ها قد انقشعت غيوم الانتخابات النيابية التي لبدت اجواء لبنان منذ اسابيع, ومع هذا الانقشاع الطبيعي لغيوم الصيف الانتخابية فان غيوم الخريف السياسية بدأت تزحف هي الاخرى لتأخذ مكانها الطبيعي, بعيدا عن اجواء التوتر والقلق التي رافقت اشرس انتخابات برلمانية في تاريخ لبنان. مع رحيل الغيوم الانتخابية يبرز من بين ثناياها اسئلة هي اهم بكثير من العملية الانتخابية بحد ذاتها بل ومن نتائجها ايضا: هل سيؤدي الزلزال الانتخابي الذي اصاب لبنان ممثلا باكتساح ما اطلق عليه مجازا تعبير المعارضة اللبنانية اي اللوائح المتحالفة لرئيس الوزراء السابق رفيق الحريري (في بيروت) وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط (في الجبل), ونبيه بري رئيس حركة امل في (الجنوب) قسما كبيرا من الدوائر الانتخابية, الى تغييرات جوهرية في السياستين الداخلية والخارجية؟!. الجواب المبكر على هذا السؤال هو .. لا .. على الارجح وبخاصة منه ما يتعلق بالسياسة الخارجية وتحديدا تجاه الجارة الكبرى: سوريا, او الجارة العدوة: اسرائيل, او القوى الاقليمية الاخرى (ايران والسعودية ومصر). لكن كيف سيترجم هذا الزلزال الانتخابي على الساحة اللبنانية الدامية اولا؟ النتيجة شبه المؤكدة الى الآن هي ان قطب المال والاعلام وايضا السياسة رفيق الحريري, سيعود كما هو واضح وكما يستشف من التصريحات وبخاصة تصريح الرئيس اميل لحود ذاته, رئيسا للحكومة اللبنانية المقبلة التي غادرها على مضض قبل عامين فقط. وعودة الحريري القوية الى داخل البرلمان ستؤدي الى عودة اكثر قوة الى رئاسة الحكومة فالتقديرات تشير الي انه بات يتمتع بتأييد اكثر من خمسين عضوا من اعضاء البرلمان سواء المحسوبين عليه مباشرة او على حلفائه الانتخابيين (جنبلاط وبري وغيرهما). واذا افترضنا استمرار التحالفات الانتخابية الراهنة, وهي بطبيعة الحال, تحالفات ذات صفة مؤقتة وموسمية, فرضها الخوف من التهميش لدى معظم اطرافها, الى ما بعد الانتخابات اي خلال الشهور والسنوات المقبلة, فان السيناريو المطروح على الساحة هو الآن عودة واستمرار (حكومة الرأسين) : اي لحود رئيسا للجمهورية والحريري رئيسا للوزراء, والتفات الحكومة المقبلة الى تحسين الوضع المعيشي للبنانيين باعتباره المطلب الاساسي للناخبين وهو المطلب الذي كان وراء هذا التغيير. هنا تبرز وبقوة صيغة التعايش التي طرحها وليد جنبلاط والتي اعلن لحود قبوله الضمني بها من خلال عبارات الغزل التي اطلقها عشية اعلان فوز لائحة الحريري بـ 18 مقعدا من اصل مقاعد بيروت الـ ,19 حيث قال لحود ان استشارات تشكيل الحكومة ستكون وفقا للدستور. وقد رد الحريري على اشارات لحود حيث حمل الحريري حكومة سليم الحص وليس قصر بعبدا مسئولية الايقاع بينه وبين الرئيس لحود, وهكذا فان اشارات الهدنة التي اطلقها الجانبان لحود والحريري تمهد لفترة اجبارية من التعايش الذي تفرضه الحقائق السياسية الجديدة على الارض, ويفرضه ايضا الخوف من الالغاء والتهميش. وهذه الاشارات المتبادلة بين لحود والحريري تنبىء بان معركة كسر العظم التي يتوقعها ويترقبها الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين قد لا تقع ابدا وان الحريري العائد المتأهب للانتقام من لحود قد يتراجع, بل الارجح انه سيتراجع عن مسعى الانتقام ما أن يقدم لحود على تكليفه بتشكيل حكومته الجديدة ولابد من القول ان ترجيح صيغة التعايش والتفاهم على صيغة الانتقام يخدم طرفي المعادلة السياسية معا, اما (بديل الحرب) فسيضعف الاثنين معا وهذا ليس في صالحهما ابدا. اما بخصوص القوى الاخرى على الساحة اللبنانية فان صيغة التعايش تنسحب عليها هي الاخرى وبخاصة حزب الله وحركة امل ويدعم هذ الرأي تصريح نبيه بري رئيس البرلمان الحالي وزعيم حركة امل الذي قال فيه ان جنوب لبنان هو بحيرة لحركة امل ولحزب الله ولا مكان فيها للضفادع. وباستثناء الدور الكبير الذي سيلعبه (المال السياسي) على حد تعبير الدكتور سليم الحص رئيس الوزراء الذي خسر في الانتخابات حتى مقعده البرلماني رغم دوره الكبير والتاريخي في الحياة السياسية اللبنانية, في اللعبة السياسية ذاتها من الآن وصاعدا, فان التغييرات الاخرى لن تكون كبيرة باية حال من الاحوال والمقصود هنا دور الطائفية السياسية ودور الاسر السياسية الذي لن يتغير كثيرا رغم التوقعات بتبدل التحالفات السياسية الحالية. واذا كانت تلك هي الحال على الساحة الداخلية اللبنانية .. فماذا سيكون تأثير (ارسخ واشرس انتخابات حتى الآن) , على حد تعبير الحص على السياسة الخارجية اللبنانية؟ على الارجح فان الزلزال الانتخابي الاخير لن يخرج خارج حدود العشرة الاف ومائتين وخمسين كيلو مترا مربعا التي تشكل مساحة لبنان, ولن يصل حتى الى حدوده الجنوبية او الشرقية لان تغير موازين القوى اللبنانية وتغير الوجوه في المرحلة المقبلة لن يقود الى اي تغيير جوهري او حتى ملموس في الموقف من دمشق او تل أبيب او حتى طهران وصولا الى الموقف من اوروبا او امريكا. فلا خلاف بين سياسة حكومة الحص, او سياسة سلفه وخلفه رفيق الحريري بخصوص الموقف من اسرائيل, ومن المستبعد ان يكون وزير الخارجية اللبناني المقبل ايا كان شخصه يحمل في حقيبته نهجا سياسيا مغايرا او مختلفا عما حمله رئيس الوزراء المهزوم سليم الحص الذي احتفظ طيلة عمر حكومته, بحقيبة وزارة الخارجية لاسيما وان له باعا طويلا في صنع السياسة الخارجية للبنان وخاصة منها ما يتعلق باسرائيل. ومن غير المرجح ان يسمح الحريري لحليفه جنبلاط بان يترجم الانتقادات المتكررة والمبطنة لسوريا الى واقع في الاداء السياسي للحكومة المقبلة, لاسيما وان هناك حليفا آخر للحريري هو نبيه بري الذي تربطه كما الحريري علاقة متينة مع سوريا التي ساعدتها الانتخابات اللبنانية, وبشكل عفوي, من التخلص من تهمة التدخل في تلك الانتخابات, هذا الحال ينسحب ايضا على بقية القوى الاقليمية. ويساعد في الحفاظ على العلاقة المتميزة بين سوريا ولبنان ما اكدته القيادة السورية قولا وفعلا من انها تقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية اللبنانية, لقد اكد الحريري ان سوريا تحترم نتائج الانتخابات كما اكد فاروق الشرع وزير الخارجية السوري ان نتيجة الانتخابات جاءت مطمئنة لسوريا وان اختيار رئيس الحكومة المقبل هو مسألة سياسية لبنانية كما ان الرئيس بشار الاسد سيزور لبنان عندما يقرر القيام بجولة عربية, ويبقى ان لكبار الساسة اللبنانيين علاقات قوية مع سوريا, وهذه العلاقات التي قد تشوبها بعض الشوائب لدى الانتقال من موقع الحكم الى موقع المعارضة فانها سرعان ما تصفو لدى الانتقال من موقع المعارضة الى موقع الحكم تاركة دعوات (العلاقة المتوازنة) مع سوريا خلف ظهرها, وهذا ما حدث بالفعل عندما دعا الحريري في اول تصريح له عقب الفوز الى (تطوير العلاقة مع سوريا) مديرا ظهره الى دعوات حليفه جنبلاط ابان وبعد الانتخابات. بقلم: أنيس ديوب صحفي سوري مقيم في الامارات