وصل تأثير الجالية أو اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية في الانتخابات سواء الرئاسية أو غيرها الى الدرجة التي أصبح معها مجرد الحصول على رضاء هذا اللوبي هو جواز المرور الى سدة الحكم هناك, وهذا يتضح من حرص المرشحين للرئاسة على فعل كل ما يمكن أن يؤدي الى كسب عطف الصوت اليهودي, فمثلا حرص آل جور المرشح الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية على عقد مجموعة من اللقاءات من قيادات المنظمات اليهودية اختيار نائب يهودي هو ليبرمان ليخوض معه معركة الانتخابات. في حين قام المرشح الجمهوري جورج بوش الابن بزيارة نصب تذكاري لليهود في لوس أنجلوس مصطحبا معه زوجته حتى ينال رضا هذه الجالية, فكل من آل جور وبوش يدركان جيدا مدى تأثير اللوبي اليهودي حيث أن أي اصطدام به يعني فتح الملفات القديمة للمرشح وتضاؤل فرصته في الفوز.. التأثير اليهودي في الساحة الأمريكية وخاصة فيما يتعلق بالانتخابات لم يأت مجرد صدفة ولكن وراءه عمل منظم للمنظمات الصهيونية التي استطاعت أن تسيطر على معظم وسائل الاعلام من خلال السيطرة على رؤوس أموالها فمعروف أنهم يمتلكون نحو 65% من رؤوس أموال صناعة السينما والكثير من شبكات التليفزيون والصحف الكبرى, والتي استطاعت كذلك الهيمنة على الشركات الصناعية العملاقة ونفوذهم الأكبر في ولاية نيويورك. (الملف) التقى د. حسن بكر أستاذ العلوم السياسية وأحمد ابراهيم محمود الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية للحديث حول السر وراء التهافت اللامحدود على كسب الدعم اليهودي في الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية, والدور العربي بالمقارنة مع الدور اليهودي في الخريطة السياسية الأمريكية, وسيطرة اليهود على وسائل الاعلام والصحف والمجلات وشبكات التلفزة وشركات الانتاج السينمائي, فضلاً عن امتلاكهم لكبرى الشركات العامة في مجال أسواق المال والأسهم والسندات واستخدامهم ذلك في التأثير على العملية الانتخابية, وحول حرص أفراد الجالية اليهودية على الأدلاء بأصواتهم في الانتخابات لدرجة أن بعض الاحصائيات قدرت أن 96% من أفرادها يصوتون في هذه الانتخابات وأخيرا دلالات تنصيب ليبرمان لمنصب نائب آل جور كأول يهودي يحتل هذا المنصب في التاريخ الأمريكي. فترة طويلة بداية يقول د. حسن بكر أستاذ العلوم السياسية أن هناك متغيرات عديدة تحكم عملية تأثير اليهود في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة أن اليهود موجودون في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة تعود الى عام 1945 عندما انتقلت قيادة الحركة الصهيونية العالمية من لندن الى الولايات المتحدة لإيمان قادة هذه الحركة بأن أمريكا ستكون مقر السياسة الدولية الجديد, وهذا الانتقال جعل الحركة تستمر فى داخل النطاق العام للثقافة الأنجلوسكسونية وهذا أعطاهم ميزة أن يكونوا من أبناء المجتمع الأمريكي, في حين أنه اذا نظرنا الى الحركة العربية في الولايات المتحدة سنجد أن الجيل القادر على الحركة موجود هناك منذ نهاية الستينات وهو الجيل الأول ولا وجود مؤثر له على الساحة الأمريكية على الرغم من أن عدد العرب هناك يساوي تقريبا عدد اليهود, واذا أضفنا اليهم المسلمين وهم حوالي 20 مليون أمريكي والسود حوالي 40 مليون لأصبح هناك أكثر من 65 مليون صوت انتخابي يمكن العمل من خلالهم. ولكن المشكلة في طبيعة المعوقات التي تعترض اللوبي العربي فإضافة الى طبيعة تكوينه يعانى نفس المشاكل التي تواجه العرب عموما عند مواجهتهم للمشكلات المختلفة وخاصة في صراعهم مع اسرائيل مثل التجزؤ والتشرذم. ويضيف د. حسن بكر: وهناك عامل آخر وهو أن اليهود يصوتون في الانتخابات بوعي ككتلة وليس كأفراد وفق توجيه اللوبي السياسي للحركة الصهيونية, ويبلغ عدد أصوات الجالية اليهودية في الولايات المتحدة حوالي 5.1 مليون صوت, يصوت 75% دائما لصالح الديمقراطيين, بينما يصوت الـ 25% الآخرين للجمهوريين لأن الحزب الديمقراطي هو الأقدم وهو صاحب الشعبية وهو في الوقت نفسه حزب الاقليات المهاجرة وثاني أكبر أقلية في الولايات المتحدة هم اليهود, وهناك عامل آخر وهو التمويل فاللوبي الصهيوني حرص ومنذ البداية على أن يؤثر في الانتخابات من خلال التحكم في التمويل وفي حين يستطيع هذا اللوبي أن يوفر مئات الملايين من الدولارات للدعاية الانتخابية وتقدم جزء منها بطرق ملتوية للمرشحين لانتخابات الرئاسة, نجد أن اللوبي العربي هناك فشل حتى في توفير ربع مليون دولار, يضاف الى ذلك سيطرة اليهود على معظم وسائل الاعلام الحيوية في الولايات المتحدة سواء بالتمويل أو بالموارد البشرية أو بالانتاج للمواد اللازمة من الأفلام والبرامج وغيرها, بينما العرب هناك يعملون في مجالات أخرى مثل التشييد والبناء والنشاط الصناعي والقليل منهم يعمل في مجال الاعلام, فضلا عن أن التنظيمات اليهودية كألوان الطيف متعددة منها السياسي والاقتصادي والخيري, هذه الأشياء مجتمعة تجعل من المتغيرات الثابتة عناصر تعمل لصالح اللوبي الصهيوني كجالية مؤثرة في اختيار الرئيس الأمريكي القادم. مواقع السلطة وأوضح د. حسن بكر أن اليهود ينتشرون ولهم نفوذهم في كل الولايات المتحدة الأمريكية وفي العاصمة واستطاعوا أن يقفزوا الى موقع السلطة القادرة على اتخاذ القرار وليس فقط التأثير على صنع القرار وهناك نجوم يهود يقومون بهذا الدور مثل مادلين أولبرايت وكوهين, وساند بيرجر, ودينيس روس وأنديك وغيرهم هؤلاء جميعا من اليهود الذين استطاعوا الوصول الى مواقع السلطة, فضلا عن اختيار ليبرمان نائبا لآل جور في الانتخابات الرئاسية المقبلة, وهي أول سابقة في التاريخ الأمريكي يتجاوز فيها الديمقراطيون كل الخطوط الحمراء ويختارون نائبا يهوديا متعصبا لموقع نائب الرئيس القادم. ويرى د. حسن بكر أنه لكي يكون للوبي العربي في الولايات المتحدة دور فعال فلابد من توافر بعض الشروط منها أن يكون هناك موقف عربي عام وثابت تجاه ما يحدث على الساحة الأمريكية ولو من خلال الجامعة العربية فهذا بالتأكيد سيدعم اللوبي العربي الموجود هناك وسيشعره أن هناك مؤازرة له من وطنه الأم, أيضا لابد من ازدياد وعي المواطن الأمريكي من أصل عربي بالقضايا العربية ولن يحدث ذلك إلا من نقل هذا الوعي من مجرد الوجود لكسب العيش الى الدفاع عن المصالح العربية الثابتة وهذا سيعود بنا مرة أخرى الى اشكالية أن الجالية العربية معظمها من الجيل الأول وهي في مجموعها أما أناس هاربون من النظم السياسية العربية أو وجدوا أنفسهم هناك في الولايات المتحدة من أجل كسب العيش ليس إلا, وبالتالي تكون المحصلة النهائية هي عدم الانغماس في الحركة السياسية الأمريكية, أيضا لاتوجد حتى الآن رؤية رسمية عربية موحدة للعمل على الساحة الأمريكية, فالرؤية العربية حتى الآن تنظر الى أمريكا نظرة الامبراطوريات الأوروبية الغاربة مثل بريطانيا وفرنسا وتتعامل معها بنفس الأسلوب, أي التعامل مع المسئولين فقط دون التعامل مع الشعوب مباشرة رغم أن القرار الأمريكي يبدأ غالبا في الولايات والمجتمعات المحلية وينقل بفعل جماعات الضغط هناك, وبالتالي فالتعامل لابد أن يكون من خلال مد الجسور مع هذه الجماعات فهي تستطيع أن تؤثر على عملية صنع القرار الأمريكي وعلى كل المستويات, النظرة الرسمية العربية للأمور أدت الى تراجع تأثير الجاليات العربية على الساحة الأمريكية, بسبب تردد الأنظمة العربية في مساندتها وعدم القدرة على تقييم دورها تقييما حقيقيا خوفا من إغضاب السلطات الرسمية الأمريكية. كسب تأييد اليهود ومن جانبه يرى أحمد ابراهيم محمود الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن لليهود دورا متعاظما وبالغ الأهمية ليس فقط فى الانتخابات الامريكية, ولكن أيضا فى السياسة الأمريكية عموما. وينعكس هذا الدور فى العديد من المؤشرات, أبرزها احتكار اليهود للعديد من المناصب الهامة, وبالذات فى وزارة الخارجية, ولا سيما فى الادارات المتعلقة بالشرق الاوسط والقضايا ذات الصلة بإسرائيل او اليهود فى جميع انحاء العالم عموما, بالاضافة إلى سعى جميع المرشحين للرئاسة الى كسب تأييد اليهود الامريكيين فى هذه الانتخابات. والاكثر اهمية من ذلك, ان اليهود يتمتعون بنسبة تمثيل فى الكونجرس (بمجلسيه: الشيوخ والنواب) وفى الادارة الامريكية, تفوق بكثير نسبتهم العددية فى المجتمع الامريكى, علاوة على هيمنتهم شبه الكاملة على صناعات الاعلام والسينما, ووجودهم بشكل قوى للغاية فى الصناعات البترولية والدوائية والحربية, جنبا الى جنب مع تغلغهم فى كافة النواحى والمجالات فى المجتمع الامريكى. وقد تبلور الدور الهائل لليهود فى السياسة الأمريكية فى آخر تجلياته فى اختيار المرشح الرئاسى الديمقراطى آل جور للسناتور (اليهودى) ليبرمان نائبا له فى انتخابات الرئاسة. المصالح اليهودية ويضيف أحمد ابراهيم أن هذا الدور المتعاظم لليهود فى المجتمع الامريكى يعتبر نتاجا للعديد من الاعتبارات, يأتى فى مقدمتها التنظيم الدقيق للمجتمع اليهودى فى الولايات المتحدة, وتحركهم من خلال خطط ورؤى متسقة وذات استمرارية على مدى الزمن. ويتم تنظيم النشاط اليهودى فى المجتمع الأمريكى من خلال عدد هائل من الجمعيات اليهودية المتخصصة, والتى يقوم بالعمل فيها أفراد متخصصون ومتفرغون للعمل لخدمة المصالح اليهودية. ولا تقوم هذه المنظمات فقط بالدعاية للمصالح اليهودية بمختلف الطرق, ولكنها تقوم أيضا بتجميع أدق المعلومات عن الخصوم ومحار بتهم بضراوة.. وغير ذلك. فضلا عن التعبئة السياسية الشديدة لليهود, وحرصهم القوى على المشاركة السياسية وممارسة حقوقهم السياسية فى مجتمع يتسم بضعف نسب المشاركة والتصويت فى الانتخابات, بالاضافة الى نجاح اليهود فى فرض خطاب سياسى واعلامى معين على المجتمع الامريكى, يقوم على نبذ أى مؤشر, مهما كان ضئيلا أو محدودا, لمعاداة السامية, ونجاحهم الشديد فى استغلال علمانية المجتمع الامريكى, ومحاربة اى اتجاهات مسيحية اصولية فى المجتمع الامريكى, خوفا من تأثير ذلك على نفوذ ومكانة اليهود فى هذا المجتمع. وفى الوقت نفسه, تتسم الجماعة اليهودية بدرجة عالية جدا من التآزر والتساند, سواء من جانب الجماعات اليهودية المحلية داخل المجتمع الواحد أو من جانب الحركة اليهودية العالمية عموما, وهو ما يفيد عموما فى ضمان حصول اليهود عل التأييد والدعم القوى من جانب جماعتهم الدينية المرجعية. وفى ظل هذه الاعتبارات, استطاع اليهود أن يحققوا فى الفترة الحالية قدرا من النفوذ والمكانة لم يسبق لهم قط أن حققوه فى المجتمع الأمريكى, ويتكامل هذا النجاح مع نجاحات مماثلة فى العديد من المجتمعات الغربية الأخرى, مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا.. وغيرها. ويوضح أحمد ابراهيم محمود أن القدر الأكبر من نفوذ اليهود وعلاقاتهم لخدمة المصالح الإسرائيلية, وفى مقدمة ذلك زيادة قدراتها فى مواجهة الدول العربية, والحرص على تحويلها إلى قوة إقليمية عظمى فى الشرق الأوسط. وفى الكثير من الحالات, يبدى اليهود الأمريكيون قدرا من التشدد للمصالح الإسرائيلية يفوق التشدد الإسرائيلي ذاته, علاوة على حرصهم فى الوقت نفسه على تكريس النفوذ والدور اليهوديين على المستوى العالمى. وفى النهاية يشير إلى أن ازدياد الدور اليهودى فى المجتمع الأمريكى ينطوى على العديد من المشكلات, أبرزها أن هذا الدور يستثير رفضا ومعارضة شديدة من جانب قوى سياسية هامة فى المجتمع الامريكى, ومن أبرزها اليمين المحافظ الامريكى, علاوة على أن ليبرمان ذاته اضطر الى تقديم العديد من التطمينات التى تدل على أن ديانته اليهودية لن يكون لها تأثير على اختياراته السياسية ومواقفه حيال القضايا الداخلية والدولية, وهو ما يمثل قيدا الى حد ما على مواقفه السياسية. والدرس الرئيسى الذى تقدمه الخبرة اليهودية فى المجتمع الامريكى تتمثل فى ان التنظيم الدقيق والعمل الدؤوب والمشاركة السياسية النشطة تمثل المفتاح الرئيسى للنفوذ والتأثير فى السياسة الامريكية.