لم يكن بوسع اسد الله سوى ان يراقب بكل حسرة الجرارات الزراعية التي اطلقتها حركة طالبان (المسيطرة على اكثر من 90 في المئة من افغانستان المدمرة) في انحاء حقله المترامي الاطراف, لتقتلع اي نبات له زهور بيضاء او بنفسجية من جذوره .. انه نبات الخشخاش الذي يصنع منه الافيون ملك المخدرات. تدمير مزرعة اسد الله لم يكن سوى جزء من حملة شنتها طالبان على مدى اسبوعين, بهدف القضاء على مساحة عشرات من الجنود المسلحين بالرشاشات والقنابل والصواريخ المحمولة احاطوا بالمزارع قمعا لاي مقاومة محتملة من المزارعين الغاضبين (لقد اقترضت 100 الف روبية باكستانية ( حوالي 190 دولار) لزراعة هذه الحقول .. وهاهم يدمرونها ويدمرونني معها) يقول اسد الله بعينين مغرورقتين. ويزعم مزارع افغاني آخر انه اقترض ثلاثة امثال هذا المبلغ على امل مضاعفة ماله لكي يتمكن من تسديد ديونه, والبقاء على قيد الحياة حتى الموسم الزراعي التالي. فيما انخرط المزارع رحمة الله (الذي كان موجودا في الموقع نفسه) في بكاء مرير موجها حديثه الي (انكم تريدون ان تقتلوا عشرات آلاف الاسر (الافغانية) جوعا, لكي تحموا بضعة آلاف من المدمنين في بلادكم) ثم يصيح المزارع الغاضب ـ وسط مئات القرويين الذين تجمعوا يراقبون مشهد الجرارات خارج مدينة جلال آباد ـ مضيفا (قطعة الارض هذه هي مصدر رزقي ورزق اسرتي الوحيد .. التجار في باكستان وايران يجنون ارباحا طائلة بمعالجة هذا النبات (الخشخاش) وتحويله الى هيروين. الحقيقة ان الزراعات في مقاطعة نينجرهار ـ وعاصمتها جلال آباد ـ تشكل وحدها ربع انتاج الخشخاش في افغانستان, بينما يأتي باقي المحصول من اقليمي قندهار وهيلماند الجنوبيين ومن اقليم بادخشان في اقصى الشمال. ووفقا لتقديرات برنامج مكافحة المخدرات التابع للامم المتحدة, فقد تجاوز حجم محصول الخشخاش الافغاني ما يزن 4600 طن تضع افغانستان على رأس الدول المنتجة للنباتات المخدرة في العالم. (لحظة تاريخية) كما يصفها بيرنارد فراهي ممثل برنامج مكافحة المخدرات الدولي في افغانستان وهو يراقب الجرارات الضخمة وهي تدمر حقول الخشخاش في حضور الملا حميد اخنزاده رئيس اللجنة العليا لمكافحة المخدرات في حكومة طالبان. ورغم اعترافه بان كمية المحاصيل المدمرة في جلال آباد لا تقارن بالكميات الهائلة التي تغطي مساحات شاسعة اخرى من افغانستان, يؤكد فراهي ان استعداد طالبان لشن هذه الحملة وتحدي غضب المزارعين المحليين يبرهن استعداد هذه الحركة الاسلامية للانصات والتعاون. ولعل المرسوم الذي اصدره الملا محمد عمر (القائد الاعلى لحركة طالبان) في سبتمبر 1999 مطالبا المزارعين بخفض زراعة الخشخاش الى الثلث, كان الاشارة الاولى على طريق تعاون النظام الحاكم في افغانستان مع المنظمات الدولية الداعية الى مكافحة انتشار المخدرات في العالم, ثم جاء قرار الملا كبير احمد حاكم نينجرهار مؤخرا بحظر زراعة النبات المخدر على اي من جانبي الطريق الرئيسية في جلال آباد. ويرى فراهي ان تنفيذ هذا القرار يعكس التزاما سياسيا من جانب سلطان طالبان بالسيطرة علي انتشار خطر المخدرات. ويوافق المسئول الدولي على انه في غياب بدائل عملية لاكتساب الرزق, لا تستطيع السلطات فرض حظر شامل على زراعة المخدرات. لكن ما مصير الذين لا يستجيبون للاوامر؟ يجيب فراهي على الفور (ىواجهون ما تراه اليوم بعينيك) . ثم يوضح ان المجالس القروية وكبار السن ساعدوا على تنفيذ القرار. ويزعم مسئولو الامم المتحدة انهم لن يستطيعوا تقييم انتاج الخشخاش في افغانستان هذا العام قبل سبتمبر المقبل. لكن حقول الخشخاش الخضراء المنتشرة في انحاء نينجرهار تفضح الانتاج الغزير في العام الماضي, وتنبىء عن حجم المحصول في الموسم الاخير. والمؤكد ان الارض الزراعية في هذه المنطقة مثالية لنمو الخشخاش الى حد ان موجات الجفاف التي تقضي على المحاصيل الاخرى, لا تمس سيقان هذا النبات المخدر التي تعلو سطح الارض ببضعة اقدام. كما ان العائد الاقتصادي للخشخاش شديد الاغراء .. فالمزارع في قندهار ـ على سبيل المثال ـ يحصل عند بيع محصول الخشخاش على عائد يعادل 15 مرة ما يتحصل عليه عند بيع نفس الكمية من القمح. الاهم من ذلك ان عصابات تهريب المخدرات (التي تنطلق غالبا من ايران وباكستان المجاورتين) تدفع ثمن محاصيل الخشخاش مقدما قبل بداية الموسم الزراعي. وخسارة هذا المقدم بالتحديد هو اكثر ما اضر بالمزارعين الذين عادة ما يشيرون اليه بلفظ (قرض) . المشكلة الحقيقية ان بلدا فقيرا مثل افغانستان لا يملك اي مقومات صناعية او بنية تحتية لا يستطيع ان يوفر فرص عمالة لجميع سكانه, او حتى لاغلبهم ومن ثم لا يتبقى من مصادر رزق سوى التجارة والنقل والزراعة, وحتى هذه الابواب توصد في وجه الكثيرين. لا ننسى ايضا ان عشرين عاما من الحرب اليائسة ضد الغزو السوفييتي, ثم مثلها تقريبا من الحروب الطائفية والاهلية قد خربت النظام البيئي في افغانستان على نحو يستعصي تقويمه. وثالثة الاثافي ان العامين الاخيرين شهدا انحسارا ملموسا في معدل هطول الامطار والثلوج في افغانستان, ما ادى الى جفاف ضرب اغلب مناطقها الزراعية, بل لقد انخفض منسوب المياه الجوفية في هذا البلد البائس الى عشرة امتار في اقاليم قندهار وهيلماند وزابول الجنوبية, مما دفع مسئولي الامم المتحدة الى التحذير من وقوع (كارثة انسانية) في هذه المنطقة من العالم. يقول الملا كبير احمد حاكم اقليم نينجرهار (لا تنتظر منا ان نستأصل زراعة الخشخاش بين عشية وضحاها, علينا ان نقنع المزارعين اولا بالبدائل .. ولهذا نحتاج الى دعم دولي حقيقي) . والحقيقة ان قضية المخدرات هي سلاح ذو حدين بالنسبة الى نظام طالبان, فالضغط على المزارعين وتدمير محاصيلهم (التي هي مورد رزقهم الوحيد) بدون تقديم بدائل مقبولة يعرض هذا النظام الى خطر التمرد وفقدان السيطرة على السلطة من جهة, وتجاهل المطالب الدولية بمحاصرة مزارع الخشخاش من جهة اخرى يبقيهم في وضع النظام المنبوذ المتهم بتصدير المخدرات وايواء الارهابيين. ولهذا السبب يرى بيرنارد فراهي ان نجاح برنامج مكافحة المخدرات التابع للامم المتحدة الذي انطلق في العام 1997 من منطقة شينوار باقليم نينجرهار يمثل نقطة تحول واختبارا عمليا. فاذا أقنعت النتائج الدول المانحة بان الحملة ادت الى تقليص انتاج الخشخاش بالفعل, فمن المتوقع ان يتلقى المشروع مزيدا من التمويل والمؤازرة, اما اذا واصلت سلطات طالبان سياسة غض الطرف عن انحرافات المزارعين وقبلت ـ ولو ضمنيا ـ بزراعة الخشخاش في الاراضي الافغانية التي تسيطر عليها .. فما من شك ان المساعدات الدولية ستتوقف لتزداد كابول عزلة على عزلتها, ويزداد الشعب الافغاني فقرا على فقره. جلال آباد ـ امتياز جول