بدأت بيروت تستعيد وعيها السياسي والانتخابي بعد الصفعة العنيفة التي اطاحت بالزعيمين البيروتيين رئيس الحكومة سليم الحص والنائب البرلماني تمام سلام في مواجهة رئيس الحكومة السابق الملياردير رفيق الحريري. ومع الاستفاقة تتذكر العاصمة مسلسلا طويلا من التنافس الحاد على زعامتها السياسية منذ مطلع الاستقلال عام 1943 حتى مطلع القرن الجديد, حيث كانت المحطة الوحيدة المشتركة تثبت ان لازعامة احادية عليها لاحد, مهما كانت صفته, ومركزه الرسمي, وعائلته وقوة الدعم الخارجي له. لذلك يبدو ان نتائج الانتخابات قد اعلنت وانتهت, لكن المعركة على الزعامة ما زالت مستمرة, فالجميع يعترفون ويدركون, بمن فيهم الحريري انه: (لو دامت لسواك ما آلت اليك) . فبيروت الامس السياسي القريب كما اليوم, اكدت بدورها تعددية الزعامات, وديمقراطيتها, فما بعد الاستقلال الوطني عام 1943 حافظت على زعامة ثنائية على الاقل: فمقابل رجل الاستقلال رياض الصلح (جد الامير طلال بن الوليد) كان هناك ابن عمه سامي الصلح. ثم توسعت الثنائية بسرعة لتصبح رباعية مع عبدالله اليافي وصائب سلام, بانضمامها ليس فقط الى نادي رؤساء الحكومات, بل والاهم, الى الزعامة البيروتية. حتى الشعارات الشعبية التي تكرس احادية الزعامة سقطت بدورها: (لا حرير لبيروت دون الحريري) (رفيق الحريري), (لا ضمير سليم لبيروت الا بالسليم) (سليم الحص), (ما بيصائب الا صائب) (صائب سلام), (مابيوافي الا اليافي) (عبدالله اليافي). ففشل الحص امام الحريري هذه المرة يستنسخ ما حصل قبل 40 عاما, في عام 1960 عندما فشل رئيس اللائحة اليافي امام منافسه صائب سلام, في ظل حكومة كان الاجماع البيروتي ثابتا على نزاهة رئيسها احمد الداعوق, ورغم ذلك قال اليافي ان فشله (مؤامرة دبروها في الليل) , وذلك في اشارة الى تدخل مخابرات الجيش (الشعبة الثانية) ضده لصالح منافسيه. وكما هذه الاتهامات تتكرر بين الماضي والحاضر بعد انتخابات الاحد الماضي, فان ثمة تشابها آخر في المرحلتين بين رئيسي الجمهورية خلالهما, باعتبار انهما آتيان من قيادة الجيش: العماد اميل لحود حاليا, والجنرال فؤاد شهاب في الستينيات ( 1958 ـ 1964). كذلك فان الاجواء تتكرر بدورها. فالحاضر الانتخابي ماثل ومستمر ومعروف حتى بمعظم خلفياته, لكن الامس القريب قد يكون سقط سهوا من اذهان الكثيرين ممن عايشوا المرحلتين. ففشل الحص امام الحريري عام 2000 يذكر بفشل اليافي امام سلام سنة 1960, وكما انهار تحالف اليافي ـ سلام آنذاك, سقطت محاولة تحالف الحص ـ الحريري منذ الانتخابات النيابية السابقة عام 1996 حتى الآن. عندما انزعج عبد الناصر كيف انهار تحالف الستينيات؟ يروي احد المخضرمين قائلا: كان الرئيسان اليافي وسلام خارجين من معركة معارضة ضد الرئيس كميل شمعون, وكان اليافي اوسع شعبية من سلام حتى عام 1958, حين بويع سلام بقيادة المقاومة الشعبية التي ساهمت في منع التجديد لشمعون, وبالتالي انتخاب الرئيس شهاب, وكان سلام ايضا هو المحاور عن جبهة المعارضة للمبعوث الامريكي روبرت مورفي الذي زار لبنان في يوليو عام 58, عندما انتشر الاسطول السادس الامريكي على سواحل بيروت بطلب من شمعون وكان لايزال رئيسا للجمهورية, وحصل اجتماع سلام ـ مورفي في منزل الدكتور وليد الخالدي المتزوج من رشا سلام في منطقة الرملة البيضاء في بيروت, وتم الاتفاق فيه على مبايعة شهاب بالرئاسة, بعد ان كان سلام قد فهم من السفير المصري عبدالحميد غالب ان قائد الجيش هو ايضا مرشح الرئيس جمال عبدالناصر. يضيف المخضرم قائلا: وعندما اجتمع اليافي وسلام في مايو 1960 للاتفاق على تأليف اللائحة في الانتخابات النيابية, توصلا الى الصيغة التالية: الدكتور اليافي رئيسا للائحة (وكان آنذاك ناشرا لصحيفة (السياسة) اللبنانية, وكانت الاولى رواجا آنذاك) وقطب اللائحة صائب سلام ومرشحوها ثلاثة: عثمان الدنا (مدعي عام استئناف بيروت), رفيق نجا (رئيس حزب الهيئة الوطنية), ونسيم مجلاني. وتصافح اليافي وسلام متفقين على اللائحتين وتبادلا عبارة (توكلنا على الله) . لكن رياح التطورات عاندت سفينة الاتفاق, فقد اتصل (دائما حسب الراوي المخضرم وهو شديد الاطلاع) , السفير المصري اللواء غالب بسلام طالبا الاجتماع به على عجل, وخلاله قال غالب: * الا ترى يادولة الرئيس انكم تسرعتم في اعلان اللائحة مع الرئيس اليافي؟ ـ رد سلام: وأين التسرع؟. * اوضح غالب: هناك رموز وطنية اسلامية تجاهلتموها. ـ علق سلام سائلا عن اسماء مثل هذه الرموز, فرد السفير المصري قائلا: (مثل الاستاذ عبدالله المشنوق (وهو والد المرشح الذي خسر في بيروت على لائحة تمام صائب سلام في انتخابات الاحد الماضي) , فانت تعرف يا دولة الرئيس كم هو عزيز الاستاذ عبدالله على سيادة الرئيس عبدالناصر, فقد كان سيادته ينتظر ان يكون عبدالله رفيقا معكم على اللائحة) . فهم سلام الرسالة, اتصل باليافي وأبلغه بالامر, فرد الاخير بانه غير قادر على التنصل من اسماء لائحته بعد ان اعلنها: (لا استطيع التحرر من وعدي لعائلة الدنا, ورفيق نجا مدعوم من الرئيس العويني والدكتور محمد خالد, والحاج حسن البحصلي ومن كثيرين غيرهم) . لكن سلام اقنع اليافي بمخرج: (حتى لا ينزعج الرئيس عبدالناصر اكثر) , وفحواه ترك مقعدين سنيين شاغرين في اللائحة: (فيقرر الناخب البيروتي ما يريد بشأنهما. وكما كان متوقعا انتفضت عائلة الدنا معتبرة ان اليافي باعها (بأرخص الاثمان) . وكان لذلك انعكاسات على الارض, فعندما كان اليافي يدخل شارع حمد في الطريق الجديدة مشيا لترؤس مهرجان في (ارض جلول) التي تقع عند نهاية الشارع, انهالت عليه من السطوح كميات من البيض والبندورة, فأمر اليافي موكبه بالعودة الى السيارات. وعندما بلغ الخبر مسامع الرئيس سلام قال: (اسقط عبداليافي نفسه في الانتخابات, فلو كنت مكانه لتابعت سيري الى ارض جلول, وارسلت الى السطوح رجالا يلقون القبض على الفاعلين ليسلمونهم الى مخفر الشرطة في منطقة الطريق الجديدة) . وبالفعل سقط اليافي في الانتخابات وهو رئيس للحكومة, وفاز من لائحته: سلام, الدنا, المشنوق ونجا) . تجربة انتخابات 1996 ذلك ما حصل في الستينيات ليتكرر المشهد بين انتخابات 1996 والانتخابات الاخيرة في العاصمة كيف؟ ينقل المخضرم عن الحريري قوله انه لم يكن يريد المعركة الانتخابية عام 96, بل انه بذل المستحيل ليتجنبها: (وعرض على الحص مباشرة, وعبر وسطاء ايضا, ان يكون معه في لائحة واحدة, ومعه اثنان ممن يختارهم, ويتولى هو, اي الحص, رئاسة اللائحة, لا الحريري, ولكن الحص اعتذر عن المشاركة وارادها معركة) . لماذا الاعتذار؟ حسب معلومات المخضرم ان عذر الحص ان الحريري يخوض المعركة بحجم (البلدوزر) فاذا نجح على قائمته فانه يكون قد فاز باصوات الحريري وماكينته, الانتخابية وليس باصواته التي يرفده بها الناس كذلك فإن حجته الى البرلمان على جناح لائحة الحريري (الذي كان رئيسا للحكومة آنذاك), سيعطل عليه حقه الديمقراطي في المعارضة, حتى لو كان رئيسا للائحة, فآنذاك سيرشقه الحريري بتهمة قلة الوفاء والخروج عن الهدف الواحد. ودارت الايام مرة جديدة تدور الايام (الزعامية) في بيروت بعد نتائج انتخابات الاحد الماضي التي كرست الحريري زعيما (كاسحا) بفوز لوائحه كاملة في دوائرها الثلاث. لكن مؤيديه, قبل معارضيه وخصومه مع حلفائه, يتذكرون معه ايام زمان, ويقولون, له ان زعامة العاصمة لم تكن يوما حكرا على شخص واحد. وفي مجلس تهنئة خاص مساء الثلاثاء الماضي في دائرة الحريري في قريطم ببيروت, قيل له الكلام نفسه. وانبرى احدهم ليذكره انه رغم فشل رئيس الحكومة اليافي في الانتخابات النيابية عام 1960, والانتصار الساحق هو الآخر الذي حققه سلام آنذاك, الا ان رئيس الجمهورية شارل حلو لم يلبث ان اعاد اليافي الى رئاسة الحكومة عام 1968 (بعد طول نسيان) , وآنذاك ربح اليافي هذه المرة معركة انتخابات بيروت من المكان الارفع. لكن الحريري يبدي واقعية كاملة حيال كل ذلك, ويقول: في المجلس الخاص نفسه: (انني مقتنع تماما ان الاعتدال والموضوعية والسعي لقيام دولة المؤسسات والخدمات, وما الى ذلك, سيجعلنا نقف على مسافة قريبة جدا من محبة جميع اهل بيروت واللبنانيين عامة, مهما كانت انتماءاتهم) . ويرفق العبارة التالية بابتسامة عريضة تؤكد ثقته بمضمونها, وتقول: (لو دامت لسواك ما آلت اليك) . وبالتالي ولان سواه سيأتي لاحقا بدلا عنه, فقد اكدت مواقف الحريري بعد انتصاره (انه يتصرف كرجل دولة, لا كفائز في انتخابات تتكرر كل اربع سنوات) , هذا ما يقوله حرفيا وزير الداخلية ميشال المر. بيروت ـ وليد زهر الدين