوفنمان متفهما لاوضاع الجاليات المهاجرة ومعتقداتها الدينية وطوائفها, واستطاع ان ينظم علاقة الدولة بالطوائف, وعلى الخصوص تعاطف مع الاسلام تعاطفا كبيرا حيث قال كلمته الشهيرة: يوجد مكان للاسلام على طاولة الجمهورية, وقام بتنظيم برنامج حول تنظيم المسلمين في فرنسا, ولم يخف شوفنمان تعاطفه مع المسلمين ابدا, وبالتعاون مع وزارة التربية الوطنية, قام في عام 1999 بتأسيس معهد دراسات المجتمعات الاسلامية, وهي عبارة عن جامعة مفتوحة, وكان مشروع شوفنمان في هذا المجال طموحا للغاية وسبق ان عالج كل من بيير جوكس وشارل باسكوا هذا الموضوع ولكن دون نجاح يذكر ولكن شوفنمان وسع الدائرة من خلال اشراك 17 ممثلا للتنظيمات والجمعيات الاسلامية وأئمة المساجد الكبيرة في فرنسا, وارسى المبادىء القانونية لممارسة الطوائف الاسلامية لكل انشطتها بضمانات رعاية الدولة الفرنسية, ودعا شوفنمان المسلمين في فرنسا إلى تنظيم انفسهم, واستقال شوفنمان في الوقت الذي بدأت اعماله في هذا المجال تثمر, وستعقد اللجنة المختصة اجتماعها اليوم لتقدم جملة من الاقتراحات, وفي غضون عام ستجري انتخابات بين ممثلي المساجد في فرنسا, ويؤكد الجميع ان ما قدمه شوفنمان للمسلمين في فرنسا شيء لا يمكن حدوثه ابدا. وتبقى مسألة الهجرة من المسائل الساخنة التي تطرح نفسها على وزير الداخلية الجديد, في الوقت الذي اكد وزير الخارجية هوبير فيدرين على مسألة الحصص في الهجرة على غرار المانيا وايطاليا, ولعل ضغوطات الصناعيين الفرنسيين لجلب اليد العاملة المهاجرة سيكون في صميم النقاشات السياسية المقبلة. باريس ـ شاكر نوري