ارتبطت الجماعة اليهودية تاريخيا بالحركة الصهيونية العالمية منذ المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل بسويسرا عام 1887 وأمكن توحيد المنظمات اليهودية الأمريكية وراء البرنامج الصهيونى فى مؤتمر بالتيمور عام ,1943 وكان هدف الحركة الصهيونية واضحا فى اكتساب موافقة الحكومة والشعب الأمريكى على البرنامج الصهيونى الخاص باقامة دولة اسرائيل فى فلسطين واتبعت الحركة سياسة (الدبلوماسية ذات الصوت العالى) فى ذاك العام, وأصبح لها (لوبى تنظيمات الجماعة اليهودية وأبعادها الصهيونية يحتوى الكتاب السنوى اليهودى الأمريكى على أكثر من 200 منظمة يهودية, مما يجعل اليهود أكثر الاقليات الأمريكية تنظيما على صعيد المؤسسات الطائفية. وهذا التعدد التنظيمى يخفى وراءه وحدة فى القيادة والتخطيط والتنسيق من خلال مجموعة مؤسسات على المستوى القومى وتنقسم المنظمات اليهودية الى أربعة أنواع طبقا لطبيعتها ودورها كالآتى: أ ـ منظمات صهيونية: تضم أكثر من مليون يهودى أمريكى, وتشجع الهجرة الى اسرائيل, كما ترعى الانشطة السياسية والثقافية المناصرة لها, وتساعد على بيع سنداتها, وتجمع المال لحملات اتحاد النداء اليهودى وتضم 6 منظمات فرعية هى: الوكالة اليهودية لاسرائيل, والمنظمة الصهيونية العالمية القسم الامريكى, والاتحاد الصهيونى الأمريكى, ومنظمة هداسا (المنظمة الصهيونية النسائية فى أمريكا), والمنظمة الصهيونية الأمريكية, ورابطة الصهيونيين الاصلاحيين بأمريكا. ب ـ منظمات طائفية: تتمثل فى المنابر الكبرى ذات القاعدة الطائفية للنشاطات العلمانية ليهود أمريكا, وهدفها ادماج اليهود فى المجتمع الأمريكى, وتضم 5 منظمات فرعية هى: مجلس الاتحادات اليهودية, والمجلس الاستشارى لعلاقات الطائفية اليهودية القومية, واللجنة اليهودية الأمريكية, وعصبة مناهضة الافتراء التابعة لمنظمة (بناى بريث), والكونجرس اليهودى الأمريكى. جـ منظمات التمويل: ومهمتها جمع المال من الجالية اليهودية وجذب الاستثمارات الى اسرائيل, وتشمل 5 منظمات هى: النداء اليهودى المتحد, واللجنة اليهودية الأمريكية للتوزيع المشترك, والصندوق القومى اليهودى وصندوق قضية اسرائيل. أما منظمات جذب الاستثمارات فهى ايضا 5 منظمات: منظمة سندات دولة اسرائيل, الشركة الاسرائيلية الأمريكية, الشركة الاقتصادية الاسرائيلية, صندوق اسرائيل الجديد, المنظمات التى تمولها مؤسسات خاصة. د- منظمات ذات توجه خاص: وتتركز مهمتها على أهداف خاصة, وتتسم بالتطرف السياسى من اجل دعم اسرائيل, وتشمل 6 منظمات فرعية هى: عصبة الصداقة الاسرائيلية الأمريكية, مؤسسة الشباب للسلام فى الشرق الأوسط, اللجنة القومية للعمال فى اسرائيل, مجلس اتحاد العمال الأمريكى للهستدورت, الأمريكيون من أجل اسرائيل آمنة, المجلس القومى لاسرائيل الفتاة. وتركزت هذه المنظمات أنشطتها فى مناطق معنية بهدف كسب تأييدها وأبرزها الجامعات والمعاهد والمدارس والنقابات المهنية لاسيما اساتذة الجامعات, والكنيسة بأنواعها البروتستانت, والكاثوليك, والانجيليون. كذلك بين السود, وفى وسط الحركة العمالية ونقاباتها المختلفة. اللوبى المناصر لاسرائيل فى الساحة السياسية الأمريكية تتجلى قوة اللوبى الاسرائيلى فى مظهرين رئيسيين: الأول: قوة موارده وضخامتها داخل أمريكا وخارجها, والتى اصبحت تشكل أبرز مراكز التأثير فى العملية السياسية. يرجع ذلك الى الموارد المالية الضخمة والنفوذ القوى الذى يتمتع به اليهود فى سوق المال والأعمال (وول ستريت) والشركات العملاقة فى ميادين الصناعات الحربية النفطية والتكنولوجيا والأسر الثرية والبنوك. ثانيا: موارد اعلامية كبيرة فى مجال الصناعة الاعلامية والانتاج السمعى البصرى والسينمائى. ولقد كان لذلك تأثيره القوى فى القنوات والهيئات السياسية كالاحزاب والجمعيات المهنية ومراكز البحث والاستشارة, حيث يمتد نفوذه الضاغط الى قمة هرم الدولة (البيت الأبيض) ومختلف أجهزة صنع القرار السياسى فى الادارة والكونجرس ومجلس الأمن القومى. وتشمل تنظيمات اللوبى الاسرائيلى الآتى: اللجنة الأمريكية الاسرائيلية للشئون العامة (ايباك) وهى اللوبى الرسمى الوحيد المسجل والمكلف بمهمة الدعاية لدعم اسرائيل باسم الطائفة اليهودية, وتضم هذه اللجنة (38) منظمة يهودية أمريكية كبرى تمثل 5.4 مليون نسمة, وتتفوق على أى منظمة أمريكية أخرى فى اتخاذ المواقف وقيادة الحملات التى تعكس مواقف الحكومة الاسرائيلية. وتطبق أساليب مركزة للضغط على اتخاذ القرار بصورة نظامية راسخة, لاسيما فى الكونجرس ولجانه بالنظر لتأثيرها فى نتائج الانتخابات. لذلك يحرص الرئيس ونائبه ووزرائه على حضور اجتماعاتها السنوية, وكان آخرها فى مايو الماضى, حيث شملت أجندة العمل التى صدرت فى ختام المؤتمر مايمكن تسميته بـ (رسالة توجيه) الى الادارة الامريكية الحالية والقادمة, أشبه بالفرض والاملاء, وتدور خلاصتها حول الالتزام الأمريكى التاريخى والاخلاقى والسياسى لحماية اسرائيل ودعم امنها وزيادة قوتها والحفاظ بشكل عام على تفوقها على جيرانها العرب فى الحرب كما فى السلام. كما طلبت من الادارة والكونجرس دعما متزايدا لقوة اسرائيل العسكرية لتتمكن من اجهاض ومجابهة التهديدات العدوانية القادمة من نظم معادية مثل سوريا والعراق وايران وليبيا, وحتى تتمكن من درء مخاطر أسلحة الدمار الشامل فى أكثر من دولة عربية, كما حذرت الأجندة من بيع أسلحة أمريكية متطورة للبلدان العربية, حتى الصديقة لأمريكا خوفا من احتمال تهديدها لتفوق اسرائيل. ثم دعت الأجندة الحكومة والكونجرس الى الضغط على سوريا للتوصل الى اتفاقية سلام مع اسرائيل (تلبى حاجاتها الأمنية) ومطالبتها بسحب قواتها من لبنان, وبالتعهد بكبح جماح حزب الله والمقاومة اللبنانية, واقامة ترتيبات أمنية على الحدود السورية واللبنانية تحمي أمن اسرائيل. كما طالبت أجندة الايباك أيضا بأن تعمل الحكومة والكونجرس على عدم رفع الحصار عن العراق وعدم تغيير سياسة عزل ايران وليبيا والسودان مع ضرورة العمل على (بقاء القدس عاصمة موحدة لاسرائيل وحدها دون غيرها). والاسراع بنقل السفارة الأمريكية الى القدس . لذلك لم يكن غريبا ان يحوى البرنامج السياسى للمرشح الديموقراطى للرئاسة (آل جور) نفس توصيات منظمة (ايباك) والتى أوجزها فى قوله: (ان مصالح اسرائيل وأمنها هى من مصالح أمريكا وأمنها).. ولم يتخلف بوش الابن المرشح الجمهورى للرئاسة عن هذه المزايدات, بل لقد طالب بنقل السفارة الأمريكية فورا الى القدس. لجان العمل السياسى لمناصرة اسرائيل: وتوجه من خلالها المساهمات المالية للمرشحين السياسيين فى الكونجرس والرئاسة بأسلوب غير مباشر, وعددها (33) لجنة معروفة بتأييدها لاسرائيل, وان كانت تعمل بأسلوب مستتر خشية الاتهام بشراء السياسيين الأمريكيين. وقد أثمرت جهودها وجود 11 سيناتورا يهودىا ومجلس الشيوخ المكون من 100 عضو (أى 11%) رغم ان عدد اليهود 5.5 ملايين فى الولايات المتحدة (أى 2% من السكان), وبما يعنى ان اليهود ممثلون فى الكونجرس بأكثر من خمسة أضعافهم, كما أظهرت الاحصائيات ان 4 2% من الأمريكيين فقط كانوا يقبلون التصويت لمرشح يهودى قبل 50 عاما, الا ان هذه النسبة ارتفعت حاليا الى 92%, ويرجع ذلك الى قوة التنظيمات اليهودية والتزامهم, وما يتمتعون به من نفوذ مالى واعلامى وسياسى واجتماعى كبير, بالاضافة لشبكة علاقتهم القوية التى دقت جذورها فى المجتمع الأمريكى. وقد انعكس ذلك فى أن نسبة مشاركتهم فى الانتخابات التي تصل الى 75% على الأقل بينما لا تزيد هذه النسبة بين باقى الأمريكيين عن 20 ـ 25%. وقد استفاد اليهود بقوة من النظام الانتخابى الأمريكى المعقد الذى يعطى القوة لقلة من المدن والولايات على حساب الأكثرية, حتى تدار الحياة السياسية بالنخب المفكرة التى تنبع قراراتها من ترجيح المصالح وليس تغليب العاطفة. فنظرا لانتخاب الرئيس من خلال المجمع الانتخابى (538) عضوا يمثلون سكان الولايات المتحدة, نجد أن (255) عضوا يمثلون 15 ولاية ذات كثافة سكانية عالية, حيث تتركز التجمعات اليهودية فيها مثل كاليفورنيا, وبنسلفانيا, وأوهايو وتكساس.. وغيرها, حيث أن المرشح الذى يفقد الأصوات فى احدى الولايات ولو بصوت واحد, فإنه يخسر أصوات الولاية بالكامل فى المجمع الانتخابى, مما يؤثر على نجاح المرشح حتى لو حصل على أغلبية الأصوات الأمريكية فى الولايات الأخرى. جـ مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى: ويعمل بمثابة الصوت الرسمى ليهود أمريكا فيما يختص باسرائيل فى كلا الميدانين القومى والدولى, ويعتبر الذراع الدبلوماسية لها. وتتلخص مهامه فى شرح وتبليغ موقف اليهود والأمريكيين الى الادارة الأمريكية وصانعى القرار السياسى ووسائل الاعلام والحكومة الاسرائيلية والدول والهيئات الأخرى, كذلك شرح وتبليغ الموقف الأمريكى الى اسرائيل والطوائف اليهودية فى الدول الأخرى. د- المعهد اليهودى لشئون الأمن القومى: ويستهدف البنتاجون والمؤسسة العسكرية الأمريكية, ويقوم هذا المعهد بدور همزة الوصل بين الطائفة اليهودية والمؤسسة الدفاعية فى واشنطن, ومع فئة مختارة من المحللين الدفاعيين فى واشنطن ومع المؤسسة الدفاعية الاسرائيلية. عوامل قوة اللوبي المناصر لاسرائيل بالاضافة الى جوانب القوة التنظيمية والمالية والسياسية نجد ان هناك نوعين من عوامل القوة أولهما خاص بطبيعة النظام السياسى والمجتمع الأمريكى, ذلك ان النظام الرئاسى الحزبى أعطى الفرصة لنشأة كثير من جماعات الضغط, مماساعد اللوبى الاسرائيلى بخصائصه المعروفة على فرض مطالبه السياسية. أما العوامل الخاصة بالجماعة اليهودية الأمريكية فتتمثل فى وجودهم على قمة الهرم الاجتماعى الأمريكى, حيث يشكلون 34% من بين أغنى 475 عائلة فى أمريكا يسيطرون على كبريات الشركات الصناعية والتجارية النافذة الى دوائر صنع القرار السياسى. وأبرز هذه العائلات: (ادجاربر ونجمان) رئيس المجلس اليهودى العالمى, ويساهم مع شقيقه (تشارلز) فى دعم ميزانية حزب العمل الاسرائيلى, والحزب الديمقراطى الأمريكى. (آل أننبرج) ويعتبر من أكبر المتبرعين للحزب الجمهورى, كما يمول عدة مراكز دراسات وأبحاث سياسية ومؤسسات صحفية فى (واشنطن) (آل كراون) وهى أسرة يهودية معروفة فى مجال الصناعة الحربية لاسيما فى الطائرات ولها صلات قوية بسلاح الطيران الأمريكى: (آل لودر) وتملك أكبر الشركات العاملة فى مجال العطور, وتولت شخصيات من الأسرة مناصب سياسية رفيعة فى ادارة ريجان. أما دور الجماعة اليهودية فى التأثير على الرأى العام الامريكى والعالمى, فيتمثل فى امتلاكهم لمعظم وسائل الاعلام والدعاية بأنواعها. فيمتلكون 250 مجلة وصحيفة جميعها يهودية, كما تسللوا الى الصحف والنشرات الطلابية. بالاضافة لدور نشر الكتب التى تخدم أغراضهم.. مثل كتاب (الخروج) الذى حفل بالدعاية لاسرائيل والتهجم على العرب. أما فى مجال السينما والاذاعة والتلفزيون, فإن 90% من العاملين فى هوليوود من اليهود المسيطرين على شركات (لويس), (مترو جولدين ماير), (بارامونت), (اخوان وارنر) التى تملك 350 مسرحا و35 وكالة توزيع أفلام, كذلك شركة (فوكس للقرن العشرين).. وفى مجال الاذاعة والتلفزيون نجد أنه بالنسبة للتغطية الاخبارية لمحطات ABC, NBC,CNN,CBS أن متوسط الدقائق فى السنة الواحدة لاسرائيل كانت 4.98 دقيقة فى حين كانت بالنسبة لمصر 7.54 دقيقة. الصهيونية المسيحية ساهم الانتصار العسكرى لاسرائيل فى حرب 1967 فى احياء صهيونية المسيحية الاصولية الامريكية التى تزعم ان قيام اسرائيل عام 1948 كان تأكيدا لنبوءات التوراة حول نهاية العالم, وادعاءات أخرى باطلة حول احلال مملكة اسرائيل فى اراضى جديدة منها القدس مع المجئ الثانى للمسيح, وهدم المسجد الأقصى ليقام على انقاضه مايسمى بهيكل سليمان. وقد بدأ قطاع كبير من الأمريكيين يتعامل مع الاحداث السياسية فى الشرق الأوسط كسيناريو أرض لنبوءات سماوية (فشعب الرب يؤسس الآن امبراطوريته, ووعد الرب لبنى اسرائيل بأرض فلسطين يتحول الى مزارع وتعمير صحارى فى الأرض الموعودة). هذا ماتردده وسائل الاعلام الدينية المتمثلة فى 104 محطات تلفزيونية دينية, 1006 قنوات تلفزيونية كابل, و1400 محطة اذاعية تبث الواحدة 17 ساعة يوميا يشاهدها ويستمع اليها حوالى 70 مليون أمريكى, حتى أصبح يطلق عليها (الكنائس التلفزيونية) وتمثل اسرائيل درة التاج فى برامج تلك الشبكات (المسيحية) على اساس ان دعم اسرائيل وتأييد احتلالها للقدس هو التزام دينى, وان دور الشبكات هو تهيئة الأمريكيين لمجئ المسيح والذى يسبقه اقامة الهيكل فى القدس مكان المسجد الأقصى. وقد ساعد على تحيز الأمريكيين لاسرائيل ان الثقافة الأمريكية بفعل اللوبى اليهودى أصبحت توصف بأنها ثقافة (يهو مسيحية (Judeo christian تقوم على التقاليد الاخلاقية والدينية اليهودية والمسيحية أى (التراث اليهودى المسيحى) الأمر الذى ترجم فى النهاية الى معنى سياسى هو توافق القيم الأمريكية والاسرائيلية. وقد بلغ النفوذ اليهودى فى الكنائس حد تحريم قراءة العهد الجديد الذى لا يعترف به اليهود, واقامة الصلوات بقراءة العهد القديم فقط. ويتصاعد تيار (اليهو مسيحية) ليصل الى البيت الأبيض فى عام ,1976 فنجد الرئيس كارتر آنذاك يعلن بعد ميلاده الثانى كمسيحى: (ان تأسيس اسرائيل المعاصرة هو تحقيق للنبوءة التوراتية). والمقصود بالميلاد الثانى بعد دخول اسرائيل القدس. ومضمون الرسالة الاعلامية لهذه الشبكات الدينية مضمون توراتى (مسيحى صهيونى) يدعو كل أمريكى لبذل الجهود لاكتمال النبوءة. ومن ثم أصبح تهويد القدس باعتبارها المدينة التى سيحكم المسيح منها العالم لدى مجيئه, هو (الشاحن) للقوى المنوط بها فى الولايات المتحدة مساعدة اسرائيل على ذلك. بقلم: لواء ركن حسام سويلم * خبير استراتيجي مصري