بعد معركة انتخابية شرسة لم تتردد الأطراف المختلفة التي شاركت فيها في استغلال سطوة المال والحرب الكلامية وحتى تبادل الاهانات للتأثير على الناخبين, فازت لوائح ما يطلق عليها المعارضة اللبنانية التي تزعمها رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري بأغلبية مقاعد البرلمان التي تقدر بنحو 128 مقعدا, في حين لم يستطع سليم الحص رئيس الوزراء الحالي أن يحتفظ بمقعده وسقط سقوطا مدويا هو وثلاثة من وزرائه أمام المنافسين الآخرين وهي السابقة الأولى في التاريخ النيابي اللبناني وهو ما اعتبرته وسائل الاعلام اللبنانية بمثابة زلزال سياسي عنيف.. شراسة المعركة الانتخابية لم تأت من فراغ ولكنها جاءت كنتيجة مباشرة لطبيعة التحالفات التي تكونت مثل تحالف رفيق الحريري مع نبيه بري ووليد جنبلاط , وتحالف حركة أمل مع حزب الله في دوائر الجنوب, وكذلك اعلان بعض أحزاب الأرمن التضامن مع رئيس الوزراء سليم الحص, هذه التحالفات فضلا عن طبيعة القضايا التي طرحت خلال الحملة الانتخابية والتي ركزت على المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها لبنان مثل الركود وعجز الموازنة والديون واعادة الاعمار في الجنوب وغيرها, زادت من شراسة هذه المعركة التي لم تشهد لبنان وحسب تعليقات المراقبين مثلها من قبل, فوز المعارضة بزعامة الحريري بأغلبية المقاعد يعني أن حكومة جديدة سوف تتولى السلطة في لبنان , وأن الحريري هو المرشح لذلك والذي سيكون لزاما عليه أن ينفذ ما سبق وأعلنه في برنامجه الانتخابي من امكانية الخروج بالبلاد من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها حاليا (الملف) التقى د. محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية, ود. محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية للحديث حول معركة الانتخابات اللبنانية ومؤشرات تغيير الخطاب السياسي, ومشاركة الجنوب اللبناني المحرر في الانتخابات بعد انقطاع دام 22 عاما والتأثيرات المتوقعة لذلك وحول امكانية أن هذه الانتخابات أدت الى تغييرات جوهرية في التوجهات السياسية اللبنانية داخليا وخارجيا وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الجانب السوري. نتائج فعالة بداية يقول د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام أن الانتخابات اللبنانية الأخيرة والتي انتهت بفوز ساحق للمعارضة اللبنانية بزعامة رفيق الحريري تشير الى بعدين أساسيين أثرا على العملية الانتخابية وكانت لهما نتائج فعالة عليها البعد الأول: أن المال كان له دور أساسي ليس فقط في عملية شراء أصوات الناخبين ولكن في تقديم المرشحين للناخبين على أساس أن هؤلاء الذين يمتلكون الأموال الطائلة هم الأقدر على تحقيق مطالب ورغبات الناخب اللبناني, فهؤلاء هم الذين يستطيعون تنفيذ المشروعات العملاقة التي يحتاجها لبنان مثل مشروعات البنية التحتية والأساسية وهذا ينطبق تماما على رفيق الحريري وبعض المرشحين في لائحته الانتخابية, لقد ظهر الحريري خلال المعركة الانتخابية على أنه المرشح الأقدر على طرح وتنفيذ المشاريع الاستنهاضية للبنان, الحريري استطاع أن يسحب الناخب اللبناني على أرضية أنه يستطيع أن يحدث طفرة في الاقتصاد اللبناني تنتشله مما يعانيه حاليا بسبب السياسات التي يتبعها سليم الحص رئيس الوزراء الحالي, لقد استطاع الحريري أن يعيد الهيبة لرأس المال الضخم وبالذات المرتبط بالبنية الأساسية كما كان الأمر قبل الحرب الأهلية, في حين أن رئيس الوزراء الحالي سليم الحص بنى برنامجه الانتخابي على أساس أنه يسير وفق برنامج مدروس لمواجهة التضخم عن طريق الانضباط المالي فهو لم ينجرف الى فكرة تحقيق انجازات فورية غير مدروسة قد يكون عائدها على المدى البعيد سلبيا على المواطن اللبناني. لقد سعى الحص لتطوير وضبط اداء الحكومة اللبنانية على أسس نزيهة تعكس سلطة بيروقراطية الدولة, ومن هنا أدار الناخب اللبناني ظهره له وكان مصيره السقوط ومعه ثلاثة من وزرائه. أما البعد الثاني الذي أفرزته المعركة الانتخابية اللبنانية يضيف د. محمد السيد سعيد فهو استغلال رغبة البعض في اعادة صياغة العلاقة مع الجانب السوري, فهناك اتجاه من بعض اللبنانيين يرى بضرورة بحث هذا الأمر بعدما تغيرت الظروف كثيرا الآن, فالأسباب التي أدت الى الوجود السوري في لبنان قد انتفت بتحرير الجنوب اللبناني, الامر الذي يتطلب اعادة صياغة العلاقة وقد وضح هذا الاتجاه كثيرا خلال المعركة الانتخابية حيث كان هناك بعض المرشحين يدعون الى ذلك في برامجهم الانتخابية, كما لوحظ أن هناك غيابا سوريا عن الساحة اللبنانية خلال فترة الانتخابات, لقد امتزج هذان البعدان وأديا الى حدوث انفجار لموازين القوى وتحول ملموس في السياسة اللبنانية. هل يعني هذا حدوث تغير كبير في السياسة اللبنانية تجاه سوريا في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة وتولي الحريري للسلطة؟ يجيب د. محمد السيد سعيد: لا أعتقد ذلك فالحريري في الغالب ليست لديه رغبة كبيرة في الاستقلال والابتعاد عن سوريا بشكل نهائي, وإن كان قد غازل الناخب اللبناني بهذه الورقة خلال المعركة الانتخابية فهذا لا يعني أنه ماض في ذلك وأنه سيسعى الى انهاء التواجد السوري في لبنان وخاصة أنه قد تولى السلطة من قبل وتربطه علاقات قوية مع الجانب السوري, أي أن المعركة الانتخابية فرضت أمورا معينة من المتوقع أن يعاد النظر فيها بعد أن يستقر الأمر وتتولى المعارضة اللبنانية بزعامة الحريري قيادة الحكومة. اعادة اعمار الجنوب وفيما يتعلق بمشاركة الجنوب اللبناني المحرر بعد 22 عاما من الانقطاع وتأثيره التصويتي والسياسي في مسار الانتخابات يرى د. محمد السيد سعيد أن نتائج الانتخابات أعطت للجنوب وزنا أكبر في البرلمان اللبناني, ولكن يجب على قيادات وزعامات الجنوب أن يدركوا جيدا أن هناك أمورا كثيرة قد تغيرت بتحرير الجنوب ولابد من التفكير بعناية في الأسلوب الذي يمكنهم من الاندماج في الخريطة السياسية اللبنانية, فالجنوب اللبناني قد صوت بالفعل في الانتخابات الأخيرة وأصبح له وزن في البرلمان ولكن مع ذلك مكانة حزب الله (الجماعة الشيعية) من المنتظر أن تقل خلال السنوات المقبلة لسببين الأول: وهو أن قضية الجنوب صارت تأخذ منعطفا جديدا بعد الانتهاء من عملية التحرير فبعد أن كان التركيز على الجانب العسكري, هناك تركيز الآن على البعد الاقتصادي المتمثل في اعادة الاعمار والحياة للاقتصاد في الجنوب اللبناني, والسبب الثاني: أن الشيعة كانوا مسلحين ومستقرين الى أقصى درجة في ظل دعم خارجي وهذا كان يعطيهم درجة كبيرة من الثقل في السياسة اللبنانية, وهذا الأمر سيقل الآن بعدما تراجع الجانب العسكري وبقى الجانب الاقتصادي ومعروف أن نصيب الجنوب قليل فيما يتعلق بهذا الجانب, ومن هنا عليهم أن يفكروا في الطريقة التي يمكن بها اعادة اعمار الجنوب وفي نوع جديد من الوطنية وبرامج العمل التي تحقق لهم مكانة مرموقة في المجتمع والسياسة اللبنانية أي عليهم أن يثبتوا أنهم مهرة في الأمور الاقتصادية والسياسية كما كانوا مهرة في الأمور العسكرية, المطلوب منهم الآن برنامج اقتصادي وسياسي جاد اذا نجحوا في تنفيذه على المدى البعيد فسوف يصبحون شركاء حقيقيين في رسم السياسة اللبنانية وسيكون لهم تأثيرهم على الخريطة السياسية اللبنانية بل والاقليمية. تأييد شعبي كبير على الجانب الآخر يقول د. محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية انه لا يتوقع حدوث تغييرات على مستوى السياسة الخارجية اللبنانية بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة سواء بالنسبة لعملية التسوية أو العلاقات مع سوريا, أو سياسة لبنان الخارجية بصفة عامة, أما على المستوى الداخلي فمن الممكن أن يلعب الحريري باتصالاته وامكانياته دورا في جذب الاستثمارات الى داخل لبنان وفقا لما وعد به أثناء الحملة الانتخابية, فالوضع الاقتصادي في لبنان بالغ الصعوبة ومعاناة كبيرة ومن ثم فوجود شخصية مثل الحريري في السلطة سوف تكون فرصة لاتخاذ بعض الاجراءات وضخ بعض الاستثمارات في الداخل وخاصة أن الحريري لم يبدأ من فراغ ولديه تجارب سابقة في تولي الوزارة, ومن هنا فمن المنتظر أن تحدث بعض الاصلاحات على المستوى الداخلي خاصة أنه يتمتع هذه المرة بتأييد شعبي كبير ويكفي أن لائحته الانتخابية حصلت على 18 مقعدا من اجمالي 19 مقعدا في بيروت, هذه الشعبية تعطي الحريري قوة دفع كبيرة في ادارة الأمور في الفترة المقبلة. وعن رأيه في الاقبال الشعبي على الانتخابات يوضح د. محمد سعد أبو عامود أنه يعكس الظروف الاقتصادية الصعبة الموجودة في لبنان فمعدلات البطالة الكثيرة من المواطنين لايملكون القدرة الشرائية لمعظم السلع, أيضا ما زالت الديون الخارجية كبيرة, وفرصة لبنان في استعادة موقعه التجاري الريادي مازالت محدودة وخاصة في ظل ظهور منافسين جدد في المنطقة ولذلك وجد الناخب اللبناني في الانتخابات فرصة لتغيير هذا الوضع, والشعب اللبناني يدرك جيدا أن أفضل أسلوب للتغيير هو الأسلوب الديمقراطي ومن هنا كان اقبالهم على العملية الانتخابية لاحداث نوع من أنواع التغيير وتحقيق اصلاحات اقتصادية. تمويل مالي ضخم وفيما يتعلق بمستقبل التجربة الديمقراطية اللبنانية في ضوء الانتخابات وخاصة بعد ما تردد عن حدوث ممارسات واستغلال للأموال للتأثير على الناخبين يشير د. محمد سعد أبو عامود الى أن الممارسة الديمقراطية تحتاج الى تمويل مالي ضخم لجذب الناخبين من ناحية وتقديم بعض الوعود الرمزية التي تدل على رغبة المرشح في اضافة شئ للمجتمع من ناحية أخرى, ولكن تظل اشكالية تمويل الحملات الانتخابية وهي مشكلة عالمية تتمثل في أن كل المبالغ التي تنفق صارت محل تساؤل, ولكن فيما يتعلق بنتائج الانتخابات اللبنانية الأخيرة فالملاحظ أن الفارق في الأصوات بين المرشحين الفائزين والخاسرين ضخم للغاية يصل في بعض الأحيان الى 20 ألف صوت, وهذا يوضح أنه لم يتم تزييف ارادات كل الناخبين ولكن بعض منهم فقط, فهناك صعوبة في شراء كل هذه الأصوات كما تردد, لقد اختلف الوضع كثيرا الآن وبحيث لم يعد شرطا أن يفوز المرشح صاحب القيمة العلمية أو الفكرية أو صاحب التاريخ كما حدث بالنسبة للدكتور سليم الحص, الناخب العادي الآن يبحث عن المرشح الذي يحقق له مطالبه ورغباته ويتأثر في سبيل ذلك بالجوانب المالية والاعلامية. وحول مشاركة الجنوب اللبناني المحرر بعد انقطاع دام 22 عاما وتأثير ذلك على العملية التصويتية يرى د. أبو عامود أن حركة أمل استفادت كثيرا من اللائحة التي ضمتها مع حزب الله فقد كان متوقعا أن يحصل حزب الله على مقاعد أكثر لو خاض الانتخابات بمفرده, ولكن في هذا الصدد لا ينبغي إغفال أن صدور لائحة موحدة بين حزب الله وحركة أمل أحدث نوعا من الضبط الذاتي في الجنوب حتى لا تنفرد قوة سياسية واحدة به لما في ذلك من أضرار وسلبيات كثيرة, فهذا التحالف الذي تم بين الطرفين ينم عن ذكاء وحرفية سياسية, ولكن مع ذلك كانت هناك مشكلة تتمثل في عدم اقبال المسيحيين في الجنوب على المشاركة في الانتخابات نتيجة لرفض طلبهم باطلاق سراح بعض العناصر المتورطة في جيش لبنان الجنوبي, وإن كان من المتوقع أن يتم احتواء هذا الأمر في الفترة المقبلة. ويستطرد: إن عودة الجنوب الى الوطن الأم ومشاركته في الفعاليات السياسية يفرض على الحكومة القادمة وضع خطة فعالة لتعمير الجنوب ويجب على الأطراف العربية كلها المشاركة في هذه العملية لأن استعادة لبنان لقوته وقدرته الاقتصادية أمر مهم جدا للأمن القومي العربي في المرحلة القادمة. وفي النهاية يؤكد د. أبو عامود اعجابه الشديد باداء حكومة د. سليم الحص في هذه الانتخابات فقد كان محايدا ونزيها ويتناسب مع تاريخ الرجل والقيم التي يمثلها في السياسة العربية, فحكومة تجري انتخابات ويسقط رئيس الحكومة وعدد من وزرائه فهذا أمر يبعث على الاحترام والتقدير, ما حدث في لبنان قدم نموذجا على أن الشعب في النهاية هو صاحب الكلمة ولكن مع ذلك يتبقى أن يتجاوز اللبنانيون خلافاتهم الطائفية والاعلاء من قيمة المواطنة اللبنانية على أية انتماءات أخرى مذهبية وطائفية وأعتقد أن الأسلوب الديمقراطي هو الأنسب لتحقيق ذلك, أيضا نتمنى أن يختفي الخطاب السياسي الذي برزت فيه بعض مفردات الحرب الأهلية اللبنانية بعد هذا الاعجاز الديمقراطي الذي تم. القاهرة: مكتب البيان