مع الفوز الكبير الذي حققه رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ولوائحه في الانتخابات اللبنانية توجهت الانظار الى مسألة تشكيل حكومة جديدة وتحديدا الى الحريري, وامكانية تكليفه تشكيل الحكومة المقبلة استنادا الى كتلته البرلمانية التي تتمتع باغلبية مريحة في البرلمان, ومع ان الرئيس اللبناني اميل لحود اكد ان هذه المسألة ستتم وفق الدستور وبلغة القانون والمؤسسات فانها اعادت الى الاذهان الخلاف الذي حدث بينهما عندما كلف الرئيس لحود الحريري تشكيل الحكومة ولم يتم ذلك بسبب الاختلاف حول حكومة متجانسة تستند الى اكثرية برلمانية, الامر الذي دفع بالرئيس لحود الى تكليف رئيس الوزراء الحالي سليم الحص تشكيل الحكومة. وقد كانت هذه الحادثة بمثابة القطيعة السياسية بين لحود والحريري وأدت الى نوع من الجفاء السياسي بينهما في الوقت الذي جاهد الحريري طوال الفترة الماضية من أجل العودة الى الحكم ومن بوابة الانتخابات التي حقق فيها ما يشبه الانقلاب. وفي ظل التجانس المفقود بين قصر بعبدا والحريري فان الجهود ستنصب من أجل الخروج من فترة المخاض الحكومي لقيام دولة القانون وتوحيد الجهود والطاقات للنهوض بلبنان بعد التحرير ومواجهة استحقاقات الوضع الاقليمي والدولي وعملية السلام. في الواقع رغم الانتقادات التي وجهت الى طريقة عودة الحريري وامكانية استلام الحكم سواء في اتهامه باستخدام المال السياسي في الانتخابات او في تحويل الديمقراطية في لبنان الى ديمقراطية الاغنياء فان عودته حملت مجموعة من الاستحقاقات الداخلية والاقليمية. داخليا: فشل حكومة الحص في تحقيق الاصلاح الاقتصادي المنشود, وبطء الاداء الحكومي وتفكيك المؤسسة السياسية والانكفاء نحو الداخل, وقد انعكست هذه الامور على رؤية الرئيس لحود في بناء لبنان قادر على مجابهة التحديات والمشكلات هذه من جهة, ومن جهة ثانية ترجمت نتائج الانتخابات المحاولات السياسية الجارية للاعادة ترتيب الوضع الداخلي في ضوء مرحلة ما بعد تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي وفي البحث عن اداة للتخاطب بين القوى والاحزاب السياسية اللبنانية وتحالفاتها سواء تلك التي جرت بين حزب الله وحركة امل او بين الحريري وجنبلاط والارمن والقومي السوري وبعض القوى المسيحية, وبالتالي تجسيد بنية سياسية قديمة, جديدة (فوقية) قائمة على شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات, وقد نجحت القوى المذكورة من خلال التحالفات التي تمت من اخراج قوى وشخصيات عريقة من المشهد السياسي اللبناني مثل (سليم الحص, تمام سلام) فضلا انها كانت سببا منذ البداية في عدم ترشيح عدد من المعارضين البارزين (نجاح واكيم) الى هذه الانتخابات او الانسحاب منها لاحقا. واللافت في هذه المعادلة ان التركيبة السياسية التي افرزتها الانتخابات اللبنانية تبدو تركيبة معدة للانفتاح على الدول العربية والعالم وللتعامل مع استحقاقات المرحلة السياسية المقبلة والتغيرات المنتظرة على صعيد عملية السلام دون ان يؤدي ذلك الى حدوث ارباكات على الساحة اللبنانية الداخلية او على صعيد العلاقة مع سورية, اذ ان التركيبة النيابية الجديدة بتكوينتها السنية والشيعية والمسيحية والدرذية والارمنية تسير في تجاه تصحيح مسارات الداخل عبر اعادة انتاج البنية السياسية وتحقيق الوفاق الاهلي بين مختلف فئات الشعب اللبناني بما في ذلك التيار المسيحي الذي يمثله سمير جعجع وميشال عون هذا من جهة, ومن جهة ثانية ربط مسار هذه التركيبة بالتأكيد على وحدة المسارين السوري واللبناني في عملية السلام, ووجود الحريري على رأس هذه التركيبة يشكل ضمانة للانفتاح المطلوب عربيا واقليميا ودوليا فضلا انه في الداخل يترجم أولويات اقتصادية تتمثل في تحقيق اصلاح اقتصادي واعادة الروح الى مسيرة الاعمار والبناء والخروج من الركود والاوضاع المعيشية الصعبة واطلاق مجموعة من الاتفاقات الاقتصادية مع الدول العربية, هذه المدلولات المحلية العربية والدولية تشكل في نظر الكثيرين ارضية قوية لئلا يؤدي المخاض الحالي الى ارساء علاقة جديدة ايجابية بين الرئيس لحود والحريري اساسها توحيد الجهود وحشد الطاقات من اجل مصلحة لبنان وذلك انطلاقا من عاملين او مسألتين: الاولى: ان الرئيس لحود يحس في ظل التركيبة البرلمانية الجديدة القوية التي تشمل جميع التيارات السياسية انه اضحى قادرا على تنفيذ مشروعه الاصلاحي الذي تعثر تحقيقه حتى الآن, سواء بسبب ضعف الاداء الحكومي لوزارة الحص او بسبب الانشغال بمعركة تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي, خصوصا ان عملية الاصلاح بدأت تطرح نفسها بقوة كمهمة وطنية في مرحلة مابعد التحرير واستعدادا لاستحقاقات التسوية المقبلة, واي تهاون في هذا المجال سيؤدي الى مضاعفات سلبية على الدولة اللبنانية, وبالتالي اية خطوة باتجاه الحريري ستشكل مبادرة سياسية منه لتجاوز العصبيات السياسية من شأنها تدعيم النهج الدستوري والقانوني والمؤسساتي الذي يتمسك به الرئيس لحود. الثانية: ان هذا الامر سيحظى بدعم سوريا مادام ينصب في بناء لبنان القوى المتماسك القادر على حل مشكلاته الداخلية والتعاطي مع استحقاقات المرحلة المقبلة وذلك انطلاقا من ان مصالح سوريا ولبنان واحدة والحفاظ على هذه المصالح يتطلب التكامل والتعاون لمواجهة التحديات الاسرائيلية, فضلا عن ان وجود حكومة لبنانية منسجمة قوية يشكل ارتياحا لسوريا سواء في مجال توطيد العلاقات وتكاملها او في مجال اعادة النظر في القضايا التي تشغل هذه العلاقة بما في ذلك الوجود السوري العسكري في لبنان. ان الانتخابات اللبنانية التي جرت في اجواء من الديمقراطية والنزاهة وبعيدا عن التدخلات الخارجية اسفرت استحقاقات لبنانية مهمة على الصعيد السياسي, فللمرة الاولى ستتمتع الخريطة السياسية في المجلس النيابي باغلبية مريحة وقريبة من التجانس, الامر الذي يعني ضمان الاستقرار الحكومي, وهذه الاغلبية المريحة من المفترض ان تؤمن لرئيس الحكومة المقبلة حكومة متجانسة تفكر وتقرر وتنفذ كفريق عمل موحد, ومثل هذه الحكومة باتت حاجة لبنانية على طريق النهوض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فضلا عن انها ستشكل سندا تنفيذيا قويا للرئيس لحود ورؤيته الاصلاحية, خصوصا ان الرئيس الحريري بحيوته الاقتصادية وعلاقاته السياسية يشكل حاجة لبنانية ماسة في مرحلة مابعد التحرير والتطلع الى النهوض الاقتصادي واستكمال مسيرة الاعمار والبناء ومجابهة التحديات. لقد أسست الانتخابات النيابية لاكثرية نيابية متماسكة وحكومة متجانسة واسفرت في الوقت نفسه عن فرصة تاريخية لاعادة تشكيل البنية السياسية والاجتماعية الكفيلة بتجاوز العصبيات السياسية والمشاريع الطائفية وحشد الطاقات في مواجهة الاستحقاقات المقبلة.. ولعل ترجمة ذلك بحاجة الى ارساء علاقة حيوية بين قصر بعبدا والرئيس الحريري. بقلم: خورشيد دلي كاتب سوري