في أعقاب الفوز الكاسح الذي حققه زعيم الدروز وليد جنبلاط في المرحلة الاولى من الانتخابات اللبنانية أمس تبرز تساؤلات حول ما إذا كان هذا الفوز من صنعه أم نتيجة حملة السلطة ضده. وهل سيتمكن حليفه رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري من تحقيق فوز مشابه في مركز ثقله بيروت يوم الاحد المقبل. هذه التساؤلات ترددت بقوة مثلما تردد صدى زغاريد الفرح التي اخترقت ليل العاصمة, ولا سيما المناطق المؤيدة للحريري, بعدما أطاح الزعيم الدرزي جنبلاط بجميع أعضاء لائحة السلطة في عرينه, قضاء الشوف, بسهولة من مسح بإصبعه طبقة قشدة عن قطعة حلوى, والتهمها من دون أن يلوث شفتاه. يقول دبلوماسي غربي رفيع أن جنبلاط (حقق نصرا نظيفا. السلطة اللبنانية التي كانت أعلنته خصما لها وحاصرته بحملة إعلامية شرسة, منيت بهزيمة لوثت أنفها. خسرت في لعبتها التي أدارتها بقوانينها وعلى ملاعبها. فهل كانت مخطئة في تقدير حجم جنبلاط أصلا, فاختارت خصما لا تستطيع أن تهزمه, أم إنها بالغت في تقدير قوتها وقوة أنصارها, فتهاوت عند التجربة؟) . ويقول الدبلوماسي أنه إضافة إلى الخلل الواضح الذي اعترى تقدير السلطة لموقع وحجم الزعامة الجنبلاطية التاريخية في محيط يمتد من مشارف بيروت إلى جبل الدروز في سوريا, مرورا بمرتفعات الجولان المحتلة, فإن جنبلاط, الذي جمع التأييد المسيحي المعارض للسلطة المتحالفة مع سوريا, والتأييد المسلم السني المعادي للسلطة لاطاحتها الحريري قبل نحو عامين, حصد أيضا عطفا منقطع النظير من شريحة المحايدين الذين استفزتهم حملة السلطة ضده عبر تلفزيون لبنان الحكومي. ويقول المراقبون أن تلفزيون لبنان كال لجنبلاط سيلا من الاتهامات, وتوقف على مشارف إلباسه ثوب الخيانة العظمى بعدما زعم أنه يريد حل الجيش اللبناني وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والاستئثار بالزعامة. ولم تكن الاتهامات جميعها منسوبة إلى أي مصدر. ويقول المحللون أن الحملة الرسمية, البدائية فعلا على المستوى المهني إعدادا, وتنفيذا, وهدفا, أغفلت حقيقة دعائية ـ اجتماعية وهي أن الاقليات عموما, والدروز منها, تتمتع طبيعيا بحس تكتلي مرهف عندما تستشعر خطرا فتتكاتف مع بعضها. لذلك سجل قضاء الشوف نسبة إقبال غير مسبوقة على الانتخابات لصالح جنبلاط في القرى الدرزية قاربت السبعين في المئة, قياسا إلى نسبة وسطية عامة لم تتجاوز 46 بالمئة. وبدا واضحا أن جنبلاط, اللاعب المحترف في المعترك السياسي منذ ورث زعامة الدروز من والده كمال جنبلاط الذي اغتيل رميا بالرصاص في 17 مارس عام ,1977 لم ينزعج من الحملة الرسمية ضده, بل تلقف الهدية المجانية وسار بها قدما معلنا لانصاره في خضم المعركة أن (الدولة ضدنا وسنواجهها. فقدوا أعصابهم . ليس المهم أن ننجح في الانتخابات, المهم أن تنجح الديمقراطية) . وواجه الدروز السلطة عن طريق الانتخابات, كما واجهها الخائفون على الديمقراطية المهددة من المسيحيين المشتتة زعاماتهم, والمسلمين السنة المفتقدين لثقل زعيم كالحريري في رئاسة الحكومة, وهي أكبر المناصب المخصصة لهم في هيكلية الدولة اللبنانية, فاقترعوا جميعا لصالح جنبلاط وجميع أعضاء لائحته في الشوف ولمرشحيه في قضاء عالية. وبالرغم من شدة المعركة ومراهنة السلطة على حليفها الرئيسي طلال أرسلان ليشق الصف الدرزي في عالية, فقد امتص جنبلاط الذي يتقن لعبة التوازنات, الهجمة, فأبقى مقعدا شاغرا في لائحة عالية لارسلان, سامحا بفوزه وحيدا دون فعالية ومسقطا بقية لائحته. لكن السؤال هو هل سيتمكن الحريري من تطبيق تجربة جنبلاط الناجحة في بيروت المقسمة إلى ثلاث دوائر انتخابية له فيها ثلاث لوائح جاهزة للمنافسة؟. يقول المراقبون أن ظروف الحريري وظروف بيروت تختلف موضوعيا عن واقع جنبلاط وأجواء الشوف. فالحريري, ورغم شراسة حملة إعلام السلطة عليه إلى درجة الايحاءات المعلنة بأنه غير مقبول لرئاسة الحكومة المقبلة بعد الانتخابات, لم يهاجم السلطة بشخص لحود كما فعل جنبلاط, بل عمد إلى امتداح رئيس الجمهورية في غير مناسبة, وتركز هجومه على رئيس الوزراء الحالي سليم الحص, المرشح في غير دائرة الحريري في بيروت, والذي لم يرشح لوائح في الدائرتين الثانية والثالثة, كما لم يعلن تأييده لاي مرشح ضد الحريري, خارج لائحته. على هذا الصعيد, لا يبدو الحريري للناخبين البيروتيين معرضا لخطر شديد من سلطة عليا, بل لمنافسة قد تكون غير متكافئة لصالحه من قبل الحص. كما أن وضع الطائفة السنية, على عكس الدروز, هو تاريخيا وضع أكثرية منذ حكم السلطنة العثمانية قبل الحرب العالمية الاولى, وبالتالي فإنها لم تسجل في أي مناسبة تصرفا تكاتفيا على قاعدة استشعار الخطر, علما أن الحريري يبدو مراهنا على تكاتفها على قاعدة استشعار الجوع, نظرا لتردي مستواها الاقتصادي, وما يؤمنه هو لها من آمال في انتعاش مادي وحيوية اقتصادية. إلا أن الحملة الدعائية الرسمية ضده قد تفيده. فإن مجرد إطلاق صفة (الحوت) المالي عليه, وتكرار الصفة بهدف تصويره جشعا, قد يعزز احتمال التكاتف معه ,على خلفية اقتصادية, بين الجائعين, الكثيرين جدا ولا سيما في منطقة الطريق الجديدة معقله الرئيسي الذي عززه بمستوصفات وخدمات طبية وإنسانية واجتماعية ومعاهد مهنية.د.ب.أ