في مذكراته الصادرة منذ مدة, يعترف جيمس فورستالو وزير الحربية الامريكي في عهدالرئيس ترومان بالنفوذ اليهودي في لعبة المال والاعلام والسياسة في الولايات المتحدة الامريكية, مبرزا أثر الدعم المالي الصهيوني للمعارك الانتخابية. ومن ذلك قوله: (ان السيناتور ماكفرات ردد لي ان مصادر التمويل اليهودي تشكل جزءا اساسيا من تمويل الحزب الديمقراطي) . إن استقراءً سريعاً لتاريخ الانتخابات الامريكية يظهر جليا ان المباركة الصهيونية للمرشح تعد امرا ضروريا للعبور الى سدة الحكم في البيت الأبيض, ولا يختلف ذلك الديمقراطيون عن الجمهوريين أبدا. إن الوصول الى هذه القناعة يجعل من الواجب طرح سؤال كبير, وهو: لماذا؟ أو بصياغة أكثر تفصيلا: ما هو السر الخفي في التهافت على كسب الرضا ان لم نقل الدعم اليهودي في الحملات الانتخابية؟ الأخطبوط المسيطر حينما يريد البعض التمثيل لخطر الاعلام على توجيه الاحداث والسياسات فإنه يستشهد بالاعلامي النازي النحيف جوبلز وهو يوهم الألمان بالنصر المؤزر, بينما دبابات عدوهم على أبواب العاصمة الألمانية, أما حينما يريدون التمثيل لتأثير المال فإنهم يتحدثون عن رجل مضارب مثل سوروس والذي استطاع ان يدخل نصف قارة آسيا في ازمة اقتصادية خانقة. ها هنا يظهر الفرق جليا بين الأقليات التي تدخل في الفسيفساء الامريكي, وانعكاساتها المتفاوتة على المشهد السياسي, ففي الحين الذي استطاع فيه اليهود, بعددهم المحدود الوصول الى (نيابة الرئيس) في خطوتهم للخروج من الظل, ما زال العرب والمسلمون, والسود يطالبون بتحقيق أمور اجتماعية تمس حياتهم اليومية, ان هذه المفارقة تضعنا امام سبب واحد هو (تنظيم القوة) . إن بلدا تحكمه التوجهات المصلحية الضيقة لـ (الأنا) من خصخصة وليبرالية, وحرية فردية, يسهل فيه شراء الافراد والنخب أو الضغط عليهم, لذلك لم تعد لعبة السياسة في امريكا سياسة بقدر ما صارت لعبة مال, ومن يملك اكثر فهو المؤهل للوصول. وفي غير مرة كانت فضائح الصفقات السياسية في قرارات الكونجرس والعسكرية في السمسرة في التجارة البينية للسلاح تخرج لتزكم الأنوف عبر اعترافات مثيرة يدلي بها متنفذون. وبتحول الاعلام من قيمة أدبية الى وسيلة وصولية فإن الكلمة والصورة والصوت قد تحولت الى (آلة) للابتزاز والتوجيه, وكان يكفي ان تعقد صفقة مع الرئيس كلينتون للتستر على فضيحته الأخلاقية مقابل اجازة قرار أو تمويل ما من شأنه خدمة اللوبي المستوطن في التركيبة الامريكية. إن بعض الاقليات الامريكية تملك أيضا نصيبا من مقومات النفوذ لكنها لا تملك النفوذ, لسبب واحد هو ان القضية ليست قضية مال واعلام فقط بقدر ما هي قضية تنظيم وتكتيل هذه القوى وتوجيهها للمفصل في الوقت المناسب. إن الصهيونية, أو لأقل اليهود يمثلون (دولة) في أمريكا (دولة في دولة) بكل ما تحمله الكلمة من معنى وآنذاك فهم يحكمون تقاطعات اقتصادية واستخباراتية واعلامية كبرى مع الدولة الكبرى, وهو ما يجعلهم يكسرون الوتيرة الاقتصادية الامريكية ـ لو أرادوا ـ في 48 ساعة, كما ان توجيه امبراطورية اعلامية كاملة لساعات بث اسبوعية طويلة من شأنه ان يكسر اقوى الشخصيات, خاصة اذا ما دعمت العناصر الاستخباراتية اليهودية المستشرية في الـ (سي.آي.ايه) وفي كل الغرف السوداء السياسية وفي صفقات التجارة (الضيقة) اذا ما دعمت العملية ـ يضاف الى هذا كله ان تعلن اسرائيل انسحابها من الدور الذي تلعبه لصالح امريكا في التوازن الشرق أوسطي باعتبارها قاعدة عسكرية امريكية في المنطقة, وما يعنيه ذلك من زعزعة للمصالح الامريكية ازاء العرب (مصدر النفط على الاقل). إن كلمة اللوبي لا تتكون, بمجرد وجود جالية تلتقي يوميا, ولا بما لهذه الجالية من الثروة والقدرات, بل بتنظيم وتوجيه هذه القدرات لتشكل قوة ضاغطة متنفذة, موجهة ومؤثرة في القرارات والأحداث والمشاهد... علما ان ابرز الشخصيات اليهودية التي وصلت الى الضوء الهرمي في الولايات الامريكية المتحدة, انما وصلت عن طريق التعيين, كما هو الشأن بالنسبة لهنري كيسنجر, وزير الخارجية في عهد الرئيس الاسبق ريشارد نيكسون, وكما هو الشأن ايضا بالنسبة لمادلين أولبرايت. لعبة الخيوط وحكومة الظل حينما اعلن آل جور عن اختياره للسيناتور اليهودي الناموسي (الارثوذكسي) جوزيف ليبرمان نائبا له, كانت حسابات الربح والخسارة تشكل هاجس المرحلة للديمقراطيين الذين اقدم مخططو حزبهم على هذه الخطوة الثانية من نوعها. والتي تكسر قاعدة جماعة (الواسب) (WASP) أي البيض, ذوو الأصول القومية الانجلو سكسونية والديانة المسيحية البروتستانتية والتي كسرها من قبل وبشكل ما زال يطرح الكثير من التساؤلات وصول جون كيندي لرئاسة الجمهورية عام 1960 وهو الايرلندي الاصل, الكاثوليكي الديانة, وقد باءت محاولات عديدة بعد ذلك بالفشل منها محاولة ترشيح الحزب ذاته لجيرالدين فيرارو الايطالية الاصل, وكذا مايكل دوكاكيس اليوناني الاصل. غير ان لليهود أنفسهم تخوفا من هذا الخروج الى النور, ذلك لأن لعبة الخيوط, والحكم من موقع الظل والخلفية امر مضمون النتائج بالنسبة اليهم, اما هذه الخطوة فهي تعد قفزة في مجهول, لذلك اعلن الكثير من متنفذي اليهود استهجانا, ومنهم الممثل والمخرج السينمائي الامريكي اليهودي وودي آلن, الذي شن حربا عبر مجلة (لوبوان) الفرنسية على ترشيح ليبرمان. ويفضل اليهود في امريكا توجيه دواليب السياسة والاقتصاد والثقافة على مسرح الاحداث سيحرك ضدهم الحركات (المعادية للسامية) وهو التشويش الذي يعرقل أو على الاقل يربك مسار تطبيق مقدراتهم ومخططاتهم وبروتوكولاتهم. لذلك يلاحظ سحبهم السريع لكل ورقة تنكشف أو تحترق. وإثر ترشيح ليبرمان أو تعيينه لنيابة الرئيس تحرك لويس فرخان زعيم (أمة الاسلام) في امريكا في حملة انتقاد حادة لليبرمان, وهو ما اضطر هذا الأخير فور وصوله الى لوس انجلوس الى المسارعة في عقد اجتماعات مع زعماء السود في الكونجرس لتأمين دعمهم وهو ما اضطر امريكا بعد ذلك لتقديمه (أي ليبرمان) على انه مرشح الاقليات عموما, لا اليهود فقط. وهو الأمر الذي لم يشر اليه من قبل, قبل تحرك الموجة المتصاعدة الموجهة ضد السامية بعد ترشيحه, اذ في خطابه لقبول ترشيح الحزب له, لم يخف ليبرمان يهوديته مستشهدا بقصص جدته وعائلة زوجته (حاداثا). ومهما كان الأمر فإن اللعب خلف الستار, وما يكتنفه من سرية قد استطاع فعلا ان يجعل الوجود اليهودي المنظم في امريكا معناه الفاعل في شكل الامبراطورية اللامحدودة والتي تشبه الى حد كبير اجهزة المخابرات في كل دولة عالمية, واذا كانت اجهزة المخابرات هذه هي التي تملك او تمثل العلبة السوداء في البلاد, فإن الامبراطورية الصهيونية التي لا يعرف حدودها الحقيقية احد هي التي تحكم امريكا فعليا. ان نفوذها هذا تعطيه السرية والغموض معنى مخيفا مستشريا عبر شراء العملاء من (الروس) و(مصادر الخبر) وخاصة الحكم, لذلك فإن القوة بهذا المعنى ليست قوة ضغط سياسي فقط, بل هي قوة شيطانية قد تتحول في بعض الاحيان الى عصابة شرسة تضع نهايات بوليسية لمعارضيها بتحطيم اقتصادياتهم وشركاتهم, أو بتحطيم حياتهم الشخصية, أو حتى بتصفيتهم. إن هذا الجزء الثاني من المهام لا يقتصر فقط على جماعات (المافيا) و(الكامورا) بل ان احداثا عالمية كثيرة, مريعة بثت تورط اللوبي اليهودي الامريكي فيها لحماية مصالحه, وتأمين مساراته. إن الأخذ بسياستي الترغيب والترهيب قد استطاع فعلا ان يخلق في أمريكا قطبا فاعلا مستشريا لا منعزلا, ولا يمكن لأحد ان يمر الى الأعلى الا عبره, الأمر الذي يذكرنا بما قاله جيمس فورستالو: إن مساعدي الرئيس ترومان, ديفيد نايلز وسام روزنمان, أبلغاني ان المحافظ ديوي على وشك ان يدلي ببيان في صالح الصهيونية في فلسطين, وأصر على انه ما لم يسر ترومان في هذا الاتجاه, فإن ولاية نيويورك سوف تفقد ويفوز بها الديمقراطيون. وللتأكيد نقول ان الجمهوريين ايضا اصروا على لعب الورقة الرابحة ومغازلة اسرائيل, ما يعني ان الجمهوريين والديمقراطيين قد يتخلفون في كل شيء الا في استرضاء اليهود. ففي الحين الذي يعلن فيه آل جور دعمه لاسرائيل في حربها المصيرية مع العرب يقول بوش الابن أمام منظمة اليهود الامريكان (آيباك) انه سيوافق على نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس مباشرة بعد وصوله الى الحكم, ورغم التباين في ابعاد اللعبة المزدوجة, اذ يرى المحللون ان الديمقراطيين يستعملهم اليهود. بينما الجمهوريون يحاولون استعمال اليهود, الا ان الكل يبقى محكوما بالدوران في فلك آلة رهيبة, منتظمة السير, وموحدة الجهد والهدف, يسميها البعض (اللوبي اليهودي في أمريكا) ويسميها غيرهم (امبراطوريات المخابرات) ويسميها البعض (عصابة الغموض) ويقول عنها آخرون (امبراطورية المال والاعلام) وتبقى الصهيونية هذا كله, وأكثر منه, ولذلك كله يتهافت الجميع على كسب ودها وتزكيتها ودعمها في الانتخابات الرئاسية الامريكية. بقلم: محمد جربوعة كاتب وصحفي جزائري مقيم بدمشق