هل سيأتي يوم أستطيع فيه أن أنفض غبار الزمن.. وهل سأنجح في تجاوز الأزمات والقفز فوق صفحات حزينة سبق أن طويتها في حياتي..؟! سؤال ظل يلح علي كثيرا وأنا غارق في مشاكلي الخاصة والاجتماعية, ومشدود بين أحلامي في الخلاص من الهموم وانشغالي بالقضايا العامة, وإن كنت أدركت فيما بعد أن هذه الأمور أثقلت شخصيتي وأثرت في تكويني صحيح أنني بدأت تجربتي الفنية في مجال السينما الروائية في سن متأخرة, ولكن السبب الأساسي في ذلك أنني أضعت وقتا طويلا في دراسة الصيدلة, الى جانب أنني ابن أسرة متوسطة وكان علي أن أكون مسئولا عن تربية إخوتي, وهذا منعني من الدخول في مغامرات حتى بعد تخرجي في معهد السينما عام 1980 ولم تكن لي يومها علاقات بالوسط السينمائي وبعد ما انتهيت من تزويج إخوتي بدأت عام 1985 أعمل بكثافة كمساعد مخرج مع محمد خان وخيري بشارة. كانت ظروفي لا فكاك منها بالنسبة الى طبقتي بينما كان حظ غيري أفضل, على سبيل المثال المخرج شريف عرفة كان يعمل وهو طالب في الأستوديو مع والده المخرج سعيد عرفة, وبعد التخرج وجد مجموعة من الأصدقاء منهم اسامة جرجس فوزي يشاركونه في صنع فيلمه الأول (الأقزام قادمون). وما ينطبق علي ينطبق على رضوان الكاشف ويسري نصر الله وداود عبدالسيد ومحمد كامل القليوبي, مع فارق أن الأخير عاش مدة في موسكو, نحن أناس اضطرتهم الظروف الى تأجيل مغامراتهم السينمائية حتى تتماسك حياتهم الى أن وصلنا الآن الى زمن مختلف عن زمن عاطف الطيب, لم نعد نستطيع تجهيز فيلمين في وقت واحد, ومع انهيار نظام النجم لم يكن هناك سيناريوهات, وتعقدت تجربة الانتاج للأفلام التي تحمل هما اجتماعيا, وهذا ظرف تاريخي أعتقد أنه غير مسبوق. أتمنى صنع فيلم على الأقل كل عام, وهذا من أبسط حقوق أي سينمائي في الدنيا, لأنه يمنع الصدأ, فمهما شاهدت وواكبت ونقدت تبقى في وضع يختلف عن أن تكون طول الوقت في الميدان, هذه التجارب أصبحنا محرومين منها, أحيانا نتدنى باحتياجاتنا الى الحد الأدنى الذي نظل نحترم أنفسنا عند الوصول اليه, لكننا لا نجد حتى هذا الحد الأدنى. كنت مهموما بالمشاكل السينمائية التي تقف حائلا بيني وبين خوض التجربة, ومهموما أكثر بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت وما زالت تمثل لي شبحا غليظا يطاردني, ومن هذا المنطلق خطوت على درب السينما مستندا على حائط ضخم من الأحلام والأفكار في صنع فيلم ذات قيمة يضيف الى الخارطة السينمائية جديدا, ويؤثر في وجدان الجمهور الذي يهمني لأنني خرجت من عباءته وحملت أثقاله في قلبي وعقلي عن طيب خاطر, هكذا كنت أفكر عندما عثرت على الفكرة التي أبدأ بها حياتي السينمائية وهي فيلم (يادنيا يا غرامي) الذي كتبه السيناريست محمد حلمي هلال, قلت على الفور لقد وجدتها وسعيت بكل الطرق لتقديمه, حتى تقابلت مع المخرج رأفت الميهي الذي وافق على انتاجه بعدما أعجبته الفكرة, وقد كانت المفاجأة الحقيقية النجاح الباهر الذي حققه الفيلم على المستوى النقدي والجماهيري, وكذلك في الجوائز التي حصل عليها على المستوى الدولي والمحلي, وأعتقد أن سر هذا النجاح في أن فيلم (يادنيا يا غرامي) من الأفلام النادرة التي توافرت لها أمور كثيرة منها أولا قلة التكلفة وثانيا أن المنتج رأفت الميهي شديد الوعي حيال قضايا السينما والمجتمع, وثالثا أنه نوقش في بساطة, وكنت أشعر وأنا أنفذه في بعض الأوقات أنها بساطة زائدة, ولكن اكتشفت بعد ذلك أن البساطة كانت سر الفيلم نفسه, ورابعا وهو الأهم أن موضوع الفيلم اجتماعي ساخن يمس الناس الآن وقديما ومستقبلا, ففيلم (يادنيا يا غرامي) هو الفن حين يحاكي الحياة, لأنه يغوص ببساطة شديدة في قلب المجتمع وينحت مفرداته بوضوح ويرسم جانبا آخر من المجتمع المصري قد لا يعرفه البعض, وهو عالم المهمشين.. البسطاء الذين يعيشون على حافة المجتمع ولكنهم يمثلون قلبه, إنه يرصد شيئا ربما أهملته السينما المصرية كثيرا وهو الصداقة الحميمة التي تربط بين فتيات الطبقة الشعبية والتي تجمعهم على أساس من الحب والمودة والأحلام و.. حتى الهموم, وبالطبع فإن الهم الأساسي الذي يشغلهم هو (العنوسة) فكل من الفتيات الثلاث اللاتي يدور حولهن الفيلم تمثل جزءا من المجتمع وتقدم من خلال حكايتها الخاصة ما يعانيه البسطاء, فكل فتاة منهن تنتمي لأسرة فقيرة تكاد تكون خارج الحياة نفسها وتعيش في مساكن وبيوت عشوائية لا تصلح للحياة الآدمية, وإضافة الى مشاكلهن الاقتصادية فإنهن يعشن أهم مشكلة اجتماعية يواجهها المجتمع المصري وهي (العنوسة) فكل واحدة منهن تجاوزت سن الثلاثين ولم تتزوج نتيجة الفقر الشديد. بعد ذلك قدمت فيلم (البطل) فكان مكلفا وتدور أحداثه في مرحلة تاريخية سابقة (عام 1919) ولا يمس قضايا اجتماعية ساخنة, ما يحدث بالتالي ما يسمى (برود الشاشة) لأن المتفرج يحس أنه يشاهد تاريخا ويتوقع الحصول على فيلم تاريخي, واعترف أن اختيار أحمد زكي في الفيلم لم يكن موفقا كبطل للملاكمة, وهو نفسه لم يساعدنا في أن يتحول من الناحيتين الفسيولوجية والنفسية الى ذاك البطل, حاولت أن أحول الموضوع الى ناحية وطنية وسياسية واجتماعية وبدايات النهضة المصرية, أوائل القرن العشرين, فلم أنجح في التعبير عن هذا, وكان ذلك نوعا من أنواع التعامل مع حقيقة واضحة جدا هي أن أحمد زكي يستحيل تصديقه كبطل ملاكمة صغير السن, الى جانب أن محمد هنيدي أثناء تصوير الفيلم كان عرض له (اسماعيلية رايح جاي) ثم (صعيدي في الجامعة الأمريكية) وتحول نجما كوميديا, فكان من الصعب على الجمهور تصديق شخصيته في الفيلم, وأعتقد أن هذه النقطة من أكثر الأشياء التي جعلت الجمهور لا يحب (البطل), فالناس لم يصدقوا أن محمد هنيدي الذي هو اسماعيل ياسين العصر بطلا للمقاومة الشعبية فضلا عن موته في نهاية الفيلم, وعلى رغم ذلك أنا أحب الفيلم, وهناك كثيرون أحبوه, وبعضهم أحبه أكثر من (يادنيا يا غرامي) وتعلمت منه كثيرا جدا, لأقول في النهاية أنه تجربة لست نادما عليها, إنما فخور بها وبكل نتائجها سلبا وايجابا. وبعد (البطل) هيأت نفسي لرواية (عيون القلب) وهي من تأليف محمد حسان الذي شاركته في كتابة السيناريو وكان مفترضا أن يتولى بطولتها أحمد زكي, ثم تحولت البطولة الى امرأة ورشحنا يسرا للدور, لكنني لم أجد منتجا يرغب في صنع أفلام ضخمة. ولكن بصراحة فإن المشروع الذي أحلم به كثيرا وأتمنى تنفيذه هو فيلم (البلد) لأنه أول سيناريو كتبته في حياتي, وقد سبق لعباس أحمد أن كتبه وسعيت وراءه كثيرا, وكذلك فعل أصدقائي الذي أعجبوا به جدا, ومنهم سمير فريد الذي أعطاه لسعاد حسني وتحمست له وأعلنت في الصحف والمجلات أنها ستقدم الفيلم, لكنها مرت بأزمة ورفضت تنفيذ العمل من دونها, كانت سعادتي هائلة أن أول عمل سيكون مع سعاد حسني, لكن تفاقم الأمر معها ومع الانتاج حال دون ذلك, وعندما بدأت بتنفيذ فيلمي الأول (يادنيا يا غرامي) قال لي أصدقائي (انسى شوية وخليك في مواضيع أبسط) والحمد لله أن الفيلم (عمل حاجة) الى أن اكتشفت أن السيناريست محمد الرفاعي كان قدم (البلد) الى شركة صوت القاهرة فلاقى الاعجاب والحماس, وآمل أن يخرج العمل متكاملا لأنني الى الآن أحاول أن أوفر له أفضل العناصر, فسيكون مدير التصوير طارق التلمساني والديكور لمختار عبدالجواد والشعر لفؤاد قاعود وفي التمثيل أحاول مع محمود حميدة وثمة احتمال أن تكون شريهان البطلة. وأحداث (البلد) تدور في دائرة اهتمامي وتمس قضايا عامة كثيرة تشغلني, حيث تنطلق الأحداث في بداية القرن العشرين وتحديدا مرحلة انشاء مصنع الغزل والنسيج في مدينة المحلة الكبرى في دلتا مصر, وتناقش التغيرات السياسية في الوطن كله, لأن تلك المرحلة كانت نهاية عصر وبداية آخر. أفعل ذلك رغم ما أواجهه ويواجهه غيري من مبدعين من صعوبات تجعل خروج أي فيلم محترم نوعا من المعجزة, وأقولها بشكل واضح أنه يقع في خطأ فادح من يتوهم أن الدولة مهتمة بالثقافة منذ قال وزير الثقافة إنه يسعى الى تخصيصها, وعلى الدولة أن ترفع يدها بالكامل عن الثقافة, بمعنى أن تقلل من قيود الرقابة وترفع القيود عن المبدعين وتسمح بمساواتنا وأبسط قوانين الاستثمار, أنا لا أريد أن تدعمنا مباشرة ولكن أن تمنحنا قروضا ميسرة أو منحا كالتي تعطى لأي متفوق, ويحرم من الحصول عليها المبدع الحقيقي على أي مستوى, نريد حقنا كمبدعين دافعي ضرائب, نحن قادرون على حل مشكلاتنا بشرط اعطائنا الفرصة قبل أن تسحب من تحتنا السجادة لنكتشف يوما ما أن موضوع الريادة التي يتحدثون عنها لم يعد حقيقيا على الاطلاق. يرويها: مجدي أحمد علي مخرج مصري