نظرا لما تشكله انتخابات الرئاسة الامريكية من اهمية خاصة, انطلاقا من الدور الرئيسي الذي تلعبه الولايات المتحدة الامريكية على الساحة الدولية, والتأثير على سياسات معظم دول العالم سواء بشكل مباشر او غير مباشر, ولما يتمتع به الاقتصاد الامريكي من ثقل ملموس, ونظرا للتقدم العلمي والتقني الذي تتمتع به امريكا في مجالات كثيرة, تهتم معظم دول العالم ومن بينها الدول العربية بكيفية واساليب وصول الرئيس الامريكي للبيت الابيض, حول هذا الموضوع أجرى (الملف السياسي) في لاهاي بهولندا لقاء مع حمدي محمد عبدالرحمن مراقب الشئون السياسية الامريكية, اثناء مشاركته في الندوة الاوروبية الامريكية في لاهاي حول الانتخابات الامريكية. وفيما يلي نص الحوار: * لماذا يتكالب مرشحو الرئاسة الامريكية على الجالية اليهودية؟ ـ لأن الجالية اليهودية قوة مؤثرة في المجتمع الامريكي, تحركها استراتيجية اقتصادية واعلامية تعمل على اسس علمية مدروسة, فتكمن قوة ونفوذ يهود امريكا في حقيقة اختراق الجالية اليهودية للقطاعات الاقتصادية المؤثرة في الولايات المتحدة الامريكية, وكذلك احتلال ابناء اليهود لاعداد لا بأس بها من المناصب السياسية التحتية التي تلعب أدوارا مؤثرة في رسم وتسيير سياسات الادارات الحكومية المختلفة, ليس فقط في المحليات الصغيرة ومجالس المدن بل في الولايات الكبرى التي تشكل اهمية خاصة للادارة السياسية الامريكية ومرشحي الرئاسة, اضافة الى ان الجالية اليهودية نشيطة في الحياة الاجتماعية من خلال الجمعيات والمؤسسات الخيرية, وتعتمد الجالية اليهودية سياسة تسير على خطوط وتدور في محاور مركزية ذات مصالح اجتماعية مباشرة, كل هذا يتم بقوة دفع مستمرة من المؤسسات الاعلامية التي يملكها اليهود, ايضا يوجد ليهود امريكا ابواب خلفية للوصول لمرشح الرئاسة الامريكية, منها استخدام الفضائح وعمليات الابتزاز السياسي, والمصالح المشتركة في الوقت ذاته. * نسمع ونقرأ الكثير عن وسائل الاعلام التي يملكها اليهود, هل لك أن توضح لنا كيف يعمل الاعلام اليهودي في أمريكا؟ ـ بداية هوية وسائل الاعلام في الولايات المتحدة هي أمريكية في ظاهرها, يهودية متطرفة وبعضها صهيونية في باطنها, وتكاد تكون أشد تطرفا من الليكود الاسرائيلي, ومن خلال حوالي 15 سنة اقامة مستمرة في مختلف الولايات المتحدة الأمريكية, وطبيعة عملي التي تتطلب الانتقالات المستمرة والمرور على شركات برمجيات الكمبيوتر التي يملك معظمها يهود, ولهذه الشركات علاقات وطيدة بوسائل الاعلام نستطيع القول ان الصحف اليومية ومطبوعات الرأي المتخصصة ومحطات التلفزيون تقوم بالدور الأكبر في صياغة وتشكيل الرأي العام الأمريكي اعتمادا على الآتي: 1 ـ اجراء الأبحاث والدراسات الاجتماعية للتوصل بصفة مستمرة لمعرفة الثقافة الأمريكية وما يطرأ عليها من متغيرات, ومتابعة سلوك وتصرفات الجماهير وفقا للأعمار والطموح, كما ان لغة التخاطب التي تستخدمها وسائل الاعلام توضع في اطار يعتمد على استخدام المفردات والعبارات التي ترضي رغبة الجماهير. 2 ـ تراعي وسائل الاعلام التي توجد تحت إدارة اليهود اتباع أسلوب يبدو في ظاهره لغة واضحة ومتوازنة وحيادية, لدرجة انه من وقت لآخر تجد مثلا في بعض الصحف الأمريكية إدانة صريحة للسياسة الاسرائيلية, وهذا أسلوب يدخل ضمن استراتيجية تعتمد على أساس سيكولوجي في كسب تعاطف جماهيري عريض مع صحيفة يومية أو محطة تلفزيونية. 3 ـ الاتصالات الشخصية التي يقوم بها رجالات المال أصحاب النفوذ برجالات السياسة الأمريكية والمشاركين في صناعة السياسة الأمريكية سواء الداخلية أو الخارجية, وتقوم هذه الاتصالات على أساس من العطاء والسخاء في شكل التبرعات للمؤسسات الخيرية, أو بناء مدارس أو وحدات صحية علاجية. وتهدف هذه الأساليب الى كسب التعاطف الجماهيري الضروري لبث الأفكار المراد نشرها, وتحقيق الأغراض بطريقة ذكية, فبدون وجود تعاطف وجسور ممتدة بين وسائل الاعلام والجماهير لا تتحقق الأهداف, ومن المثير للدهشة انه رغم الكذب الفاضح ولي الحقائق وتزوير حتى التاريخ في وسائل الاعلام, إلا انها تحظى بمصداقية لدى معظم الجماهير, وقد يعود ذلك بنسبة ما لغياب وجهات النظر الأخرى لعرب أمريكا مثلا. * هل تعتقد بأن الجالية العربية غائبة عن الساحة السياسية الأمريكية؟ ـ نعم للأسف الشديد غائبة ونائمة تنهشها خلافات الرأي والمصالح الشخصية المريضة, وبالرغم من ان هذه أوصاف فجة وصارخة الا انها الحقيقة المرة التي لا يجب اخفاؤها, ولا يجب تجميلها لأن هذا لا يفيد إلا من يتربص بمصالح العرب كاملة, الجالية العربية الإسلامية في أمريكا غير منظمة وتفتقر لوجود إرادة اثبات الذات, ولا أنكر في الوقت ذاته وجود محاولات صادقة وجادة من بعض العرب, إلا ان الوضع العام يبقى ضعيفا, ونجد ان معظم العرب في أمريكا هم نتاج الأوضاع العربية الداخلية في بلادنا العربية, وتصرفاتهم ومناهجهم لا تختلف كثيرا عن عرب الداخل, واسمح لي أن أذكر لك بعض بواطن ضعف هذه الجالية التي نأسف لها: ـ قلة من أفراد الجالية العربية في أمريكا هم الذين يذهبون لصناديق انتخابات الرئاسة الأمريكية أو انتخابات الكونجرس, أليس هذا هو أيضا حال العرب في بلدانهم؟ إن واحدة من أخطر العقبات التي تقف في طريق تنمية الديمقراطية في العالم العربي هي الشعوب ذاتها وليست الحكومات بالدرجة الأولى, الشعوب العربية لا تشارك في الحياة السياسية إلا بقدر قليل غير مؤثر, وهذا هو حال عرب أمريكا, فهم غير مشاركين في الحياة السياسية الأمريكية, وذلك بعكس يهود أمريكا, حيث تؤكد الأبحاث السياسية ونتائج استطلاعات الرأي ان أكثر من 96.3% من يهود أمريكا منظمين في مؤسسات ولهم مشاركة مؤثرة في السياسة الأمريكية. ـ المؤسسات العربية والجمعيات الإسلامية أو الروابط الاجتماعية الموجودة في أمريكا قليلة جدا بالمقارنة مثلا بمثيلتها اليهودية, وحتى المؤسسات العربية القائمة تسيطر عليها الخلافات فهذا لبناني وآخر مصري وثالث سوري, وعلى الرغم من وجود مثل هذه الخلافات المتشابهة في المؤسسات اليهودية إلا انها خلافات تنصهر وتتوحد في اطار المصالح اليهودية المشتركة على الصعيد الداخلي وتؤازر المصالح الاسرائيلية. ـ أما أثرياء عرب أمريكا والذين نعول عليهم كثيرا ونعاتبهم أكثر لغياب دورهم, في اعطاء الجالية العربية دفعات قوية ومدهم بالمال اللازم لعمليات إدارة وتنظيم شئون المؤسسات والجمعيات العربية, فهم ـ أثرياء العرب في أمريكا ـ في غفوة ولا بد من ايقاظهم, للقيام بدور من شأنه رفع قيمة وشأن عرب أمريكا ليكون لهم دور مؤثر. ومن هنا نجد ان هذا الغياب وذاك القصور يجعل ساسة أمريكا, أو مرشحي الرئاسة لا يوجد ما يدفعهم نحو الجالية العربية, لمعرفتهم مسبقا انهم جالية غير مؤثرة, ولا تحظى بوزن سياسي. اجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي