افتتح صباح الخميس الماضي 24/8 مؤتمر اعادة بناء الحركة الاسلامية بأرض المعسكرات في سوبا بحضور كثيف يقارب السبعة آلاف شخص بالرغم من ان الدعوة وجهت الى 4500 عضو, مما يعني ان حوالي الالفين من الاسلاميين دفعهم الشوق والحنين الى المشاركة في هذا التجمع الاسلامي الكبير الذي يبشر باعادة بناء الحركة فجاءوا من غير دعوة واتسعت لهم صدور المنظمين للمؤتمر. لقد مرت الحركة الاسلامية الحديثة منذ انشائها في نهاية الاربعينيات من القرن الذي مضى بمراحل متعددة اتخذت لها اسماء مختلفة (حركة التحرير الاسلامي, الاخوان المسلمون, جبهة الميثاق الاسلامي, الجبهة الاسلامية القومية, واخيرا المؤتمر الوطني الحاكم الذي انشق عنه المؤتمر الشعبي). واختارت قيادة الحركة الاسلامية في اول التسعينيات ان تقوم بحل الحركة بعد ان استولت على السلطة في يونيو 89, وكأن استلام السلطة السياسية كان هو غاية المنى وما عاد للحركة من دور تلعبه, وبرهنت الاحداث ان ذلك كان خطأ قاتلا ليس فقط بالنسبة للحركة او للدولة التي قامت باسمها ولكن حتى بالنسبة لقيادة الحركة التاريخية التي ظلت تتعامل مع العسكريين الذين جاءت بهم الى السلطة باسم التنظيم دون ان يكون هنالك تنظيم! واضطرت القيادة في السنوات الاخيرة الى اصطناع جهاز فوقي غير معلن حشدت له عددا ضخما من المسئولين في اجهزة الدولة المختلفة, يتخذ القرارات الهامة باسم تنظيم الحركة الاسلامية الحديثة, ثم ذاب هذا الجهاز في كيان المؤتمر الوطني حين عقد اجتماعه التأسيسي في يناير 98, واصبح الدكتور حسن الترابي امينا عاما للتنظيم في شكله الجديد. وكانت معظم قواعد الحركة الاسلامية ليست راضية عن ذوبان التنظيم في كيان المؤتمر الوطني الذي يجمع اخلاطا من الناس والافكار والمعتقدات جذبتهم مغريات السلطة وبريقها اللامع, ولكن القواعد التزمت سكوت العذراء اما رضوخا لامر القيادة او حماية للدولة المحاصرة او خوفا من زوال المناصب ولكن الخلاف بين القيادة التاريخية للتنظيم وبين قيادة الدولة الذي بدأ يطفح الى السطح في اعقاب مذكرة العشرة (ديسمبر 98) ادى الى اقناع الكثيرين بضرورة عودة تنظيم الحركة الاسلامية وهذا ما اوصى به تجمع الاسلاميين في قاعة الصداقة ( ديسمبر 99), وكتمت تلك التوصية في حينها لانها لم تكن محل رضا من قيادة الحركة ولا من قيادة الدولة. ولكن عندما احتدم الخلاف بعد النفرة الكبرى (مايو 2000) التي دعا لها الرئيس البشير وقاطعها الدكتور الترابي ثم انشق الدكتور الترابي بحزبه (المؤتمر الشعبي) اصبحت الدولة في حاجة الى (غطاء اسلامي) فما عادت تمانع في تأسيس كيان للحركة الاسلامية داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم, وكان الاولى بالشيخ الترابي ان يبادر هو بانشاء تنظيم للحركة الاسلامية لانها القاعدة الحقيقية التي يعتمد عليها ولكن كبرياءه حال دون ذلك فهو لا يريد ان يقال عنه انه تراجع الى الوراء, الى عهد التنظيم الصفوي الذي عرفته الحركة قبل انتفاضة ابريل 85, وان اجتهاداته السابقة منذ اقدامه على انقلاب يونيو 89 اثبتت انها خاطئة, ولا بأس عليه ان يعيش في وهم ان 80 في المئة من قواعد الحركة الاسلامية تقف معه كما صرح بذلك الى جريدة الشرق الاوسط, ومهما قيل في الكيفية التي عادت بها الحركة الى الوجود التنظيمي فعودتها تصحيح لوضع خاطىء وتطور ايجابي في مسيرة العمل الاسلامي, جاء في صحف الجمعة ان المؤتمر اجاز ثلاث اوراق عن: دواعي اعادة بناء الحركة الاسلامية قدمها امين حسن عمر, والنظرية العامة لعلاقات الحركة الاسلامية قدمها غازي صلاح الدين, والنظام الاساسي قدمها فتحي خليل, وسيناقش المؤتمر في يوم الجمعة ورقة عبدالجليل النذير الكاروري عن البرنامج الاجتماعي للحركة كما سيناقش موقف الحركة من مشكلة الانقسام بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي. وبما ان منظمي المؤتمر رأوا اننا لسنا اهلا لدعوتهم ومن جانبنا لم يقتلنا الشوق حتى نذهب اليهم من غير دعوة, فلا ضير علينا ان ندلي بدلونا في النقاش من خارج قاعات المؤتمر. اول ما يلاحظه المرء ان المناخ الذي يعاد فيه بناء الحركة الاسلامية بالغ التعقيد وبالغ الحساسية لانه يجيء في وقت قامت في البلاد سلطة باسم الحركة على مدى احد عشر عاما وقدمت نموذجا في الحكم بعيدا عن تطلعات الحركة ومثلها التي كانت تدعو اليها, وفي ذات الوقت ارتبط عدد كبير من قيادات الحركة وظيفيا وسياسيا بالحكومة القائمة لا يستطيعون منها فكاكا, تشهد بذلك آلاف العربات البيضاء الفارهة التي اصطفت حول ارض المعسكرات اثناء الجلسة الافتتاحية, فهل تستطيع الحركة في هذا المناخ ان تقدم رؤية نقدية لاداء سلطة الانقاذ طيلة السنوات الماضية وتقول في شجاعة: اين كان الخطأ ولماذا وقع؟ وتجيء اعادة البناء بعد ان انشقت الحركة الاسلامية من القمة الى القاعدة دون ان تحمل اوراق المؤتمر تحليلا لتلك الظاهرة او تعرض تفاصيل نشأتها وكيفية تطورها. الملاحظة الثانية ان النظام الاساسي حصر دور الحركة الاسلامية في (رعاية الوظائف والاجهزة والواجهات والمؤسسات التي لا ترعاها الدولة ولا التنظيم السياسي العام) اي المؤتمر الوطني فالنظام الاساسي يفترض ان الدولة (الموالية) باقية الى امد غير محدود وان العلاقة مع المؤتمر الوطني غير قابلة للتغيير والتبديل, وهذا افتراض غير منطقي وغير واقعي. واهم من ذلك كله يحرم هذا الافتراض الحركة الاسلامية من الخوض في الشأن السياسي العام, ومن هي اذن الجهة التي ستقدم الرؤية السياسية الاسلامية للحزب او الدولة؟ وماهي الغضاضة في ان تعمل الحركة الاسلامية لتأصيل الرؤية السياسية وتعمل على نشرها والدعوة لها في اوساط الحزب ومن خلال اجهزة الدولة؟ فان منبر الجنوب في داخل المؤتمر الوطني يكاد يحتكر الحديث في كل شيء يتعلق بالجنوب: سياساته وتنميته واختيار المسئولين فيه. لقد برهنت سنوات الحكم الماضية ان الرؤية السياسية الاسلامية غائمة عند الكثيرين من قيادات الحركة الاسلامية خاصة في مجال الحريات العامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والعلاقات الخارجية الى درجة تصل مرحلة التعارض والتناقض, فالحركة في حاجة بناء على التجربة الماضية لاجلاء رؤيتها السياسية وتحديد اولوياتها. والملاحظة الثالثة: ان العلاقة بين الحركة والحكومة وبين الحركة والمؤتمر الوطني ليست واضحة, واكتفت الاوراق بالاشارة الى ان وظائف الحركة هي خارج اطار ما ترعاه الدولة والتنظيم السياسي, وهذا اختصار مخل لقضية في غاية التعقيد والتشابك. وقد وقعت النزاعات الماضية حتى داخل التنظيم السياسي الواحد بسبب غموض العلاقات وحدود الصلاحيات بالاضافة الى الطموحات الشخصية عند كل من الرئيس والامين العام. وهناك فئات من المجتمع لا يصلح العمل في وسطها من خلال المؤتمر الوطني مثل الطلاب والشباب والاتحادات المهنية والمغتربين والخدمة المدنية والاجهزة الاستراتيجية, وللحركة الاسلامية تاريخ طويل في العمل وسط هذه الفئات ولن يكون العمل بينها خارج محيط السياسة وتطوراتها وتداعياتها. والملاحظة الرابعة: هي اضعاف قيادة الحركة بتضخيم عدد اعضاء مجلس الشورى (250 عضوا), وتخصيص اكثر من نصف اعضائه للولايات (130 عضوا), و 70 عضوا للوظائف التخصصية (فئات), لماذا يحتاج تنظيم ثقافي تربوي لكل هذا العدد في مجلس الشورى؟ ولماذا تمثل الولايات بهذا العدد الكبير وليس في الامر مصالح ولائية يدافع عنها؟ والنتيجة هي تعذر اجتماعات المجلس وصعوبة ادارة شورى فاعلة فيها, لقد كون مجلس الشورى على اساس سياسي بحت مع انه حرم بحكم نظامه الاساسي من الخوض في الامور السياسية! كما ان النظام الاساسي ينص على اختيار رئيس المكتب التنفيذي بواسطة مجلس الشورى وكان التقليد الساري في الحركة ان يختار بواسطة المؤتمر العام حتى يعطيه ذلك نفوذا اكثر في قيادة الحركة, بل كان الرئيس هو الذي يختار اعضاء المكتب التنفيذي ويعرضهم على مجلس الشورى لاجازتهم, ولكن النظام الجديد ينص على انتخاب اعضاء المكتب التنفيذي بواسطة مجلس الشورى تماما كحال رئيس المكتب التنفيذي مما يجعلهم جميعا في مرتبة متساوية. واخشى الا يصبح رئيس المكتب التنفيذي متفرغا لعمله التنظيمي, مما يجعل الحركة الاسلامية اشبه بجمعية للهواة تمارس نشاطاتها في اوقات الفراغ, وما اقلها بالنسبة لمسئول في الدولة او في قطاع التعليم العالي!. ومع ذلك ينبغي الترحيب باعادة بناء الحركة الاسلامية فهي افضل من حالة الشتات التي كانت سائدة منذ بداية ثورة الانقاذ والامل كبير في ان تنصلح اوضاع الحركة تدريجيا بعد ان تنشأ اجهزتها المستقلة وتتجاوز الحكومة مخاوفها الحالية من الكيان الجديد!