في الوقت الذي تحول فيه القصر الملكي في عمان الى مقر شبه دائم لحكومة الظل الاقتصادية التي يمثلها المجلس الاستشاري الاقتصادي الذي شكله العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني, فأن شخصيات أردنية رفيعة المستوى ترى ان دخول الملك على خط الملف الاقتصادي كان (خطوة غير صائبة, ستلقي بظلالها على قضايا عديدة) . وتقول مصادر على صلة وثيقة بأسرار الملف الاقتصادي في عمان ان هناك صعوبات اقتصادية مقبلة على الطريق, اذا اعترف رئيس وزراء الاردن صراحة قبل ايام ان نسبة العجز في الموازنة بلغت سبعة بالمئة, فيما تناقصت واردات الخزينة بمئات ملايين الدولارات جراء خفض جمارك السيارات, هذا في الوقت الذي مازالت فيه نسبة الفقر والبطالة تتراوح مكانها وينتظر الاردنيون موجة ارتفاع جديدة في الاسعار بعد اقرار المرحلة الثانية من الضريبة العامة على المبيعات, وتشير شخصيات اردنية رفيعة انه كان يتوجب على مستشاري الملك الاردني على الصعيدين الاقتصادي والاعلامي, الحفاظ على صورة الملك بعيدة عن الصورة التي روجت لها وسائل الاعلام المحلية, بأعتباره ممسكا بالملف الاقتصادي, وشريكا موجها في القرار الاقتصادي, ويقول هؤلاء ان عدم لمس الاردنيين لمنافع على الصعيد الاقتصادي سيؤدي الى ادخال القصر الملكي في دائرة اللوم الشعبي, بالاضافة الى الحكومة, ويدلل هؤلاء على وجهة نظرهم بأن عاهل الاردن الراحل الملك حسين لم يكن يظهر علنا في تجليات الملف الاقتصادي تاركا للحكومات هذا الملف بخيره وشره, لتتحمل امام الشعب التبعات كاملة. غير ان جهات اقتصادية محايدة تطرح وجهة نظر مغايرة وتقول هذه الجهات ان دخول الملك عبدالله علنا على خط الملف الاقتصادي كموجه وشريك في التخطيط يمنح الوضع الاقتصادي دافعا للتحرك الايجابي وان الملك بذل من جهده الكثير للترويج الاقتصادي للاردن على الصعيد الخارجي خلال جولاته التي حمل فيها على كاهله هم الملف الاقتصادي, كما ان تدخل الملك المباشر اسهم في طمأنة المستثمرين على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومابين وجهتي النظر فأن الملك بات يحمل على ظهره عجز الحكومات المتواصل التي رحلت عجزها في التعامل مع الملف الاقتصادي الى القصر الملكي, يشيع بين الاردنيين ان القصر الملكي يخطط والحكومات تنفذ وقد بدأ هذا الانطباع يتشكل في عهد حكومة عبد الرؤوف الروابدة السابقة التي خاضت صراعا منقطع النظير مع المجلس الاستشاري الاقتصادي, لتكون الغلبة في النهاية للمجلس الاستشاري, غير ان هذا الانتصار بات مذاقه مرا هذه الايام, بعد تسريب شخصيات اقتصادية في مواقع القرار او حتى خارجه معلومات مفادها ان القرار الاقتصادي هو في يد الملك, والحكومات دورها ينحصر في تنفيذ توجهات القصر في هذا الصدد, ويلفت سياسيون الانتباه الى ان الحكومات باتت تتمسك اكثر من غيرها بوجود المجلس الاستشاري الاقتصادي, لا للاستفادة من خبراته, بل لاعتباره جملا للمحامل, يتم تحميله يوميا اعباء القرار, وبالتالي تبعاته الثقيلة والمؤثرة حتى على رصيد الملك في ظل الفقر والبطالة وعدم لمس اي منافع اقتصادية من جانب الاردنيين حتى الان. وتبدو الصورة جلية وواضحة (فرسان) المجلس الاستشاري الاقتصادي يتلذذون بأمساكهم لزمام القرار الاقتصادي, وامتطاء صهوة التي التخطيط فيما (خيول) الحكومة قبلت هذا الترويض, وبالمقابل فأن التذمر الاقتصادي بين الاردنيين بلغ ذورته, في حين ان الفرسان والخيول على حد سواء يلحقون ظلما عزّ نظيره بالملك الاردني ويواصلون اظهاره يوميا بأنه المخطط الاقتصادي الاول, وغالبا ماتبث شبكة التلفاز المحلية لقطات مطولة لحضور الملك المتواصل لاجتماعات المجلس منفردا, او المجلس والحكومة معا, وكلا الطرفين اي المجلس والحكومة يواصلان الاتكاء على كتف الملك عبدالله امام الناس, وليس معروفا ماذا سيقول هؤلاء اذا بقي الوضع الاقتصادي, كما هو بعد ان حملوا الملك بأسلوب غير مباشر المسئولية وبشكل مسبق ولعل الطبيعة البشرية ستحسم الموقف في حال تحقيق نجاحات اقتصادية اذ عندها الجميع الى المشهد ليدعي كل عضو سيقفز في المجلس الاستشاري او في الحكومة انه وراء هذا النجاح. ويقول مطلعون ان اي هزة اقتصادية ستلقي بظلالها على رصيد القصر في ظل هذه المعادلة, مما يجعل التعامل مع هذا الملف الشائك امرا لامفر منه, هذه الايام, حرصا على الملك وعلى رصيده, ويرى هؤلاء ان الحل يكمن في حل المجلس الاستشاري الاقتصادي واعادة تحميل الحكومات لهذه المسئولية الثقيلة, لتواجه مسئولياتها امام الناس بدلا من الهروب الى حضن الملك عند كل مواجهة, فيما يرى اخرون انه في حال الاحتفاظ بالمجلس الاستشاري فيتوجب فصله عن القصر الملكي وجعله يحتل موقعا مكانيا واداريا مختلفا ويكون بمثابة هيئة مساندة للحكومة, دون ان يظهر الملك في كل اجتماع وخلف كل خطوة مع قيام الحكومة بدورها الحقيقي في الترويج للاقتصاد داخليا وخارجيا, ويطرح البعض الاخر صيغة اخرى بتشكيل مجلس اقتصادي مصغر تكون مكاتبه في رئاسة الوزراء واعضاؤه يجتمعون في الرئاسة باعتباره عقلا حكوميا اقتصاديا يخطط للحكومة العامة. عمان ـ ماهر أبو طير