اقامت جامعة الخرطوم الخميس الماضي ندوة جامعة بعنوان (ضرورات الحل السلمي والوفاق الوطني) , واتسمت الندوة على ما سبقها من ندوات سياسية بميزات ثلاث هي: الأولى انها عقدت بواسطة وحدة اكاديمية هي مركز ابحاث السلم, وهو يعنى بالدراسات النظرية والتطبيقية في مجال السلم, وافتتح الندوة بروفيسور عبدالملك محمد عبدالرحمن مدير الجامعة, فالندوة اذن تقام باسم الجامعة وليس باسم فريق من الطلاب أو فريق من الاساتذة ينتصر لوجهة نظره مع الحكومة كانت أو مع المعارضة, وكان هذا هو الديدن في معظم الندوات والمحاضرات ذات الصبغة السياسية التي اقيمت بالجامعة منذ ان اندلعت بيننا طيبة الذكر (ثورة اكتوبر) المجيدة, فقد حدث بعدها استقطاب سياسي حاد خاصة بين اهل اليمين وأهل اليسار, كانت الجولة في منتصف الستينيات لطائفة اليسار وانقلبت بعد عقدين من الزمان في منتصف الثمانينيات لمصلحة الاسلاميين من اهل اليمين, واحسب ان حكومة الانقاذ فعلت بأهل اليمين ما فعلته سلطة مايو بجماعة اليسار قذفت بهم سنوات عديدة إلى الخلف, وقد تكون الجولة اليوم في مصلحة اهل الوسط ان انتظموا في جماعة قومية المنحى معتدلة الاتجاه مستنيرة الرؤية, لقد بدأت الجامعة تدرك ان لها دورا قوميا ينبغي ان تؤديه في الساحة السياسية, لا بحسبانها أما ولودا لافراد ناشطين في السياسة الحزبية ولا ضير عليها ولا عليهم في ذلك, ولكن بصفتها مؤسسة قومية مدينة لهذا الشعب الابي الصابر بوجودها وازدهارها وسمعتها العلمية الراقية. وكيف تأتي مبادرات الحل لأزمة الحكم في السودان من دول وجماعات وافراد من داخل البلاد وخارجها, وجامعة الخرطوم ساكنة بلا حراك وكأن الامر لا يعنيها في شىء؟ هذا مما لا يجوز في حق جامعة الخرطوم, لا في تراثها الماضي ولا في مكانتها الحالية كأم للجامعات السودانية, الغريب في الامر ان المجموعة الصغيرة من الاساتذة التي نبعت منها فكرة الندوة كانت من القيادات الناشطة لتنظيمات اليمين واليسار والوسط في اتحاد الطلاب ومن بعده في نقابة الاساتذة, ولكنها تناست العراك القديم وقدمت عليه قومية الفكرة ومؤسسية التناول والاخراج, ورأى مدير الجامعة بدوره ان تكون تلك المجموعة المتنوعة هي من يتحدث باسم كل الجامعة في هذه الندوة التاريخية. الميزة الثانية ان الندوة كانت حاشدة حتى ضاقت بهم قاعة الشارقة, فقد اكتظت القاعة بالاساتذة والطلاب وعامة المواطنين وعدد من المسئولين في الدولة ورجال الاعلام, كانوا يمثلون التعدد الفكري والسياسي بكل ألوانه, لقد اعادت ذلك الالق القديم الذي عرفت به ندوات الجامعة في النصف الثاني من عقد الستينيات وان بزته في قومية الطرح, لقد طغت اثناء سنوات الانقاذ سلبية سياسية على معظم الاساتذة بل وعلى كثير من الطلاب, فما عاد الاساتذة يأبهون لانتخابات النقابة ولا يعرفون متى موعدها ولا من هو رئيسها, وما عاد الطلاب يكترثون ان اتحادهم معطل لسنوات طويلة, ولكن ندوة الخميس الماضي حركت كوامن عدد كبير من الاساتذة ـ من الكهول والشباب ـ جاءوا لا ليستمعوا لحديث جديد لايعرفونه أو ليستمتعوا بخطب سياسية عصماء, وانما يحدوهم امل ان تكون تلك الندوة بداية لدور مؤسسي قومي تلعبه الجامعة في ازمة الحكم المستحكمة التي ابقت على كل قضايا السودان الكبيرة عالقة دون حل منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا, وربما ظن بعض هؤلاء الاساتذة ان السياسيين ومن دخل في زمرتهم من العسكريين بعد ان حار دليلهم في حل مشكلة واحدة من مشاكل البلاد قد جاء الوقت ليستمعوا لصوت محايد لا يشاركهم الصراع حول السلطة وأيا كان السبب فقد كانت ندوة جامعة للاساتذة والطلاب ولعدد كبير من اهل الشأن السياسي, وهي سمة افتقدتها الجامعة طويلا. الميزة الثالثة ان الحديث الذي دار من المتحدثين ومن المعقبين ـ برغم اختلافاتهم الفكرية والسياسية ـ كان موضوعيا ومعتدلا ومتسامحا, كثير من الاساتذة يشكون ان سنوات الانقاذ بالنسبة لهم اتسمت بالافقار المادي, والاحالة للصالح العام, ومصادرة حريات التنظيم النقابي والتعبير عن الرأي, والتعيين السياسي لادارة الجامعة العليا, مما دفع الكثيرين من خيرة الاساتذة إلى هجرة مهنة التدريس لعمل آخر داخل البلاد أو خارجها, ورغم الشعور بتلك المرارات الا ان معظم الحاضرين تلقوا ذلك الحديث الموضوعي المعتدل والمتسامح بقبول حسن, لقد انضجت التجارب الماضية فكر الكثيرين فما عاد اهل اليسار بعد سقوط الشيوعية العالمية وتهاوي الاشتراكية العربية وتجربة نميري الدامية يستطيعون الدفاع عن طوباوية ثورية تستحق ان تنحر من اجلها رقاب البرجوازية الصغيرة, وما عاد اهل اليمين يتعلقون بعالم المثل في دنيا السياسة بعد ان شهدوا بأعينهم كيف تخطىء اجتهادات البشر ولو كان النص معصوما وكيف يفتتن المرء من اهل الدعوة ان هو استبد بأمر الناس دون مشورة ودون محاسبة. لقد انصب الحديث في الندوة على دعوة الحكومة والمعارضة بضرورة الجلوس معا والحوار حول قضايا الحل السلمي والوفاق الوطني دون تعقيد ذلك باجراءات شكلية, وان يتجاوز الطرفان المصالح الحزبية الضيقة للعمل بجد واخلاص لاخراج السودان من محنته وازمته الراهنة, والاتفاق على برنامج الحد الادنى لان الخطر يتهدد الجميع, ولان الحوار السوداني ـ سوداني افضل الف مرة من التدخل الاجنبي الذي يعمل لخدمة اجندته الخاصة, وان نظرية الاستئصال خيار انتحاري لكلا الطرفين, وان الالغام التي تملأ الحقل السياسي تتمثل في محاولة احتكار السلطة وحجب الرأي الآخر وغمط الناس حقوقهم, وعلاج ذلك في التعددية والتداول السلمي للسلطة وبسط الحريات العامة واقامة العدل, وثمن الجميع على اهمية دور مؤسسات المجتمع المدني في الحياة السياسية والتأثير الايجابي على كل من الحكومة والمعارضة, ويبدو أن جو الندوة كان يبعث على التفاؤل مما حدا بالحاضرين إلى التوصية بوضع خطوط عريضة لقضية الحل السلمي والوفاق الوطني تتقدم بها الجامعة إلى كل من الحكومة والمعارضة, وان يقوم وفد من كبار الاساتذة بمقابلة رئيس الجمهورية في هذا الشأن. لقد سارت جامعة الخرطوم خطوة أولى في اتجاه دور قومي يسعى لحل ازمة الحكم في السودان وتحتاج إلى ان تتبع ذلك بخطوات موزونة دؤوبة, وينبغي ان تعضد مسعاها مؤسسات وهيئات وافراد آخرين حتى نعمل جميعا إلى انتشال هذا البلد الطيب من الوهدة التي سقط فيها لنصف قرن من الزمان, ولعل السيد رئيس الجمهورية حين يلتقي بوفد كبار الاساتذة يستجيب لبعض تلك التوصيات التي تحل اشكالية لقاء مؤتمر الحوار الجامع فهو (كبير العيلة) بحكم مسئوليته الدستورية وقيادته للمؤسسة العسكرية, فالكرة حقيقة في ملعبه. بقلم: د. الطيب زين العابدين