قد يسفر فوز ساحق للملياردير رفيق الحريري في انتخابات لبنان البرلمانية عن عودته الى رئاسة الحكومة بعد سنتين من اقصائه بواسطة الرئيس اميل لحود. تظهر نتائج غير رسمية أن الحريري يتأهب لانتصار ساحق في الجولة الثانية والاخيرة التي أجريت أمس الاول في ثالث انتخابات برلمانية في لبنان منذ الحرب الاهلية التي استمرت من 1975 الى 1990 . ويعكس فوز الحريري التذمر الشعبي من التردي الاقتصادي الذي ابتليت به لبنان في عهد سليم الحص الذي خلفه في رئاسة الحكومة. وقد اعترف الحص بالهزيمة امس الاثنين وأنحى باللوم على (المال السياسي والعصبيات الفئوية) في جولة كان من المؤكد تقريبا ان تفوز فيها لائحة الحريري بكل مقاعد بيروت التسعة عشر بما في ذلك مقعد الحص. وتعهد الحريري بتنشيط النمو وتحقيق الرخاء في حملة انتخابية كان الانفاق فيها بغير قيود تمكن فيها من اقامة تحالفات مع شخصيات قوية مثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وزعيم حركة أمل الشيعية نبيه بري والسياسيين المارونيين نسيب لحود وسليمان فرنجية. ويذكر ان كل السياسيين اللبنانيين الكبار لهم علاقات وثيقة مع سوريا صاحبة النفوذ في السياسة اللبنانية منذ تدخلها العسكري في الحرب الاهلية عام 1976. ويتأهب الحريري وحلفاؤه للتمتع بأغلبية ساحقة في البرلمان الذي يضم 128 مقعدا وقد لا يكون أمام الرئيس لحود سوى ان يقرر على مضض تعيينه رئيسا للوزراء. وكان الحريري رئيسا للوزراء من 1992 الى 1998 عندما استقال بعد خلافات مع لحود استمرت أسابيع. وينص الدستور على ان يتشاور الرئيس مع البرلمان في اختيار رئيس الوزراء. ووعد لحود أمس انه سيلتزم بالاجراءات الدستورية. وحث جنبلاط لحود على ان يفكر في (التعايش) كما يحدث في فرنسا حيث يشارك الرئيس الديجولي جاك شيراك السلطة مع رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان. وأقام الحريري (55 سنة) الذي كون ثروة طائلة تقدر ـ بشيء من التحفظ ـبملياري دولار من مشروعاته في المملكة العربية السعودية علاقات قوية مع سوريا ويمتلك بيتا في دمشق. وبعد تولي الرئيس السوري بشار الاسد خلفا لوالده الراحل حافظ الاسد في يوليو ساعد الحريري في قيام شركة قابضة برأسمال مقداره 100 مليون دولار تضم شركات سعودية ترغب في الاستثمار في سوريا. وسجل الحريري في اقتصاد لبنان مختلط. أثار توليه السلطة في أكتوبر 1992 امالا في أن يستطيع رجل مشروعات نشط مثله ان يعيد الى لبنان رخاء ما قبل الحرب كمركز مالي ومقصد سياحي. يرجع للحريري الفضل في استقرار الليرة اللبنانية بعد ترد متواصل وأطلق عقال حملة لاعادة اعمار بيروت التي دمرتها الحرب. حظى منطق خطته في الاقتراض وطلب المساعدة للاعمار بثناء البنك الدولي. كان متوقعا سد العجز الضخم في الميزانية بارتفاع معدل النمو. وبفضل مكانة الحريري لدى زعماء أجانب من السعودية الى فرنسا استطاع لبنان أن يطرح لاول مرة سندات دولية. ولكن الثقة بدأت تهتز بتضخم الديون وتراجع النمو الذي حفزت عليه طفرة التشييد. فشل الحريري مرارا في الحصول على تأييد لزيادة الضرائب المنخفضة في لبنان حتى يمكن علاج الثغرة الضخمة في الميزانية. كما عجز عن تقليص بيروقراطية متخمة بالاعوان والانصار ورثها من الحرب الاهلية. واجه اتهامات باهمال الفقراء رغم سجله في تمويل مؤسسات خيرية وأثار استياء سياسيين غير معتادين على أن يدار مكتب رئيس الوزراء مثل شركة. كان الحريري في البداية مثل نسمة هواء نقية هبت على لبنان الذي هيمنت عليه الميليشيات السابقة عندما عاد بعد غيبة في السعودية استمرت عقدين من الزمن. ولكن الجمهور بدأ ينظر اليه بنفس عين السخرية التي ينظر بها الى سياسيين اخرين كثيرين منهم كونوا ثروات من جراء الحرب الاهلية. وربما كان لبنان في وضع كئيب عندما تنحى الحريري ولكنه تردى الى حال أكثر كآبة في غيابه. تولى الحص رئاسة الحكومة خلفا للحريري على لائحة لاصلاح الاقتصاد والسيطرة على الدين العام الذي بلغ 21 مليار دولار ولكن خطته لجمع خمسة مليارات دولار من الخصخصة لم تنفذ. تزايد عجز الميزانية وتتجاوز خدمة الدين الان ميزانية الحكومة. لم يتحقق نمو في 1999 وتباطأ الاقتصاد في العام الحالي. وحتى الان لم يتم نزع سلاح مقاتلي حزب الله الذين قادوا اخراج القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان في مايو . ورغم انسحاب اسرائيل فان دمشق لم تقدم على أية خطوة لسحب 35 ألف جندي سوري من لبنان.رويترز