تتفاوت ردود الفعل الفلسطينية إزاء الموقفين الإسرائيلي والأمريكي من اعلان الدولة الفلسطينية بين اللين والشدة وفي اطار تراشق إعلامي مع إسرائيل فقد خرجت بعض التصريحات الفلسطينية, التي تؤكد على السعي نحو السلام وإن إعلان الدولة ليس انسحاباً من العملية السلمية بينما جاءت تصريحات أخرى تحمل لهجة التهديد المضاد بالعنف وإشعال الانتفاضة من جديد وبالنسبة للنوع الأول من التصريحات قال صائب عريقات رئيس طاقم المفاوضات الانتقالية ان الفلسطينيين لم يغلقوا الباب أمام المفاوضات وهم معنيون بالسلام في حين عقب أحمد قريع (أبو علاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني ورئيس الطاقم الفلسطيني في المفاوضات (السرية) على أقوال يوسي بيلين معتبراً أنها دليل على أن الموقف الإسرائيلي لم يتضح بعد (ومازال بعيداً عن أن يفهم حقائق المنظمة) , أما حنان عشراوي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني فقالت رداً على تهديد باراك بضم أراض في الضفة الفلسطينية أن هذه التهديدات (فضحت العقلية الإسرائيلية العنصرية المبنية على العنف والهيمنة) , وفي هذا السياق جاءت انتقادات أحمد عبدالرحمن أمين عام مجلس الوزراء الفلسطيني حيث وصف تصريحات يوسي بيلين بأنها تدل على أن السلام ليس خياراً إسرائيلياً استراتيجياً كما حمل الحكومة الإسرائيلية أي مواجهة مضيفاً أنه إذا كانت إسرائيل قررت السير في خيار المواجهة والعمل العسكري فإنها تتحمل مسئوليتها أمام العالم, وفي هذا السياق أيضاً جاءت تصريحات نبيل أبو ردينة مستشار عرفات حيث وصف تهديدات ديفيد ليفي بأنها تصعيد خطير قائلاً ان الدولة حق فلسطيني طبيعي إضافة إلى أن هذا ما نصت عليه الاتفاقيات المعقودة مع إسرائيل, ومن جهة أخرى أعلن نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني أنه يأمل ألا يكون إعلان الدولة حجة تستغلها إسرائيل للقيام بعمل عدواني ضد الفلسطينيين, كما اعتبر شعث أي أساس التصريحات الإسرائيلية هو إيجاد جو من الخوف أو القلق لردع الفلسطينيين عن القيام بإعلان الدولة.وأما النوع الثاني من التصريحات والتي تعكس نوعاً من التشدد الفلسطيني فقد هدد عرفات بإشعال الانتفاضة الفلسطينية من جديد رداً على تهديدات إسرائيلية باستخدام الدبابات والطائرات في ضرب المناطق الفلسطينية, كما أكد مسئول الملف الأمني في مفاوضات الحل النهائي العقيد محمد دحلان أن الإعلان سيتم في موعده المقرر حتى ولو كان ثمنه مواجهة مع الجانب الإسرائيلي بمعنى أن الفلسطينيين مستعدون للدخول في مواجهة عسكرية مع الجانب الإسرائيلي ـ على حد قول دحلان ـ وفي هذا السياق حذر الوزير الفلسطيني عماد الفالوجي من أنه إذا ما قامت إسرائيل بأي حماقة سيكون الرد الفلسطيني قوياً وفي قلب إسرائيل نفسها, ويرى البعض أن هذه التصريحات تعني أن الفلسطينيين يعلنون تهديداً مضاداً لإسرائيل حيث أعلنوا استعدادهم (لكل شيء) والتحرك في الداخل الإسرائيلي بما يعني أن الانتفاضة إذا ما عادت ستكون هذه المرة أشمل وأوسع من ذي قبل وربما كانت مشحونة بفعل الانتصار المتحقق في جنوب لبنان وما خلفه من آثار وحوافز في الأوساط الشعبية الفلسطينية على وجه الخصوص. وعلى جانب آخر لم تسلم الولايات المتحدة من الانتقادات الفلسطينية حيث هاجم أحمد قريع ازدواجية الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل لغاية رفض واشنطن الاعتراف بالدولة الفلسطينية حال إعلانها من جانب واحد مذكراً بأن الولايات المتحدة كانت أول دولة تعترف بإسرائيل لحظة إعلانها بشكل أحادي. وفي هذا السياق أشار أحمد عبدالرحمن أمين عام مجلس الوزراء إلى أن إعلان الدولة بعد انتهاء الفترة الانتقالية هو تطبيق لرسالة الضمانات التي بعث بها الرئيس كلينتون للقيادة الفلسطينية عشية عقد دورة المجلس المركزي في مايو 1999 وأشار عبدالرحمن أيضاً إلى إعلان برلين الصادر في مارس 1999. الدولة والموعد بعيداً عن مواقف الأطراف المعنية يثور تساؤل هام وهو هل سيتم إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة في الثالث عشر من سبتمبر الجاري ؟ أم لا ؟ وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل برزت مجموعة من التحليلات التي تباينت حول تحقيق هذا الهدف فالبعض وهو الأقل يرى أن الدولة ستعلن والبعض الآخر وهو الأكبر يرى أن الدولة لن تعلن في حين بررت تحليلات أخرى ترى إمكانية إعلان الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر الجاري. أما بالنسبة لمن يرى أن الدولة ستعلن في الثالث عشر من سبتمبر فإن معظمهم من المسئولين الفلسطينيين المتحمسين لإعلان الدولة وعلى رأسهم يأتي العميد مازن عزالدين المفوض العام للتوجيه الوطني الذي أكد أن الاستعدادات لإعلان الدولة اكتملت وقال ان مؤسسات السلطة قادرة على التعاطي مع هذا القرار الذي وصفه بـ (التاريخي) وجاهزة لدفع استحقاقاته بدءاً من دفع ضريبة الدم والشهادة مروراً بتحمل كافة الاحتمالات والظروف. وفي هذا السياق جاءت بعض التصريحات الأخرى التي تؤكد أن الدولة ستقوم في موعدها. وأما بالنسبة لمن يرون أن الدولة لن تعلن في موعدها المحدد فإنهم كثيرون وقد استندوا على مجموعة من العوامل والأسباب التي تؤكد وجهة نظرهم وأهمها ما يلي : 1 ـ يرى البعض أن قرار المجلس المركزي الفلسطيني بإعلان دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية العام الحالي قد جاء (مبهماً ) وغامضاً, كما أن صياغة البيان الختامي لاجتماعات المجلس وخاصة تلك المتعلقة بإعلان الدولة جاءت (باردة ومهادنة) وتفتقر إلى اللهجة الصدامية الحادة التي كانت سائدة من قبل الاجتماعات وهو ما يوحي ـ على حد قول هذه المصادر إن (رسالة ما ) وصلت إلى القيادة الفلسطينية وربما من الولايات المتحدة تضمنت تهديدات لا يمكن تجاهلها وأدت إلى تبني لهجة معتدلة عن ذي قبل, ويرى آخرون أن البيان لم يحدد موعد قيام الدولة في 13 سبتمبر وإنما ترك الموعد مفتوحا بما يتيح للسلطة الفلسطينية إعلان قيامها حتى نهاية العام الجاري وأنه من الممكن إعلانها في منتصف نوفمبر المقبل الذي يوافق إعلان الاستقلال الذي أصدره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته بالجزائر عام 1988.وفي هذا الشأن قال البيان (بالإشارة إلى قرب انتهاء المرحلة الانتقالية فإن المجلس المركزي الفلسطيني يدعو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لبدء حملة إجراءات باتجاه إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة) ومع ملاحظة أن الفترة الانتقالية تنتهي في 13 سبتمبر فإن ذلك يعني إمكانية إعلان الدولة في أي موعد بعده تراه القيادة الفلسطينية, وبالإضافة إلى ذلك اعتبر البعض أن المرونة التي حاول القادة الفلسطينيون الإيحاء بها إنما ستؤدي إلى منح إسرائيل أداه جيدة للمماطلة واللعب على (دبلوماسية ) السلطة الفلسطينية وليس إلى إعطاء القيادة الفلسطينية حرية الحركة طبقاً للمتغيرات السياسية كما يدعي البعض أو إلى ترك مجال للمناورة أمام عرفات في محادثات السلام أو حتى للسماح بتفسيرات مختلفة من قبل المعارضة الفلسطينية والمجتمع كما يقول آخرون وقد حاول بعض المسئولين الفلسطينيين تبرير هذه المرونة والغموض بطريقة أخرى حيث قالوا أن المرونة في صياغة بيان المجلس المركزي يمكن أن تسمح بإصدار إعلان قبل الثالث عشر من سبتمبر إذا تم التوصل إلى اتفاقية مع إسرائيل, أو بعد هذا الموعد, إلا أن هذا التبرير لا يجانبه الصواب فالفترة المتبقية على موعد الثالث عشر من سبتمبر تعد قليلة وغير كافية لإبرام اتفاقيات جوهرية بين السلطة وإسرائيل. 2ـ إن تصريحات المسئولين الفلسطينيين أنفسهم والعبارات الفضفاضة وغير الحاسمة بشأن موعد إعلان الدولة إنما تعكس عدم جدية الأمر فقد أعلنت السلطة الفلسطينية أن قرارات المجلس المركزي تمنحها (حرية) تحديد موعد إعلان قيام الدولة الفلسطينية حتى نهاية العام الحالي حيث كان المجلس قد قرر إعلان قيام الدولة فور انتهاء المرحلة الانتقالية, كما أكد كذلك على أن الموعد بعد ذلك سيكون مفتوحاً أمام القيادة الفلسطينية لإعلان تجسيد ممارسة سيادة الدولة الفلسطينية, وفي هذا السياق فإن رغم أن الرئيس عرفات أكد أن قرار الدولة لا رجعة عنه إلا أنه لم يحدد صراحة موعد هذا الإعلان وقال (الدولة ستعلن هذا العام) , وبالإضافة إلى ذلك ذكر مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى أنه تبين من تقرير وصل إليه أن عرفات يميل إلى تأجيل الحسم حول الدولة وأكد المصدر أن عرفات قال في حديث معلن مع المحافل الأمنية أنه يمكن تأجيل هذا الموعد إذا تحقق تقدم مهم جداً في المفاوضات مع الإسرائيليين وفي اللقاء نفسه أكد عرفات أنه ينبغي استخدام وسائل الإعلام لنقل رسائل واضحة بأن الإعلان عن الدولة سيجري في 13 سبتمبر لكن قيام الدولة نفسه لن يتم بالضرورة في هذا الموعد فليس هذا تاريخاً مقدساً, ومما يعزز هذا الطرح ما أعلنه بعض المراقبين من أنه (إذا حصل عرفات على شيء جيد فسيكون بإمكانه القول للفلسطينيين (لتؤجل إعلان الدولة) لقد حصلنا على شيء مهم مقابل ذلك) , ولم يكن عرفات وحده الذي أطلق تصريحات تعكس عدم قدسية موعد الثالث عشر من سبتمبر إنما أعلن ذلك سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني قائلاً أن احتمالات التأجيل واردة سنبحث استعدادنا لقيام الدولة وسنبحث الظروف الدولية وإذا رأينا أن المشاورات تقتضي التأخير عن 13 سبتمبر فمن الممكن أن يحدث ذلك كما قال الزعنون (نحن غير مقيدين بأي موعد وسنختار الوقت المناسب) وأضاف أيضاً ( وقد يكون هناك اجتماع آخر للمجلس المركزي وقد يكون هناك عند إعلان الدولة اجتماع عام للمجلس الوطني في أرض الوطن) , كما أوضح الزعنون أيضاً أن الضغوط لتأجيل إعلان الدولة مستمرة وقائمة فالإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مع التأجيل وليس مع إعلان الدولة من جانب واحد, وبالإضافة إلى تصريحات عرفات والزعنون جاءت تصريحات الأمين العام للرئاسة الفلسطينية الطيب عبدالرحمن الذي قال (أننا قد نعلنها في سبتمبر ومن الممكن في منتصف نوفمبر الذي يصادف إعلان الاستقلال الصادر عن المجلس الوطني في دورته في الجزائر 1988 ولكن الموعد متروك للأطر الفلسطينية وللقيادة الفلسطينية) . 3 ـ لا توجد استعدادات على الأرض لتجسيد إعلان الدولة وبسط سلطتها كما لا يوجد ما يوحي بأن الدولة ستعلن حقيقة في 13/9/2000 نظراً لانشغال السلطة بحالة القلق والتوتر التي تبثها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية, وفي هذا السياق يتوقع عدلي صادق وكيل وزارة التخطيط والتعاون الدولي في غزة أن يتم التأجيل نظراً لعدم إكمال الاستعدادات الفلسطينية الرسمية لمثل هذا الحدث المهم ويتفق مع هذا الرأي كثير من أعضاء السلطة والمعارضة الفلسطينية على حد سواء نظراً لأن الاستعدادات غير كافية والجاهزية السياسية والاقتصادية غير قائمة حتى الآن, فالأمر لا يتعلق بمجرد الإعلان ولكن لابد من توافر أطر سياسية واقتصادية واجتماعية لكي تقوم الدولة وهو ما لم يتوفر حتى الآن, ويدعم الطرح السابق ما هو متوقع من قيام مواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين حال إعلان الدولة بشكل منفرد, وهو ما يعني أنه لابد أن يكون هناك استعداد غير أنه لم يُسمع من المجلس المركزي بوضوح خيارات مثل إعلان الدولة كبداية لحالة نضالية لا تتوقف, ولا تبدو في الأفق استعدادات لخوض مرحلة نضالية سيُفرض فيها الحصار والتجويع, كما أنه لا توجد تعبئة فلسطينية ولو على الأقل في مواجهة التعبئة العلنية الإسرائيلية, كما أن القوى السياسية الفلسطينية الفاعلة عسكرياً لا تريد التورط على ما يبدو في عمليات عسكرية ضد إسرائيل تستفيد منها السلطة ثم تدفع تلك القوى الثمن بالمزيد من الاعتقالات في الداخل والتضييق في الخارج, وبمعنى آخر فإن قرار المواجهة لم يتخذ أصلاً فلو كان هذا القرار متخذاً فإن الأمر لايحتاج إلى الانتظار لحين إعلان الدولة ولبدأت المواجهات فوراً وعلى كل المستويات ولكن قرار المواجهة لم ولن يتخذ في الوقت الراهن على الأقل لأن قراراً آخر بالمضي في العملية السلمية جرى تبنيه. 4 ـ أن الشارع الفلسطيني ربما يكون غير متحمس لخطوة إعلان الدولة بالصورة التي يمكن أن تكون عليها الآن, ويرجع عدم حماس الشارع الفلسطيني أصلاً إلى أن السلطة تركته جانباً وهمشته حتى أصبح سلبياً في أحيان كثيرة وأصبح دوره الانتظار فقط عما ستسفر عنه الأحداث, ويرى البعض أن الشارع معني بالطبع بإعلان قيام الدولة ولكن ليس وفق رؤية السلطة فهو يريد دولة حقيقية على الأرض وذات سيادة تتحكم في المعابر وتلغي إجراءات الحصول على تصاريح, فالدولة بالنسبة للشارع الفلسطيني هي تسهيل للأمور واستقلالية فلسطينية في اتخاذ القرار, ومما يزيد من عدم تحمس المواطن الفلسطيني هو انخفاض الروح المعنوية لديه حيث تنشغل القيادة بمسألة إعلان الدولة أم لا. في حين تقوم بتهميش المواطن وتعتبره آخر شيء يفكر فيه واهتمام السلطة فقط بالاعتبارات السياسية وإهمال العامل الإنساني أمر خطير جداً في هذه المرحلة بالذات ونتيجة كل هذه الأمور فقد كشف استطلاع للرأي أجراه أحد المراكز البحثية أن أغلب الفلسطينيين يشكون في إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام نهائي مع إسرائيل بحلول 13 سبتمبر, كما أنهم يشكون في أن يعلن الرئيس عرفات إقامة الدولة الفلسطينية في ذلك التاريخ حيث استبعد 8.59% من الذين شملهم الاستطلاع حل الخلافات الأساسية في الصراع بحلول 13 سبتمبر كما قال 6.51% من الذين أجري عليهم الاستطلاع أنهم يعتقدون أن عرفات لن يعلن الدولة. 5 ـ بناء على الأسباب والعوامل السابقة أعتبر البعض أن تحديد 13 سبتمبر لإعلان قيام الدولة يهدف إلى مضاعفة الضغوط الفلسطينية على إسرائيل والولايات المتحدة للموافقة على تعهدات سابقة بخصوص الانسحاب واللاجئين والمستوطنات بالإضافة إلى الحصول على مطالب جديدة, وفي هذا الشأن قال بعض المحللين أن الفلسطينيين (خلقوا وضعاً اما أن يحصلوا خلاله على شيء ما في المفاوضات يبرر تأجيل الدولة أو أنهم سيعلنونها) , كما أكد بعض المحللين الإسرائيليين أن هدف الفلسطينيين هو الحصول على (تنازل مهم ) إلا أن هناك مشاكل ومخاطر جدية للغاية بالنسبة لهم إذا أعلنوا الدولة من جانب واحد, ويرى آخرون أن القيادة الفلسطينية تستخدم ورقة إعلان الدولة لتحسين الشروط والظروف الفلسطينية خلال المفاوضات فالقيادة الفلسطينية تدرك أن الاعتراف الأمريكي بهذه الدولة حال إعلانها هو الضمان الوحيد لدخولها الأمم المتحدة والحصول على اعترافات أخرى لا تقل أهمية وخاصة الاعتراف الأوروبي, مثلما تدرك هذه القيادة أيضاً أن الاعتراف الأمريكي لا يمكن أن يتم الحصول عليه إلا في إطار اتفاق مع الدولة العبرية ولذلك لم يكن غريباً أن تعارض واشنطن إعلان دولة فلسطينية من جانب واحد. ويرى البعض أن كلينتون لم يسارع إلى طلب عقد القمة الثلاثية التي عقدت في يوليو الماضي بمنتجع كامب ديفيد إلا بسبب قرار المجلس المركزي الفلسطيني بإعلان تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض بحلول الثالث عشر من سبتمبر الجاري سواء باتفاق مع إسرائيل أو دون اتفاق معها حيث أن هذا القرار يعني بالنسبة لكلينتون أن مشروع التسوية السياسية قد فشل وهو ما يعني فشلاً للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط والتي كانت قد تبلورت منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية وتقوم هذه الاستراتيجية على بندين : الأول :حل مشاكل المنطقة العربية وبالأخص الصراع العربي الإسرائيلي وفرض حالة شاملة من الهدوء بسبب أهمية المنطقة العربية الاستراتيجية والنفطية . والثاني : دمج إسرائيل في المنطقة العربية وإدخالها إلى أسواقها. وكان الرئيس عرفات لا يريد حضور القمة قبل أن تتعهد إسرائيل كتابة بتطبيق قراري مجلس الأمن رقمي 242 و 338 اللذين يشكلان أساساً لعملية السلام, وفي هذا السياق وضع عرفات شروطاً لحضور القمة الثلاثية وتتلخص في تنفيذ المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين والحصول على ضمانات أمريكية للمطالب الفلسطينية في شأن المسائل المدرجة على جدول أعمال مفاوضات الوضع النهائي. وعلى الجانب الآخر كان باراك متلهفاً على عقد القمة أملاً في أن يستطيع تسويق حل انتقالي آخر لا يشمل القدس واللاجئين وأملاً في أن ينضم كلينتون إليه في الضغط على عرفات لانتزاع تنازلات فلسطينية. وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك بعض القوى السياسية التي شككت في قدرة عرفات على إعلان الدولة وعلى رأس هذه القوى حركة (حماس) التي أعلنت أن نتائج الاجتماع الأخير للمجلس المركزي الفلسطيني أبقت قرار إعلان الدولة وإجراءات التنفيذ بين القيادة الفلسطينية لتستخدمها كورقة مساومة للحصول على (الفتات المتبقي) من المرحلة الانتقالية, كما شككت المنظمة كذلك في التشدد الذي يبديه كلاً من الجانبين حول إعلان الدولة معتبرة أن التشدد في التصريحات والمواقف تشدداً ظاهرياً ومفتعلاً لتهيئة الرأي العام للتنازلات المقبلة, وبغض النظر عن موقف حماس إلا أن الثابت من وجهة نظر البعض أن المواطن العادي وبعض القوى السياسية تشكك في إعلان الدولة في الموعد المعلن من قبل القيادة الفلسطينية. ورغم فشل القمة فانه تبرز في هذا السياق عدة سيناريوهات أهمها : 1 ـ إعلان الدولة الفلسطينية مع انتهاء فترة المرحلة الانتقالية في الثالث عشر من سبتمبر الجاري ولكن وفق الشروط والمواصفات الإسرائيلية والأمريكية مع بعض التنازلات الطفيفة من الجانب الإسرائيلي في الصياغة فقط وبما ينقذ ماء وجه المفاوض الفلسطيني ويعطيه الأدوات اللازمة لتسويق الاتفاق إلى أبناء شعبه, وفي هذا السياق يرى البعض أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريد أن يقبل الفلسطينيون بـ (دولة مسخ) لا سيادة لها ولا حرية ولا استقلال, دولة تقوم على بعض الأرض ومن دون أن يسمح للفلسطينيين حتى بالتفكير في أن تكون القدس عاصمة لدولتهم. 2 ـ بعد فشل القمة في التعاطي مع الموضوعات الرئيسية ومع زيادة قنوط القيادة الفلسطينية من إبرام اتفاقية قبل حلول 13 سبتمبر الجاري قد يتجه الفلسطينيون إلى إعلان دولتهم فعلاً في الثالث عشر من سبتمبر الجاري خاصة وان وجهة نظر الفلسطينيين تقوم على أن إسرائيل هي الجهة التي تعرقل التقدم في محادثات السلام في وقت راح عرفات ومعاونوه يقدمون التنازلات إلى حد أثار حفيظة المجتمع الفلسطيني إجمالاً, إلا أنه في هذه الحالة يجب أن يزيد عرفات وبكل حرص المخاطر المطروحة والأهم أن يحصل على أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي قبل أن يقوم بالإعلان عن قيام الدولة ويجب عليه كذلك مواجهة الضغوط الأمريكية وأن يوضح أن إخفاق الولايات المتحدة حتى الآن في إقناع إسرائيل بالالتزام بقرارات الأمم المتحدة والانسحاب من الأراضي المحتلة هو الذي أوصل المسافة إلى حدود الأزمة. 3 ـ السيناريو الثالث هو أن يتم الاتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين على تأجيل الإعلان إلى موعد آخر وذلك نظير ثمن سياسي يقبل به عرفات ويعزز ذلك ما قاله البعض من أن عرفات قد يقبل التأجيل إذا ما استطاع أن يحصل على شيء مهم.ويبدو أن السيناريو الأول والثالث هو الأكثر قبولاً وأن كان الأخير هو الأجدى لعرفات فالسيناريو الأول قد لا يكون مقبولاً من الفلسطينيين ومن الشارع الفلسطيني والقوى السياسية الداخلية, كما أن السيناريو الثاني صعب الحدوث لان عرفات لا يستطيع أن يعلن الدولة ويواجه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الشديدة, على ذلك يكون السيناريو الثالث هو الأصلح للتطبيق حيث قد يحصل عرفات على ثمن سياسي مناسب يستطيع إقناع شعبه من خلاله بقبول مبدأ التأجيل. القاهرة ـ مكتب البيان