بانتهاء الانتخابات النيابية في بيروت والجنوب والبقاع والفوز الواضح الذي حققته المعارضة أصبحت الصورة التي سارت عليها الانتخابات جلية بكل المقاييس, رغم ان أمر رئيس الحكومة القادم لم يحدد بعد وان كانت معظم الأوساط السياسية ترى عودة رفيق الحريري إلى الكرسي الذي تخلى عنه ليحل محله رئيس الحكومة الحالي سليم الحص, وأمام ما جرى من سجال سياسي واعلامي أثناء حملة الانتخابات للبرلمان اللبناني الثالث تبرز مجموعة من الأسئلة المتعلقة أولا وقبل كل شيء عن ديمقراطية المجتمع المدني ودولة القانون والمؤسسات, حيث تضعنا هذه الأسئلة أمام اختبارات حقيقية لما حققه لبنان ـ وهو الدولة الأكثر ديمقراطية عربيا ـ وليأخذنا أيضا إلى شكل التحديات المستقبلية للنظام الانتخابي وأشكاله الديمقراطية. بنية انتخابية إن طبيعة التكوين الديمقراطي في لبنان تختلف بشكل واضح عن التكوينات العربية الأخرى من المستويات المتأصلة أو التي يراد بها التأصيل كالطائفية مثلا أو ما أفرزته من أشكال اجتماعية وسياسية انعكست بشكل مباشر على لبنان بعموميته, فقد أفرزت (الطائفية) نزاعا عسكريا تحول الآن إلى شكل أمني مسيطر عليه بشكل نسبي اضافة إلى ان التعددية الدينية أفرزت تعددية سياسية سواء أكانت مرتبطة بالدين أم بخطاب سياسي أو مباشر ومتعدد الاتجاهات في تبلور حالة قريبة من الديمقراطية وهذا ما رأيناه بشكل مباشر في الانتخابات النيابية الأخيرة. ولكن ضمن هذه التداخلات في البنية المجتمعية السياسية ظهرت خيوط جديدة ومعقدة أضافتها الانتخابات إلى البنية اللبنانية وتجلت بصورة الحرب الانتخابية المعلنة بين المرشحين التي انعكست بشكل مباشر على اللغة القديمة المسيطرة سابقا أثناء الحرب اللبنانية حتى عام 1990 أي بانتهائها والعودة إلى الانتخابات, ومن بوادر الحرب الكلامية عاد مصطلح المعركة والتفخيخ والتلغيم والتشطيب والنسف والتحدي إلى آخر ما هنالك من مصطلحات حربية تدل بداية على تردي الخطاب السياسي والقصور في الرقابة الذاتية المتجلية بشكل واضح في وسائل الاعلام التي تتبع هذا المرشح أو ذاك حتى انجر في هذا السيل التلفزيون الرسمي الذي يجب أن يكون في الدولة الديمقراطية بعيدا عن الهم الشخصي ومتمتعا بالخطاب المعتدل واللائق بدولة القانون. وبالمنحى ذاته فشكل الخطاب في المجتمع المدني محمل بالضبط الدقيق لصورة الآخر ليقف على الحقائق لا على المهاترات التي جعلت الرئيس اللبناني اميل لحود يدعو إلى: (التحلي بروح المسئولية لكي لا تتحول الحملات الانتخابية إلى حملات على الوطن) ولعله تمعن في حقيقة العمل قبل القول إذ يؤكد على (العمل يدا بيد لخدمة المصلحة الوطنية وصهر الطاقات لتطبيق خطاب القسم وقيام دولة القانون والمؤسسات لا سيما في ظل الأزمة المعيشية التي تستوجب توحيد كل الجهود من أجل النهوض الاقتصادي ومواجهة استحقاقات الوضع الاقليمي... واجراء الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة المستقبلية بعد تولي المجلس الجديد مهماته.. وهذه الاستشارات ستجري وفق الدستور وبلغة القانون والمؤسسات التي تحكم الجميع في لبنان بدءا من رأس الدولة.. واحترام الحريات لا سيما حرية التعبير هي أمر مقدس) ويبدو ان هذه الأركان قد نادى بها جميع المرشحين للانتخابات النيابية ولكن ضمن رؤيتهم الخاصة وليس ضمن برنامج انتخابي محدد وواضح وقابل للنقاش ليس على مستوى الدائرة الانتخابية بل على مستوى الوطن والمواطن. المرشح ... المواطن الاستحقاقات التي طرحها الرئيس اللبناني أثناء الحملات الانتخابية المحمومة لعلها كانت الشكل الأكثر موضوعية, ولكن الواقع لم يظهر هذه الاستحقاقات إلا في مجال السجال السياسي بمعنى انها كانت مختفية حتى في الخطاب الانتخابي رغم ما فيه من تنوع واضح يخدم في النهاية (إذا تحقق) مصلحة لبنان, وهذا نتيجة مجموعة من التركيبات في سلبيات العمل السياسي والإداري والاعلامي, فالحملة الانتخابية ابتعدت كثيرا عن أركان المجتمع المدني رغم تبنيها هذا المفهوم وأول ما يلاحظ في هذا الابتعاد الفتور الواضح في الندوات الشعبية وليس الاعلامية وهي بطبيعة الحال لابد أن تفرز المؤتمرات الانتخابية بشكلها الحضاري والحوارات البناءة في البرنامج الانتخابي للمرشحين بشتى انتماءاتهم ليس المذهبية بل الثقافية, فنحن أمام غياب واضح للمثقفين في الانتخابات الأخيرة التي أظهرت الهيئات الاقتصادية على حساب باقي المؤسسات, وإذا كنا لا ننكر دور الهيئات الاقتصادية في المجتمع فإن هذا الدور منوط بشكل علاقته مع السلطة ومع الشعب, فالمعروف مثلا ان الهيئات الاقتصادية في كوريا الجنوبية تكاتفت مع السلطة كي تثبت وجودها وفعالياتها وسياستها ولكنها في انتخابات عام 1992 وما بعدها استقلت بل شكلت حزبا جديدا معارضا للحزب الحاكم (الديمقراطي الليبرالي) وهذا الشكل من التنافس السياسي بين الاقتصاد والسلطة لا يمكن سحبه كاملا على حالة لبنان لانه في كوريا اعتمد أو هو أصلا معتمد على اقتصاد صناعي متطور بينما في لبنان فهو رأس مال يتطور بأشكال لا نقول إنها خاطئة ولكنها غير صناعية أي لا تستطيع أن تشارك المواطن وترفع من شأنه في العملية الانتاجية بالشكل المطلوب مما يؤدي في النهاية إلى فصل بين السلطة الاقتصادية والشعب بصفته العامل الرئيسي لايجاد السلطة السياسية, ولذلك نرى ان حالة الانتخابات اللبنانية في دورتها البرلمانية الثالثة - بعد الحرب - لا يمكن لها الوقوف في الصف البرلماني الحديث دون اعتماد آليات جديدة لعملها سواء ضمن اقتصادياتها الخاصة أو العامة, تبدأ من علاقة تبادلية وليست تنازعية بين الدولة والمجتمع بصفة المرشحين المنتخبين من المجتمع سيصبحون دولة ومؤسسات حكومية يديرون أمورها بأنفسهم أو بصفة مباشرة (برلمان) همه ايجاد علاقة تآلف وحوار بين السلطة والمواطن من خلال قوانين جديدة لمجمل أشكال النظام والمجتمع مع رقابة مستمرة وسريعة ومباشرة في جميع أجهزة السلطة دون القفز فوق ديمقراطية المجتمع وأفراده وأفكاره والنظر إلى الوضع الخاص الذي يتغلغل في النسيج اللبناني وهو الطائفية كي تتحول من وجه خلاف وصدام إلى وجه حوار ومواءمة. بعد الانتخابات لابد للانتخابات النيابية التي حسمت أن تستمر بتفاعلاتها خاصة أن المعارضة قد فازت على الموالاة, وبدلا من بقاء التفاعلات التصعيدية يبدو ان حملة التهدئة يجب أن تبدأ إذا ما أريد للبنان أن يستمر في نهوضه من أزمات أو يبدأ هذا النهوض بمستوى وطني وسياسي جديد ينظر إلى تجديد السياسة الاقتصادية والعمل على تطويرها المستمر في اطار حكومة وطنية أول ما يسعى إليه هو المواطن الذي سيعتبر لاحقا اما الفاشل الأول في هذه الانتخابات أو الرابح الأول ما دام هو الجزء الرئيسي من السياسة الاقتصادية. ولعل الوفاق الوطني والمصالحة هي الجزء الأهم في أية سياسة جديدة يتخذها البرلمان المنتخب والحكومة المستقبلية ضمن التركيبة الوطنية الخاصة بطبيعة لبنان وظروفه التي مر بها سابقا ويمر بها حاليا خاصة انها اعتمدت بشكل كبير على التوازنات الطائفية التي لم تستطع حتى الآن الارتقاء بشكل كامل من الحفرة التي وقعت فيها. والمشكلة بطبيعة الحال لا تقف الآن عند هذه الأولويات فقط بل تتجاوزها لتشكل مع طبيعتها الخاصة موضوعا جديدا وهو تحرير الجنوب الذي لم يشارك في الانتخابات منذ ثمانية وعشرين عاما, لكنه الآن جاء ليضع بصمته الواضحة في السياسة الداخلية والخارجية للبنان مما يعني المطالبة الحقيقية بدور الجنوب سياسيا وداخليا وتأهيله وبناء البنية التحتية التي محاها العدو الصهيوني خلال مراحل احتلاله للجنوب وحروبه في لبنان. هذا النسيج الملون والمتشعب في لبنان لماذا لا يكون نسيجا متيناً ما دامت بعض أشكال الديمقراطية متوفرة فيه؟ وهذه الأشكال علها تكون البداية الحقيقية لنهوض ديمقراطي أعمق في تربة يبدو ان الديمقراطية تصلح فيها وتثمر ضمن محددات رئيسية خاصة في البنية اللبنانية, وهي بطبيعة الحال غير بعيدة عن المنال ما دامت الرغبة موجودة من السلطة والمواطن في ترسيخها, بل لعل الانتخابات الأخيرة ورغم كل شيء ورغم ما حصل فيها من صراعات تبقى شكلا مهما من أشكال الديمقراطية التي يجب الارتقاء بها من خلال خصوصيتها وخاصة إذا ما أعيد النظر في قوانين الانتخابات وعدل فيها مع بلورة شكل جديد لتركيب السلطة ووعي مستمر لمسناه صراحة في أقوال الرئيس اللبناني وفي المرشح الأوفر حظا لرئاسة الحكومة القادمة رفيق الحريري الذي قال (الرئيس لحود يقول: انه على مسافة واحدة من الجميع, ولا أعتقد ان هناك مشكلة شخصية معه) . وبذلك نستطيع ضمان حقيقة لبنانية واضحة الآن في ذهن المنتخب علها تتوضح بشكل عملي في المرحلة المقبلة. بقلم: محمد أحمد يوسف كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق