مد وجزر غالبا, حميمة حتى تكاد تظنها شهر عسل دائماً ومشتبكة حتى تكاد تبلغ ذروة التناقض ـ احيانا. يحار كثيرون في توصيفها .. وتشخيص طبيعتها وايضا عللها وافاق تطورها او انحدارها على السواء. انها العلاقات المصرية ـ الامريكية التي تقف على فوهة بركان دائم من التراكمات الاقتصادية و(الاستعلائية) والمصلحية .. وتتعكز على المعونات العتيقة ومصطلحات (العلاقة الاستراتيجية) وغير ذلك. من الصعب توصيف العلاقة باعتبار ان امريكا هي القوى العظمى الوحيدة الممسكة بمقاليد الامور في العالم الا ان علاقة مصر بها تنزع في كثير من الاحيان الى الندية ورفض كل ما يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية وامنها القومي. ويلاحظ احد الخبراء في هذا الخصوص ان مصر التي قد تتلقى الاوامر احيانا ـ كثيرا ما تفاجىء امريكا بمواقف رافضة ومذهلة. كيف هي العلاقات بين مصر وامريكا؟ هل هي علاقة بين دولة قوية مهيمنة واخرى تابعة وضعيفة؟لان امريكا تمنح ومصر التي تأخذ يجب ان تقدم ثمنا لما تأخذه؟ هل هي علاقة ندية وتكافؤ؟لماذا حدثت الازمة الاخيرة بين مصر وامريكا؟ وما هي احتمالات المستقبل بعد التسوية السياسية للصراع العربي الاسرائيلي وبعد توقيع مصر لاتفاقية الشراكة مع أوروبا, أسئلة كثيرة وضعتها (البيان) على طاولة مع عدد من الخبراء المصريين في هذا المجال وهم الدكتور جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة, وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع المصري المعارض, والدكتور جمال زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس, والباحث المصري أحمد النجار بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والمشرف على تحرير التقرير السنوي (اتجاهات اقتصادية استراتيجية) وكل من الخبير العسكري الاستراتيجي المصري اللواء صلاح الدين سليم واللواء محمد نبيل فؤاد فكانت هذه المحصلة. * كيف هي العلاقة بين مصر وأمريكا هل هي علاقة تكافؤ أم استعلاء ام ماذا؟! ـ يقول الدكتور جودة عبدالخالق ان العلاقة بين مصر وأمريكا هي في الواقع علاقة عدم تكافؤ على الرغم من التوصيفات العديدة التي تطلق عليها مثل علاقات تعاون أو مصلحة متبادلة, او .. او ... ولكنها ـ يقول عبد الخالق ـ في واقع الأمر علاقة بين (فيل وفأر) اذ تتلقى مصر مساعدات بمسميات مختلفة في المجال المدني والعسكري من الولايات المتحدة بعضها قروض ميسرة والبعض الآخر منح, وهناك مردود اقتصادي على الولايات المتحدة من هذه المساعدات, فليس سرا ـ مثلا ـ أنه في مرحلة ما تم استخدام الخط الساخن للترويج للقمح الأمريكي على حساب القمح الفرنسي, ويضيف الدكتور عبدالخالق ان امريكا تستفيد ايضا من ناحية استراتيجية فهي كقوة عظمى لها منظور فضفاض لما يسمى بالمصالح القومية, وعلى رأس هذه المصالح تأمين امدادات الطاقة (البترول) في اطار الهيمنة الأمريكية, وهذه المنطقة فيها ثلثا احتياطي البترول المؤكد, وفي هذا الاطار تعتبر مصر هي المربع المركزي على رقعة الشطرنج ويمكن أن نعطي مثلا مهما على هذا: فلو أن مصر رفضت خلال حرب الخليج الانضمام للتحالف الدولي ضد العراق لوجدت الولايات المتحدة صعوبة كبيرة هي وحلفاؤها في تجييش القوات لأسباب أولها: (لوجيستيكي) ويعني نقل القوات عبر قناة السويس او عبر الجو وهناك وجه آخر للمسألة, هو الصعوبات التي ستواجهها امريكا في كسب تأييد الرأي العام العربي في حال رفض مصر الانضمام للتحالف. * لكن مصر لا تقف دائما في خندق واحد مع امريكا خاصة ولكن في مجمل السياسة الخارجية فالى اي مدى تستطيع مصر ان تعزف على هذا النغم (النشاز) ؟ يلاحظ الدكتور جودة عبدالخالق: مصر غير متجاوبة بدرجة كافية مع الولايات المتحدة, وتعتبرها محرضة للفلسطينيين, ما يدفعها الى التلويح باستخدام ورقة المساعدات, وهو التلويح الذي يمكن في اية لحظة ترجمته الى قرار تنفيذي طبقا للحساب الاستراتيجي الأمريكي, ويضيف: اما في مجال السياسة الخارجية, فقد وصلنا الى العظم كما يقال, ومستحيل أن تقدم مصر تنازلات اكثر مما قدمته, والقضية ستصبح مرهونة بمدى قدرة مصر على المقاومة, وهي مرتبطة بالمعادلة السياسية والوضع الاقتصادي, والمحزن في الأزمة الأخيرة أن الذين أخذوا فريدمان بالأحضان قبل اشهر هم انفسهم الذين يتذمرون الآن منه. حديث المعونة * تداولت الاوساط السياسية خلال الأزمة الأخيرة حديثا طويلا عن المعونة الأمريكية لمصر, وكيف أن مصر لا تعطي كما تأخذ ما تعليقكم؟ الدكتور جودة عبدالخالق: المعونة هي في الواقع قروض بشروط ميسرة (أفضل من الشروط التجارية) , وتتضمن اتفاقات المعونة التي تعقد بين مصر والدول والهيئات والمنظمات شروطا عدة, بعضها متعلق باستخدام أرصدة المعونة, وبعضها متعلق بالفائدة, والسداد, والبعض الثالث متعلق بالأولويات العامة في المجتمع, ونظرة الى الشروط المتعلقة بالأولويات نجد أن المساعدات قد انتقصت من قدرة المجتمع المصري على تنظيم أولوياته, وعلى السير في طريقه الخاص, كما أن القبول بالشروط المقترنة بالمساعدات من شأنه أن يخل بمقتضيات العدالة الاجتماعية في مصر, ونظرة الى التاريخ سنجد أن الدول التي سبقت مصر على نفس درب المعونة من ا لفلبين وأندونيسيا والبرازيل قد انتهى بها الحال الى التضخم والقضاء على المشروع الوطني وزيادة التفاوت الاجتماعي والطبقي وتصاعد المديونية, بل وتفشي النظم الديكتاتورية في معظمها, مع غياب التنمية الحقيقية, في حين حققت دول أخرى قدرا أكبر من التنمية دون الاعتماد على المساعدات بل ربما بسبب عدم الاعتماد عليها. كما استخدمت المعونة دائما ومن وحي التجربة المصرية كوسيلة للضغط السياسي ولي الذراع طبقا للحساب الاستراتيجي الأمريكي, وباعتبار أن العلاقة علاقة تبعية وفيها تركيز مفرط على المجال العسكري والاقتصادي فإن قدرة مصر على المناورة هشة جدا ومحدودة, لاسباب عدة اهمها ان الرأي العام المصري وهو في اغلبه معاد لامريكا وبسبب (تحييده) من جانب الحكومة التي لم تعد تستطع بالتالي أن تستعين به, وهذا خصم من قدرتها على الفعل, ودوليا فان الحكومة الأمريكية على مدى ربع قرن فعلت كل ما يمكن فعله لتمتين العلاقات مع مصر وهذه المقاومة المصرية البادية لمحاولة الضغط الأمريكي هي أقصى ما يمكن فعله, هذا اذا لم تتم اعادة هيكلة في كل شيء بما يعني أن يغير النظام الحالي من توجهاته. * ما توقعات مستقبل العلاقة بين القاهرة وواشنطن في ظل تسوية سياسية واردة للصراع العربي ـ الاسرائيلي وفي ظل توقيع اتفاق شراكة بين مصر وأوروبا؟ الدكتور جودة عبدالخالق: لو تم الوصول لتسوية نهائية في الشرق الاوسط لن يكون لمصر الأهمية السياسية والدبلوماسية التي تحتلها حاليا, والدور الذي تلعبه مصر سيصبح أقل أهمية, ولكن طالما أن الوضع متأزم, ويحتمل حدوث انفجار هنا وانفجار هناك فستظل مصر حاضرة كلاعب أساسي. ولكن اذا تم الوصول لتسوية ومن ثم تراجع احتمال نشوب نزاعات اقليمية فستقل أهمية الدور المصري وأتوقع في المقابل ازدياد حدة التوتر مع أمريكا, أما توقيع مصر اتفاقية شراكة مع أوروبا , فان امريكا تعارض بشدة لتوقيع مثل هذه الاتفاقية, نسبة لخشيتها من النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا الاتفاق, مثل حدوث تحول استراتيجي غير مسبوق في علاقات مصر الخارجية ودخول السلع الاوروبية الى مصر بلا حواجز وبلا اعتبار بسبب عدم قدرة الصناعة المصرية على المنافسة لكن عبد الخالق يعود ليقول ان ذلك لا يسبب تهديدا لأمريكا, التي لاحظ انها حددت مجالها الاستراتيجي التجاري الأول مع منطقة (النافتا) والثاني مع المجموعة المسماة (منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي) * أين حساب مشروع الشرق أوسطية في الاستراتيجية الأمريكية في هذه الحالة؟ ـ د. جودة عبدالخالق: تظل الشرق أوسطية مهمة في الحساب الأمريكي, لأن أمريكا تتحمل عبء الدفاع عن اسرائيل واعالة اسرائيل الى ما لا نهاية, والحل: أن تصبح اسرائيل جزءا من كل أكبر هو الشرق الأوسط وشمال افريقيا, في هذه الحالة يمكن أن تحل الاستثمارات الأجنبية محل المساعدات التي تأتي خصما على الموازنة أما الاستثمارات فهي تعاملات في اطار السوق فلا تشكل عبئا فالحاجة للمساعدات ستقل ليس لاسرائيل وإنما لمصر أيضا. من جهته يقول الدكتور جمال زهران: ان الموقف الأمريكي في التعامل مع الشرق الأوسط يتسم بالتعقيد الشديد والانحياز المسبق لاسرائيل بغض النظر عمن يقودها (نتانياهو أم باراك) وضعف الادارة الأمريكية الحالية تجاه اسرائيل اسبابه عدة ومعروفة منها الانتخابات الامريكية وسعي الاطراف المختلفة لكسب اليهود واختيار ليبرمان اليهودي نائبا للرئيس القادم وتقويض كل الأطراف الفاعلة في المنطقة والشرق الأوسط واستقطابها لصالح اسرائيل. (نموذج العراق, ايران, ليبيا, السودان) . ويمكن تحديد الظروف المصاحبة للموقف الأمريكي تجاه المنطقة العربية ومصر على وجه الخصوص بأنها: هيمنة عالمية بلا تحد حقيقي من أي طرف خلال التسعينيات منذ حرب الخليج وحتى الآن وضعف عربي رسمي وشعبي ظاهر وعدم توافر ارادة التنسيق وليس ارادة التحدي باستثناء حزب الله في جنوب لبنان, وتفوق عسكري لاسرائيل أعطى لها القدرة على المناورة وفرض الارادة الاسرائيلية بما يسمى (عصر السلام الاسرائيلي) وطرف فلسطيني يسعى الى التقاط ما يلقى اليه في ظل ظروف معقدة وبعد أن فرغت الشحنة النضالية الباقية ؟؟. ثمن المعونة؟ ويمضي الدكتور زهران في مداخلته ليقدم جردا بحجم المساعدات الأمريكية لمصر منذ عام 1978 حتى عام 2000 والتي يقول انها بلغت حسب حسبة فريدمان (30) مليار دولار و(23) مليار دولار طبقا لبيانات هيئة المعونة الأمريكية, مقابل 100 مليار دولار لاسرائيل عن نفس الفترة ويقول زهران ان هذه المساعدات لم تدفعها أمريكا لوجه الله ولكن مقابل حفاظ مصر على استقرار المنطقة ومنع تصاعد الأزمات فيها, والسعي نحو استقرار الصراع العربي الاسرائيلي باعتبار أن مصر دولة محورية فاعلة في النظام العربي والشرق أوسطي, لكن الدكتور زهران يقول ان هذه المساعدات الأمريكية لمصر اسهمت في فتح السوق المصرية امام المنتجات الأمريكية التي تمتعت بافضلية قصوى حتى بلغ الفائض التجاري الأمريكي مع مصر منذ عام 1974 وحتى الآن نحو 8.44 مليار دولار, وفي مجال الاستثمارات يقول زهران تأتي الولايات المتحدة في المركز الثالث بعد السعودية والكويت في مجال الاستثمارات غير النفطية, حيث بلغت المساهمات المتراكمة لمستثمريها في المشروعات المقامة في مصر حتى منتصف عام 1999 نحو 2869 مليون جنيه مصري, وهو ما يوازي 1.0% من اجمالي الاستثمارات الأمريكية غير البترولية في العالم والبالغة 6.1534 مليار دولار بنهاية 1996 في ذات الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة مقصدا لجزء مهم من الأموال المستثمرة في الخارج. ويضيف أنه في مجال السياحة فان عدد السياح الأمريكيين الذين يزورون مصر سنويا محدود للغاية بالمقارنة بعدد السياح المصريين المتجهين للولايات المتحدة. * في ظل الظروف والتعقيدات كيف يمكن توصيف نمط العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية؟ ـ د. جمال زهران: أنت الآن تتعامل بين دولة صغيرة ودولة كبيرة, وهذا التعامل يخرج عن اطار الندية والتكافؤ وأي نمط لعلاقة من هذا النوع لابد أن يكون فيه نوع من التبعية وليس الندية ولا التنافس ولا التكافؤ, خاصة في اطار ظروف سيطرة القطب الامريكي الواحد. غطرسة وجبروت * لكن كيف ينظر الدكتور زهران للأزمة الأخيرة في العلاقات المصرية الأمريكية؟ يرى د. جمال زهران: مصر تلاعب أمريكا بنفس أسلوبها مع ملاحظة ان أمريكا قوة كبرى تمارس غطرستها وجبروتها, في حين تحاول مصر ان تمارس نوعا من التصعيد المدروس وليس مطلوبا منك ـ يقول زهران ـ أن تمارس غضبا سلطويا.. وإنما نوع من احتواء الأزمات وهذه الأزمات بين مصر والولايات المتحدة ستستمر بل من الممكن أن تتزايد حدتها وطبيعتها مع تغير الأوضاع, فعندما تحل مرحلة السلام, وتكون قد فقدت وظيفتك كلاعب اقليمي مهم وعندما تتناقص المعونة الأمريكية (التي تعتبر جزءا أساسيا من تركيبة العلاقة بين مصر وأمريكا) ستتزايد مساحة الحركة أمام مصر, وتكون العلاقة مع أمريكا مرشحة لمزيد من الأزمات. * كيف تكسر مصر هذا النمط من العلاقة, بمعنى آخر هل تستطيع مصر أن تقول (لا) لأمريكا؟ ـ د. جمال زهران: في العشر سنوات المقبلة لاتستطيع مصر أن تدير علاقتها مع أمريكا خارج نمط التبعية إلا من خلال تكتل عربي, وهذا التساؤل مطروح وهو هل تستطيع مصر أن تقول (لا) في حالة حدوث نوع من الضرر للأمن القومي المصري مثلما حدث بالنسبة لموضوع الطائرة المصرية ومحاولة أمريكا الاضرار بسمعة الطيار التي هي سمعة مصر, كما قاومت من قبل فرض الحصار على ليبيا مثلا, وحالت دون تعرضها لضربة أمريكية, كما طالبت برفع الحصار عن السودان وعدم تصعيده, متجاوزة محنة تعرض الرئيس مبارك للاغتيال وأعتقد أنه بعد عشر سنوات سيكون الانقلاب واردا في العلاقات بين مصر وأمريكا لأن الصراع سيكون قد دخل مرحلة أخرى والمعونة ستتقلص وشكل المنطقة سيكون قد تغير. * وخلال السنوات العشر المقبلة كيف تتعامل مصر مع الولايات المتحدة لكسر نمط التبعية؟ ـ د. جمال زهران: تستطيع مصر أولا أن تستثمر فترة الانتخابات الأمريكية بالسعي نحو اقامة لوبي مصري عربي اسلامي في أمريكا للضغط على المرشحين باعلان مواقف مساندة للعرب والفلسطينيين, وتخفيف حدة التأييد المطلق لاسرائيل, وثانيا: التهديد بالمقاطعة العربية الاسلامية لاسرائيل وعزلها مرة أخرى, ونستطيع ثالثا: استثمار الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتخاذ مواقف مضادة للسلوك الأمريكي, ونستطيع رابعا: تنشيط آليات التجمعات الكبرى في العالم الثالث, وخامسا: اعلان مصري بعودة العلاقات مع ايران والدول المناوئة للولايات المتحدة والتهديد بدعم الانتفاضة في الأرض المحتلة في حالة استمرار السياسة الأمريكية المنحازة لاسرائيل, وتستطيع مصر السعي لدى أوروبا والصين واليابان وروسيا للدخول بكثافة في حل الصراع العربي الاسرائيلي, والأمر في النهاية لا يستلزم انفعالا ورد فعل, وإنما يستلزم استراتيجية ثابتة يحددها مؤتمر قمة عربي عاجل لمناقشة قضية السلام أو القدس فقط وآلية التعامل مع الولايات المتحدة, والخبرة تشير الى التراجع الأمريكي الدائم عند الضغط المصري والعربي. المصلحة الأمريكية من ناحيته يقول الباحث أحمد النجار: ان الموقف الأمريكي مع مصر تتنازعه عدة منطلقات اهمها مصلحة امريكا السياسية مع مصر, فمصر بعد حرب أكتوبر قامت بدور رئيسي بالنسبة للدول التي تسمى بالقومية أو الراديكالية, فخلقت اتجاها في المنطقة للتحول ازاء الغرب, وهذا عمل في حقيقته نقلة هائلة للمكانة الأمريكية في المنطقة. المنطلق الثاني: يرتبط بالمصالح الاقتصادية المباشرة بين الدولتين, فقد حققت الولايات المتحدة مع مصر فائضا تجاريا قدره 45 مليار دولار في الفترة ما بين 1974 و1998 كانت الولايات المتحدة هي المسئول الرئيسي عن العجز التجاري المصري فكانت مصر من الدول القليلة التى تحقق امريكا معها فائضا تجاريا بينما وصل عجزها التجاري مع العالم حتى مايو 2000 , 8.398 مليار دولار, المنطلق الثالث هو برنامج المعونة الأمريكية والمساعدات الأمريكية النقدية لمصر بالقياس لمساعدات دول أخرى هزيلة جدا على مدى ربع قرن, وباقي المساعدات لتمويل شراء الحبوب الأمريكية, والولايات المتحدة هي التي تحدد السعر, وتتقدم معها فرصة اختيار مصر لأفضل أنواع الحبوب. * وكيف ينظر النجار للأزمة الأخيرة بين مصر وامريكا؟ ـ يعتبر النجار: ان السلوك الأمريكي الاخير كان فيه درجة عالية من العنجهية, كان يمكن كما يقول أن تمررها الحكومة في أوقات أخرى, ولكن عند نقاط معينة تظهر الحكومة قوة تذهل الأمريكان, وتظهر رفضا للتجاوزات الأمريكية فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي في الداخل (موضوع مراقبة الانتخابات, الفتنة الطائفية) وكان الأمريكان دوما (شرهين) وكثيري المطالب في مصر, والآن وقد وصلنا في التسوية السياسية الى نقطة حادة هي تمرير الشروط الاسرائيلية الأمريكية في قضايا القدس, اللاجئين, الجولان, المستوطنات, لكن طلباتهم أسوأ من أن تقبلها مصر, وأن تفرضها على أي طرف.الشراكة مع اوروباومع اتجاه مصر لتوقيع اتفاقية الشراكة مع أوروبا, يلاحظ النجار ان ذلك سيطرح اشكالات جديدة حيث ستتزايد علاقات مصر بأوروبا, وستتحول مصر خلال فترة قصيرة لمركز مهم للاستثمارات الصناعية الاقليمية على ضوء شروط اتفاق الشراكة, وفي هذه الحالة يمكن أن تتضاءل أو تتحول التجارة بين مصر وأمريكا, وذلك بالتوازي مع التراجع المقرر سلفا في المساعدات الاقتصادية. ويطرح النجار سيناريوهات محددة للتحولات المحتملة للعلاقات خلال السنوات العشر المقبلة: قائلا ان الامر مرتبط خصوصا بالاقتصاد ويضيف: لو حدث تكتل اقتصادي عربي حقيقي, وتحرير تجارة حقيقي, وليس منطقة تجارة حرة عرجاء فسوف نستطيع أن نفاوض أمريكا من موقع قوي ونحصل على شروط جيدة على طريق الاندماج في الاقتصاد العالمي, اضافة الى ضرورة التركيز على القوى الصاعدة في العالم مثل (الصين, اليابان, الهند, كوريا, الدول الأوروبية) فهذا سيجعل ـ مصر في درجة أعلى من الندية وستجعل الولايات المتحدة تحترم ما تعنيه مصر كقوة قائدة ورئيسية في اقامة علاقة ترتكز على الندية وتبادل المصالح, وليس على أساس ما يتصوره بعض الأمريكيين في توظيف مصر في اطار الاستراتيجية الأمريكية. تقدير خاطىء ويلتقط اللواء صلاح الدين سليم قفاز الحديث ليتحدث عما يسميه درجات من التبعية تعاني منها مصر في علاقاتها مع واشنطن في كافة المجالات وتحتاج ازالة هذه التبعية الى جهود مكثفة من مصر كما يقول لاكتمال استقلال القرار الاقتصادي والامني لمصر. ويلخص اللواء صلاح سليم: أوجه الاختلاف فى المصالح الأمنية والحيوية بين القاهرة وواشنطن فى الآتى: أولا: أن لمصر غاية قومية هى وحدة (مصر والسودان), وهدفاً استراتيجياً مرحلياً هو الحفاظ على وحدة السودان ورفض انفصال جنوبه عن شماله, اضافة الى منع أى مساس بحقوق مصر والسودان فى مياه النيل.. ولمصر أيضا هدف استراتيجى اقتصادى هو التكامل الاقتصادى مع السودان, هذا التكامل الذى كان قد تعثر اتمامه بين البلدين منذ عام 1982 نتيجة الضغوط الأمريكية التى مورست عليهما.. ولمصر ايضا غاية اقتصادية أكثر شمولا وهى التكامل الاقتصادى بين دول الكتلة الجيوستراتيجية المتصلة المكونة من مصر وليبيا والسودان بينما تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تشجيع الحل الكونفدرالى فى السودان أو فصل الجنوب واستقلاله من خلال تصعيد الصراعات بين ابناء السودان الواحد, وتفرض الحصار الاقتصادى على ليبيا من جانب آخر.. وجميعنا نعرف مافعلته الادارة الأمريكية فى احباط مشروعات التكامل الاقتصادى بين الدول الثلاث, ومنها منع تمويل مشروع اراضي الجزيرة فى السودان الذى كان يستهدف زراعة مليونى فدان بالقمح لتحقيق الاكتفاء الذاتى لمصر والسودان من هذه السلعة الاستراتيجية والحيوية للأمن القومى لكلا الدولتين.. مع ان الولايات المتحدة الأمريكية تعلم أن المواطن المصرى يحصل على أكثر من 50% من سعراته الحرارية من الخبز, وبالتالى فهو فى أشد الاحتياج لتوفر مصادر انتاج القمح وطنيا وعربيا حتى لا يتحكم أحد فى قراره واستقلاله السياسى. ثانيا: لمصر مصلحة ودور حيوى وهام على مستوى العالم العربى, والولايات المتحدة تسعى باستمرار لتقليص وتحجيم هذا الدور, فمنذ عهد الرئيس الأمريكى الاسبق (رونالد ريجان) كانت هناك ماتسمى بـ (سياسة الاحتواء الاستراتيجى) التى حاولت الادارة الامريكية ان تفرضها على كافة دول الشرق الأوسط, كما تسعى الولايات المتحدة الى اقامة نظام شرق أوسطى جديد يتراجع فيه الدور القيادى لمصر وتزداد فى النظام الجديد أهمية الدور الاقليمى لمحور (اسرائيل, تركيا) لذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية تريد ان تكون مصر دولة حليفة لها تنفذ وتخدم السياسة الامريكية فى الشرق الأوسط بغض النظر عن استقلالية الدور القيادى لمصر لتحتفظ بوزنها العربى والاقليمى. ثالثا تقف الولايات المتحدة موقفا سلبيا من التحول الصناعى فى مصر حيث ترفض نقل التكنولوجيا المتطورة والمتقدمة اليها, وتقتصر الاستثمارات الأمريكية فى مصر على حوالى (844) مليون دولار وذلك عام ,1999 طبقا لبيانات مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء المصرى.. أى ان الاستثمارات الأمريكية فى مصر أقل من مليار دولار واحد مهما كذبت الادعاءات الأمريكية فى هذا الصدد, كما أن الولايات المتحدة لا تساعد مصر على تعديل الخلل الواضح فى الميزان التجارى بينهما والذى وصل الى 45 مليار دولار خلال الربع قرن الأخير, بل وتفرض الولايات المتحدة قيودا متنوعة على الصادرات الغذائية والزراعية المصرية الى أمريكا. رابعا: قدمت مصر الى الولايات المتحدة اسهاما رئيسيا فى حرب الخليج الثانية, وهو الاسهام الذى سمح ببناء تحالف عاصفة الصحراء, واليوم ترفض الولايات المتحدة, بل وتحارب, اعلان دمشق وتريد ان تستأثر وحدها بالوجود العسكرى فى منطقة الخليج فى اطار الفصل الذى تريده واشنطن بين أمن الخليج العربى, والأمن القومى العربى. خامسا: تتحدث الولايات المتحدة الأمريكية كثيرا عن (حقوق الإنسان) سواء فى مصر والعالم العربى, وتوجه حملات اعلامية منظمة ضد دول عربية عدة فى هذا المجال ومنها مصر والمملكة العربية السعودية بينما تصمت عن انتهاكات حقوق الإنسان العربى فى فلسطين المحتلة, وتعزز حصارها للعراق وهو ما يعد انتهاكا لحقوق شعب بأكمله فى الحياة, بل وتضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية فى الدولتين وهو مايعنى اعلاء ازدواج المعايير مع العرب لصالح اسرائيل. ويشدد اللواء سليم من ناحية اخرى أوجه الاتفاق بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية قائلا انها تتمثل فى رغبة الطرفين فى استقرار السلام فى الشرق الأوسط, والدور المصرى البارز فى التسويات السياسية على كافة المسارات سواء كانت الفلسطينية أو السورية, لكن المشكلة أن واشنطن تحاول أن تورط مصر فى تغطية بعض التنازلات التى تقبلها القيادة الفلسطينية وهى تتعجل فى الوصول الى اتفاق سياسى مع اسرائيل. معونة مشروطة * ولكن ماذا عن جانب العلاقات العسكرية بين البلدين؟! اللواء صلاح سليم: من المعروف ان الولايات المتحدة الأمريكية تقدم لمصر منذ عام 1985 منحة عسكرية مقدارها 3.1 مليار دولار سنويا, لكن هناك قيودا عديدة على هذه المنحة, وهذه القيود لا تعانى منها اسرائيل التى تأخذ نفس المنحة بشكل أكبر حيث تصل الى مليارى دولار سنويا وبينما تظل المنحة العسكرية لمصر فى تناقص فإن المنحة العسكرية لاسرائيل تتزايد بنفس مقدار مايقتطع من المنحة المصرية, والولايات المتحدة تفرض على مصر أن تشترى أسلحة ومعدات عسكرية أمريكية من هذه المنحة وان يتم نقلها على سفن أمريكية وان تدفع مصر تكاليف الخبراء الأمريكان الذين سيدربون الجنود المصريين عليها من هذه المعونة, أيضا يتحكمون فى الموافقة على نوعيات الأسلحة التى تطلبها مصر, فالولايات المتحدة مثلا ترفض ان تقدم لمصر صواريخ الدفاع الجوى الاعتراضية (باتريوت 2) الموجودة فى اسرائيل وبعض الدول العربية فى الخليج, أو (باتريوت 3) التى ستدخل الى الخدمة فى الولايات المتحدة وجيوش حلفائها قريبا.. كما ان الولايات المتحدة تشارك اسرائيل فى تطوير صاروخها الاعتراضي (أرو 2) أو (حيتس) وتموله بحوالى 6.1 مليار دولار, وتقدم مساعدات فنية لبرنامج الصواريخ متوسطة المدى (اريحا 2) و(اريحا 3), بينما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية كل مابوسعها لوقف برامج التعاون بين مصر والأرجنتين وكوريا الشمالية فى مجال انتاج (الصواريخ الاستراتيجية) الى حد تجنيد السفير الكورى الشمالى فى القاهرة كعميل للمخابرات المركزية الأمريكية (سي. اى. ايه) وتهريبه الى واشنطن.. كما تضن الولايات المتحدى على مصر بالمساعدة فى توازن اقتصاديات الانتاج الحربى وتسمح لاسرائيل ان تظل واحدة من أكبر ثمانى دول مصدرة للسلاح على مستوى العالم بينما ترفض ان تبيع مصر من انتاج مصانع الدبابات المصرى أى دبابة لأية دولة أخرى رغم احتياج بعض الدول العربية الى الطراز الذى ينتجه المصنع المصرى.. أما مسألة التدريبات المشتركة بين الجيشين الأمريكى والمصرى فهى تحقيق جدوى لأطرافها, وان كان الطرف الأمريكى يتعرف خلالها على طبيعة مسرح العمليات وهو سبب انتقاد البعض لمناورات النجم الساطع. ولكن الآن سنجد ان هذه المناورات تتيح لمصر أن تتعرف على أحدث نظم القيادة والسيطرة والمخابرات العسكرية واستخدام الميكنة والحواسب الآلية فى ادارة العمليات, وبصفة عامة فان ايجابيات هذه المناورات تزيد عن سلبياتها, والمهم ان تدار على أساس خطة مصرية وادارة مشتركة لمراحل المناورات حتى لا يتكرر الخطأ الذى وقعنا فيه ابان حرب الخليج الثانية, حيث انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بوضع خطة (عاصفة الصحراء) وكادت ان تنفرد بقيادة العمليات لولا تدخل كل من مصر والمملكة العربية السعودية. الخبير العسكري الاستراتيجي اللواء محمد نبيل فؤاد: يتحدث بتسليم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوى العظمى الوحيدة التي تتربع على قمة العالم وسوف تستمر كذلك الى سنوات عدة مقبلة, وبالتالي ليس لنا أن نعادي هذه القوة, وذلك بصرف النظر عن وجود اختلافات معينة في رؤية الطرفين لدورهما ومجال حركتهما الحيوي في المنطقة, وأعتقد أنه لايوجد بدائل لدى مصر في احداث التفاهم العام مع الولايات المتحدة, حيث كانت هذه البدائل متوافرة فى مرحلة الحرب الباردة بين القوتين العظميين وقتها وهما الاتحاد السوفييتي السابق, والولايات المتحدة الأمريكية, الآن لا توجد قوة عظمى مناوئة للقوة العظمى وهى أمريكا, فى الماضى كان يمكن أن تتجه العلاقات وخاصة فى المجال العسكرى من طرف إلى الطرف الآخر, أى من الولايات المتحدة الى الاتحاد السوفيتى أو العكس. والآن لا يوجد ذلك, ومن هنا أرى أن التوجه المصرى الحالى فى العلاقة مع الولايات المتحدة وبهذه الكيفية يفرضه وجود الولايات المتحدة الأمريكية وتربعها على قمة العالم كدولة عظمى وحيدة ومنفردة.. ولذا تحاول مصر أن تكون حريصة على وجود التفاهم العام مع أمريكا واستمراره. طبيعة الخلافات ويحدد اللواء محمد نبيل فؤاد: ابرز الخلافات بين واشنطن والقاهرة قائلا انها تتعلق بالصراع العربى. الاسرائيلى فى منطقة الشرق الأوسط والمحاولات المبذولة لتسوية هذا الصراع بصورة سلمية تحقق لجميع أطرافه فى المنطقة الأمن والاستقرار, ومصر موقفها مبدئي فى هذا الاطار ودورها فى تسوية الصراع سلميا دور محوري لا يمكن اغفاله أو الاستغناء عنه, وموقف مصر مساند ومطالب بعودة القدس كاملة الى السيادة الفلسطينية, وداعم للدولة الفلسطينية ذات السيادة المستقلة فى حال اعلانها, كما انه يدعم ويساند الشقيقة سوريا فى استرداد كامل ترابها الوطنى فى الجولان وفقا لقرارات الشرعية الدولية التى صدرت بهذا الخصوص, وان تتم تسوية كافة هذه الأمور وغيرها وفقا لقرارات الشرعية الدولية التى اصدرتها الأمم المتحدة منذ اندلاع هذا الصراع.. غير ان الولايات المتحدة على الجانب الآخر لا تعمل على ذلك, وانما هى تعلن فى كل مكان وزمان انها ملتزمة تجاه اسرائيل, فهى تضمن أمن اسرائيل, وتضمن التفوق العسكرى والتكنولوجى لاسرائيل على كل العرب, ونرى ذلك فى أموراً عديدة مثل أن تعطى الولايات المتحدة لمصر طائرات (أف 15) على سبيل المثال, وتعطى اسرائيل طائرات (أف 16) الأكثر تطورا, وهذا بلا شك نوع من أنواع التباين فى وجهات النظر, ايضا مصر تطالب باخلاء منطقة الشرق الأوسط من كافة أسلحة الدمار الشامل, وبالتالى تزيل اسرائيل ترسانتها النووية المؤكدة والمعترف بها من أكثر من مصدر اسرائيلى وأمريكى الا ان الولايات المتحدة لا تتخذ أية خطوات ايجابية فى هذا الاطار بل وتشن حملة سياسية واعلامية على مصر لاجبارها على توقيع معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية الدولية, فى حين لا تمارس أى نوع من الضغط على اسرائيل للتوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية. القاهرة ـ حوار: نور الهدى زكي واحمد مراد